"سجون الشيطان" تواجه غضب ضحايا نظام الأسد
يرصد "قيصر" تجارب وقصصاً عن حياة سوريين وجدوا أنفسهم أمام مواجهة منظومة أمنية وعسكرية شديدة وعنيفة من بينها دوائر حكم فاسدة ومتسلطة ألحقت الأذى بالمواطنين، مما انعكس سلباً على حياتهم اليومية بطريقة مؤلمة.
لا يزال مسلسل "سجون الشيطان" أو ما يعرف بـ"قيصر... لا زمان لا مكان" الدرامي يثير جدلاً شعبياً في سوريا بعد عرضه خلال الموسم الرمضاني الحالي، وبعد متابعة حلقاته الأولى أبدت عوائل المعتقلين والسجناء في زمن نظام الأسد استياءً لما تضمنه من هفوات تركت تأثيراً في مجريات سردية السجون وأماكن الاحتجاز والاعتقال وفق متابعين طالبوا بوقف فوري للعمل.
وخرج سريعاً مسلسل "قيصر" من قائمة السباق الرمضاني لهذا الموسم مع انطلاق عرض حلقاته الأولى، ويرى متابعون أنه خسر الشارع السوري بعد فقدانه الصدقية، ورفض ناشطون ومتخصصون وسجناء سابقون في معتقلات الأسد خلال الفترة الممتدة ما بين أعوام 1970 و2024 الرواية التي تبناها العمل ودعوا إلى مراجعة، ولا سيما أنه يدور حول مأساة حقيقية، وسط رفض عائلات ضحايا "قيصر" عرضه قبل الكشف عن الحقائق وتسليم الرفات، وأن تأخذ العدالة مجراها وتسبق الدراما، مع رفضهم توجيه إهانة لأحد رموز الثورة الراحل عبدالباسط الساروت ضمن إحدى حلقات المسلسل.
وجاء اسم "قيصر" استناداً إلى الاسم المستعار لمصور الطب الشرعي لدى الشرطة العسكرية الذي فرّ وبصحبته قرابة 4500 صورة التقطها بين عامي 2011 و2013 لضحايا التعذيب والوفيات في سجون نظام الأسد وأظهرت الوثائق جثث 6786 سجيناً، والاسم الحقيقي للكاشف عن أسرار السجون فريد المذهان.
أعلنت رابطة عائلات "قيصر" الأربعاء الماضي رفضها القاطع تحويل مأساة الضحايا إلى مادة درامية تعرض على الشاشات، ووصل غضب الرابطة من المسلسل إلى إصدار بيان خاص تحدثت ضمنه عن جراح عائلات لا تزال تنزف وشددت على عدم جواز التعامل معها كسيناريوهات تجارية أو مواد للعرض الترفيهي، وطالبت أيضاً بوقف عرض العمل قبل الكشف عن الحقائق كاملة وتحديد أماكن الدفن وتسليم الرفات لذويه بكرامة.
وأضافت أن "قصص أبنائنا أمانة تاريخية لا تباع ولا تشترى في سوق الإنتاج التلفزيوني، وعرضها ضمن سياق ترفيهي أو تحت إشراف جهات متورطة تزييف للوعي وطعنة جديدة في قلوب الأمهات".
والعمل من إخراج صفوان نعمو، وبطولة سلوم حداد وغسان مسعود وفايز قزق وسامر إسماعيل وصباح الجزائري، ولاقى انتقادات أيضاً لمشاركة ممثلين كانوا قد أبدوا تأييدهم للرئيس السوري السابق بشار الأسد واستخدامه العنف المفرط بمواجهة الحراك السلمي والثورة الشعبية، بل يؤدون أدوار الضحايا، مما عده ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي استفزازاً لأهاليهم والمعارضين للنظام البائد.
في المقابل يرى متابعون أن العمل وُفّق في تجسيد صورة الحكم السوري السابق وإظهار مدى الظلم الذي لحق بالشعب عبر القمع والعنف، وما ترتب عليه من معاناة لازمته لعقود، وكيف حكمت العائلة الأسدية البلاد بقبضة من حديد وتوّجت قمعها المفرط بقصف المدن والقرى السورية بالبراميل المتفجرة مع اندلاع الثورة لإسقاط النظام عام 2011، ويقول عضو رابطة معتقلي الثورة السورية محمد خير الله "بالنسبة إليّ توثيق جرائم النظام السابق عن طريق الأعمال الفنية، واستخدام الفن كنوع من أنواع التوثيق مقبول ومرحب به".
ويرصد "قيصر" تجارب وقصصاً عن حياة سوريين وجدوا أنفسهم أمام مواجهة منظومة أمنية وعسكرية شديدة وعنيفة من بينها دوائر حكم فاسدة ومتسلطة ألحقت الأذى بالمواطنين، مما انعكس سلباً على حياتهم اليومية بطريقة مؤلمة.
وسلط الضوء على ما يدور داخل أماكن الاحتجاز والتحقيق، واستخدام وسائل عنيفة لانتزاع الاعترافات أو تلفيق التهم، مما ترك أثراً نفسياً واجتماعياً لا يُمحى حتى تحولت هذه الأماكن إلى ما يشبه "البعبع" أو وحش مرعب داخل كل سوري وظيفته كمّ الأفواه، ويعتمد العمل على تضمين شهادات موثقة من داخل تلك المعتقلات عبر معالجة درامية لا تخلو من بعد إنساني.
من جهته طالب الناشط الحقوقي والمتخصص في السجون والمعتقلات السورية جابر بكر في حديثه إلى "اندبندنت عربية" الاحتكام إلى القانون، واتخاذ الإجراء القضائي والتوجه إلى تقديم شكوى جماعية بعد تغيير السردية الحقيقية للمعتقلين والتزوير والعبث بحكايتهم.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول بكر إن "’قيصر‘ يفتقد إلى الحشود والبشر، فليس من المعقول وجود شخص واحد داخل زنزانة، فتقديم الدراما المتعلقة بالسجن فيها مشكلات تفصيلية هائلة لا توجد مساحة لنقاشها من شكل المكان وشكل الحياة وطريقة المنامة مع وجود السلاح داخل السجن وهذا لا يجوز".
وأضاف أن "من الهفوات طريقة التعامل مع اللغة واللباس، وظهور خلية الأزمة، وهم يلبسون بزة الشرطة العسكرية، وهذا ليس صحيحاً لأن الاستخبارات العسكرية هي من كانت تدير أزمة صيدنايا، وهناك عشرات التفاصيل والهفوات التي لم يجرِ تناولها، مما يدل على أنه خلال عملية الكتابة لم تكُن هناك استعانة بأية خبرات من السجون أو مراكز الاعتقال ويشكل نوعاً من الاستسهال كذكر الإرهابيين والمندسين والجراثيم التي تكرر ذكرها كثيراً".
وثمة تحرك واسع من فرق قانونية وحقوقية تدفع نحو إيقاف العرض، ونشرت وسائل التواصل الاجتماعي أنباء عن تعليق تصوير المسلسل في سوريا بعد ما صاحب عرضه من انتقادات شعبية واتهامات بإساءة العمل لضحايا سجن صيدنايا واستغلال معاناتهم خدمة لأهداف تتعلق بالعرض الدرامي، بينما نفى مسؤول العلاقات العامة في اللجنة الوطنية للدراما دلامة علي صحة الأنباء المتداولة عن توقف تصوير العمل أو منع عرضه.
وإزاء هذا يعبر الناشط الحقوقي وخبير السجون السورية جابر بكر في سياق حديثه إلينا أنه مع حرية التعبير والرأي ومع أية جهة إنتاجية للتصدي لأي موضوع في سوريا، لكنه يلفت النظر إلى أن الوقت حان لإيجاد "مدونة سلوك أخلاقية".
ويقول "هذه المدونة تتعلق بالقضايا الإنسانية في ما يخص القضايا الأكثر حساسية بالشأن السوري ومن بينها قضايا الاعتقال والمفقودين والكيماوي والمجازر، ويمكن الإشارة في هذا السياق في الحلقة الثالثة من مسلسل ’قيصر‘ إلى مجزرة الكيماوي التي يمكن وصفها بحلقة كارثية بكل تفاصيلها ومعلوماتها المغلوطة، ويمكن ملاحظة استخدام مروحيات في المسلسل لقصف الغوطة بالكيماوي، وهذا غير دقيق وكلام منافٍ للوقائع لأن القصف تم بسلاح صواريخ ’أرض – أرض‘ في تلك المجزرة، على عكس ما ادعى المسلسل".
ومع عدم وجود سردية جامعة متفق عليها يدعو بكر إلى تحرك لجنة صناعة الدراما للعمل على مراجعة نصوص أخلاقية أو حقوق إنسانية لهذه المواضيع الحساسة بالشراكة مع شركات الإنتاج وإجراء ورشات عمل كتابية مع متخصصين، وهي إجراءات تقنية تقدم نتائج دقيقة وإجابات واضحة لأن روابط الضحايا مثل رابطة المفقودين ورابطة سجناء صيدنايا وغيرهما لديها تخوف حول كيفية السردية.