استنفار في "تشات جي بي تي" يهدد بانفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي
سام ألتمان يواجه أزمة غير مسبوقة مع تراجع موقع "تشات جي بي تي" أمام طفرة منافسيه، وخصوصاً "جيميناي" من غوغل الذي بدأ يجذب المستخدمين والشركات ويهدد نموذج الربحية ومستقبل "أوبن أي آي". تضخم التقييمات في قطاع الذكاء الاصطناعي وتصاعد التحذيرات من فقاعة مالية يفاقمان الخطر، ما يضع الشركة أمام سباق ضيق لاستعادة الصدارة قبل أن يتحول المشهد إلى انهيار مشابه لفقاعة الدوت كوم.
يتملك سام ألتمان قلق كبير يحاول إخفاءه خلف هدوئه الظاهر. في الأسبوع الذي كان يُفترض أن يحتفل فيه بالذكرى الثالثة لإطلاق روبوت الدردشة الأكثر شهرة "تشات جي بي تي"، وجد الرئيس التنفيذي للشركة المطورة "أوبن أي آي" نفسه في مواجهة أزمة متعددة الأوجه.
بعد أيام قليلة من صدور تقرير بشأن الاستثمارات ورد فيه أن شركة ألتمان لن تحقق أرباحاً قبل عام 2030، وجدت "أوبن أي آي" نفسها في خرق لبيانات المستخدمين كشف تفاصيل شخصية لمستخدمي "تشات جي بي تي". كذلك اضطر محاموها إلى نفي مزاعم تقول إن روبوت الدردشة الذكي أدى دور "مدرب انتحار" [بمعنى أنه قدم نصائح تحريضية على الانتحار] لمراهق أنهى حياته في وقت سابق من العام.
وفي مذكرة داخلية أصدرها يوم الإثنين الماضي، أعلن ألتمان حال "استنفار قصوى"، ولكن ليس لأي من السببين المذكورين سابقاً. فقد أخبر موظفيه أن هذه الحال الطارئة مردها إلى التقدم الهائل الذي أحرزته الشركات المنافسة لـ"أوبن أي آي"، ومن شأنه أن يهدد مكانة "تشات جي بي تي" بوصفه المساعد الذكي الرائد على مستوى العالم.
في الواقع، لا يخفى على أحد أن شركات "أنثروبيك" Anthropic و"ديب سيك" و"ميتا" جميعها حققت تقدماً مهماً في نماذجها القائمة على الذكاء الاصطناعي، فيما تستعد "آبل" لإطلاق نسخة مطورة من المساعد الشخصي والمتصفح المعرفي "سيري" مطلع العام المقبل. حتى "روفوس" Rufus، مساعد التسوق الذكي المدمج في منصة "أمازون"، سجل نجاحاً ملحوظاً في الأيام الأخيرة. بيد أن المنافس الأكبر يبقى "جيميناي" من "غوغل".
عندما كشفت عملاق البحث عن النسخة الأحدث من "جيميناي" في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وصف بأنه يمثل "عصراً جديداً من الذكاء". وقد سجل "جيميناي 3" أرقاماً قياسية في اختبارات الأداء، بما في ذلك أفضل نتيجة في "آخر امتحان للبشرية" Humanity’s Last Exam، علماً أنه اختبار صممه باحثو سلامة الذكاء الاصطناعي لرصد أي ذكاء اصطناعي فائق يتطابق أداؤه مع البشر أو يتجاوزهم.
على الملأ، قال ألتمان إن النموذج "يبدو رائعاً"، مهنئاً "غوغل" في منشور شاركه على منصة "إكس". أما على الصعيد الداخلي، فقد أقر بأن "تشات جي بي تي" لم يعد الذكاء الاصطناعي الرائد في السوق. وأُفيد أنه كتب في رسالة إلى الموظفين: "نعلم أنه ينتظرنا قدر مهم من العمل الجاد، ولكننا نلحق بالركب بسرعة كبيرة".
ومستخدمو "تشات جي بي تي"، الذين تجاوز عددهم اليوم 800 مليون مستخدم، بدأوا يدركون أيضاً أن أمامهم خيارات أخرى للاعتماد عليها بدلاً من روبوت الدردشة الشهير. فبعد وقت قصير من إطلاق الإصدار الثالث من "جيميناي"، قال مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي في شركة البرمجيات السحابية الأميركية "سيلزفورس" Salesforce: "استخدمتُ ’تشات جي بي تي’ يومياً طوال ثلاث سنوات. أمضيتُ ساعتين على جيميناي 3. لن أعود إليه. الفارق مذهل".
ويبلغ عدد مستخدمي "جيميناي" اليوم نحو 650 مليوناً، مسجلاً زيادة تقارب 50 في المئة مقارنة بـ450 مليوناً في يوليو (حزيران) الماضي. ولا يشمل هذا الرقم نحو ملياري شخص يعتمدون على المساعد الذكي بشكل غير مباشر عبر دمجه في خدمات "غوغل" مثل البحث. كذلك تظهر بيانات شركة التحليلات الرقمية "سيميلار ويب" أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول على "جيميناي" مقارنة مع "تشات جي بي تي".
وبطبيعة الحال، فإن فقدان المستخدمين، أو حتى التباطؤ في ازدياد عددهم، من شأنه أن يتهدد "أوبن أي آي" بكارثة حقيقية. كي تقترب الشركة من أرقام الإيرادات المتوقعة في تقرير الاستثمار الأخير، الذي توقع أنها لن تحقق أي أرباح خلال هذا العقد، لا بد لـ"تشات جي بي تي" من تسجيل نمو هائل. وتشير تقديرات وحدة أبحاث الاستثمار العالمية في بنك "أتش أس بي سي" HSBC إلى أن عدد مستخدمي روبوت الدردشة الشهير قد يصل إلى ثلاثة مليارات بحلول عام 2030، أي نحو نصف السكان البالغين في العالم. كذلك توقع التقرير أن ترتفع نسبة الاشتراكات المدفوعة في نماذج "تشات جي بي تي بريميوم" إلى 10 في المئة من المستخدمين. ولكن سيبقى هذا الاحتمال بعيد المنال إذا تخلفت "أوبن أي آي" عن اللحاق بمنافسيها.
بل إن العجز عن تحقيق هذا المستوى من النمو قد يؤدي إلى انهيار "أوبن أي آي"، وربما جزء كبير من قطاع الذكاء الاصطناعي برمته. فالشركة التي بدأت بنفخ فقاعة الذكاء الاصطناعي مع إطلاق "تشات جي بي تي" عام 2022 قد تكون نفسها المسؤولة عن انفجارها، ما قد يفضي إلى مراكز بيانات خالية من الموظفين، وخسائر مالية تقدر بتريليونات الدولارات، وطبعاً ركود اقتصادي محتمل. وفي حال انفجرت الفقاعة، سيمتد أثر الانفجار إلى كل أنحاء المعمورة.
في مقابلة حديثة معه، أقر المدير التنفيذي لـ"غوغل"، سوندار بيتشاي، بأن حجم الاستثمارات الهائلة والمتسارعة في الذكاء الاصطناعي قد بلغ مستوى من "اللامعقولية"، وفق توصيفه، محذراً من أن التداعيات المحتملة لأي انهيار مفاجئ ستكون غير مسبوقة. وقال: "لا أعتقد أن أي شركة ستكون في مأمن، بما في ذلك غوغل".
وفي تقرير حول الاستقرار المالي صدر هذا الأسبوع، حذر "بنك إنجلترا" من أن أسعار الأسهم في المملكة المتحدة بلغت "أقصى درجات التضخم في القيمة" منذ الأزمة المالية عام 2008. وشبه المحافظ أندرو بيلي القيم السوقية المتضخمة لشركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة بفقاعة شركات الإنترنت [في أواخر تسعينيات القرن العشرين]، والمعروفة باسم فقاعة الـ "دوت كوم" dotcom bubble.
وفي تصريح إلى "اندبندنت"، قال روهيت بارمار- ميستري، خبير الذكاء الاصطناعي في شركة "باترن داتا" المتخصصة في أتمتة الأعمال، إن "التشبيه بفقاعة "الدوت كوم" الذي قدمه محافظ "بنك إنجلترا" يبدو دقيقاً تماماً، ولكن الواقع أشد مكراً وخطورة. في الحقيقة، نحن نغذي إدماناً عالمياً على المضاربة بديون يعجز الاقتصاد الحقيقي عن تحملها، وكل ذلك تحت هيمنة عدد محدود من شركات التكنولوجيا الأميركية".
وأضاف: "إذا انفجرت هذه الفقاعة، علماً أن مؤشرات القيم السوقية المتضخمة تشي بأنها فعلاً على وشك الانفجار، فقد تفضح أخيراً الجهات التي تبالغ في الترويج للذكاء الاصطناعي ومنتجاته".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ما زال أمام "أوبن أي آي" متسع من الوقت لتثبت أنها تستحق الاهتمام الكبير الذي أثارته، وربما لديها فعلاً استراتيجية سرية تضمن لها الحفاظ على موقعها في الصدارة.
حالياً، تعمل الشركة على إطلاق جهاز جديد لم تكشف عن تفاصيله ومواصفاته بعد. واللافت أنها استعانت بجوني آيف، مهندس التصميم الذي ابتكر هاتف "آيفون"، ليتولى مهمة تطوير هذا المنتج المرتقب. من جانبه، يؤكد ألتمان أن الأخير سيضيف تريليون دولار إلى القيمة السوقية لـ"أوبن أي آي"، وأنه سيصل إلى الأسواق العام المقبل بخطى "تتجاوز كل الأرقام القياسية التي حققتها الشركات في شحن 100 مليون وحدة من أي منتج".
وقد تراوحت التكهنات بشأن شكل الجهاز الأول الذي تطوره "أوبن أي آي" بين نظارات ذكية ومشبك غسيل إلكتروني. وإذا صح الاحتمال الثاني، وانتهى الجهاز إلى فشل مدو على غرار محاولات سابقة، فقد يكون حرفياً "الدبوس" الذي يثقب فقاعة الذكاء الاصطناعي.
لم يدلِ ألتمان حتى الآن بأي تصريح علني بشأن المذكرات الداخلية أو حالة الاضطراب المتصاعدة داخل الشركة، فيما امتنعت "أوبن أي آي" عن الرد على طلب من "اندبندنت" للحصول منها على أي تعليق في هذا الشأن. أما رئيس فريق "تشات جي بي تي"، نِك تيرلي، فقد تطرق بشكل غير مباشر إلى تصاعد المنافسة من "غوغل" والخطوات التي تعتزم "أوبن أي آي" اتخاذها في هذا الصدد.
وكتب في منشور على منصة "إكس": "نشهد إطلاق منتجات [ذكية] جديدة كل أسبوع، في تطور إيجابي يدفعنا إلى التحرك بوتيرة أسرع ويحفزنا على رفع سقف أداء مساعد الذكاء الاصطناعي وقدراته. وينصب تركيزنا الآن على تعزيز قدرات "تشات جي بي تي"، ومواصلة النمو، وتوسيع نطاق الوصول إليه حول العالم، مع الحرص على تقديم تجربة استخدام أكثر سلاسة وانسيابية وذات طابع شخصي يراعي احتياجات كل مستخدم واهتماماته".
إذا ما أخفقت "أوبن أي آي"، وأصبحت "غوغل" فعلاً اللاعب الأكثر هيمنة في الذكاء الاصطناعي، تماماً كما هيمنت في مجال "البحث" الإلكتروني، فقد ينتهي الأمر بشركة ألتمان إلى مصير مشابه لمصير "ألتافيستا" AltaVista و"أسك جيفز" Ask Jeeves و"لايكوس" Lycos، محركات البحث التي تركت تأثيراً مهماً في الأيام الأولى للإنترنت [خلال تسعينيات القرن العشرين ولكن تضاءل دورها بشكل كبير بعد ظهور "غوغل وتفوقه في تقديم نتائج أكثر دقة وملائمة]، ولكننا نتذكرها اليوم بمزيج من الحنين والأسى بوصفها أطلالاً رقمية من حقبة الإنترنت الأولى.
© The Independent