ما جدوى اختراعات "ناسا" العالية الكلفة؟
شكك كثيرون في أهمية المشروع لأن لا إمكانية لاستخدام هذا الاختراع في برامج حكومية أو وطنية مثل مكافحة الإرهاب أو حتى استخدامه في المطارات وداخل أجهزة الأمن.
عبر جيل متطور من المروحيات الخفيفة والثقيلة تسابق "ناسا" الزمن إلى القمر والمريخ وكواكب أبعد مثل زحل. وعلى رغم ذلك، فإن عليها أن تبقي عيناً على إرثها العريق في الاختراع على كوكب الأرض. فجناحها العلمي اليوم مكسور، ولذلك فإن صدقية كثير من اختراعاتها، التي كانت تفيد المجتمع والاقتصاد الأميركي، باتت على المحك. وفيما المجتمع العلمي الأميركي منقسم بشدة حول دورها في السماء وجدوى اختراعاتها وبرامجها الطموحة التي تكلف الإنسان الأميركي مليارات الدولارات على أرض الواقع، فإن السؤال الذي سوف يحسم هذا الجدل هو: هل لا تزال "ناسا" العقل المدبر لاختراعات قادرة على تغيير العالم على الأرض وفي السماء؟
وفي هذا السياق، طورت "ناسا" أخيراً جيلاً جديداً من الطائرات المروحية المريخية، إذ "حققت مركبتها إنجينيويتي نجاحاً باهراً لتصبح أول منصة جوية تستكشف عالماً آخر". ووفق مواقع علمية "نفذت المروحية ذات الشفرتين 72 رحلة بعد وصولها إلى المريخ بواسطة مركبة برسيفيرانس الجوالة. وبحلول نهاية المهمة في يناير (كانون الثاني) 2024، كانت إنجينيويتي قد أظهرت للعلماء طريقة جديدة لاستكشاف عوالم أخرى باستخدام الهواء.
وفي هذا السياق، نشر موقع علمي أميركي بارز مقالة بعنوان تحفيزي لمهندسي "ناسا" العاملين في الدفع النفاث. وجاءت المقالة بقلم الصحافي ستيفن كلارك في الثامن من مايو (أيار) 2026 تحت عنوان: "أحسنتم... حقق مهندسو مختبر الدفع النفاث التابع لـ’ناسا‘ إنجازاً رائداً في تكنولوجيا الدوارات". وتابع ستيفن "أظهرت الاختبارات أن شفرات الدوار لا تتفتت عند دورانها بسرعة تفوق سرعة الصوت". وجاء في هذه المقالة التي نالت تعليقات إيجابية كثيرة من المجتمع العلمي الأميركي وبعض الانتقادات اللاذعة لمسيرة "ناسا": "بعد مرور ما يزيد قليلاً على ثلاثة أعوام على انتهاء مهمة مروحية إنجينيويتي التابعة لـ’ناسا‘، التي كانت رائدة في استكشاف المريخ، يعمل المهندسون في مختبر الدفع النفاث بكاليفورنيا على تصميم جيل جديد من الطائرات المروحية المريخية، قادرة على أخذ حمولات أثقل لمسافات أطول عبر غلافها الجوي ذي الكثافة المنخفضة".
وأضاف ستيفن في مقالته المذكورة: "حققت إنجينيويتي نجاحاً باهراً، لتصبح أول منصة جوية تستكشف عالماً آخر. ونفذت المروحية ذات الشفرتين 72 رحلة، متجاوزة بذلك هدف ‘ناسا‘ الأصلي المتمثل في خمس رحلات على مدى 30 يوماً، وذلك بعد وصولها إلى المريخ بواسطة مركبة برسيفيرانس الجوالة". وأكد الكاتب المختص في مثل هذه الرحلات، أنه "بحلول نهاية المهمة بهبوط اضطراري في يناير 2024، كانت إنجينيويتي قد أظهرت للعلماء طريقة جديدة لاستكشاف عوالم أخرى، باستخدام الهواء للسفر لمسافات أطول والوصول إلى مواقع يتعذر الوصول إليها بالمركبات البرية".
ذكر الكاتب أيضاً أن وكالة "ناسا" تعتزم إرسال ثلاث مروحيات إضافية إلى المريخ ضمن مهمة "سكايفول" التي يتوقع انطلاقها في أواخر عام 2028. وستنطلق "سكايفول" إلى الكوكب الأحمر على متن مركبة فضائية تعمل بالطاقة النووية، وهي إحدى مبادرات العرض التقني التي أعلن عنها مدير "ناسا" الحالي جاريد إسحاقمان في وقت سابق من هذا العام. وفي سبيل تقريب صورة هذا الإنجاز العلمي إلى ذهن المتابع، بين ستيفن أنه "لم يكن حجم الهيكل الرئيس لمروحية إنجينيويتي أكبر بكثير من علبة مناديل ورقية، إذ بلغ وزنها 1.8 كيلوغرام فقط، وهي مزودة بمراوح دوارة متعاكسة يبلغ قطرها نحو 1.2 متر. وفي المقابل، فإن مروحيات "ناسا" الأحدث "سكايفول" ستكون أكبر حجماً وأثقل وزناً، وستستخدم مناورة مبتكرة للهبوط على سطح المريخ بعد دخولها الغلاف الجوي وهي محاطة بدرع حرارية.
وفي الوقت الذي يستعد فيه المهندسون لإرسال مزيد من المروحيات إلى المريخ، تعمل "ناسا" على تطوير مروحية أضخم تدعى "دراغون فلاي"، وهي مخصصة وفق ستيفن أيضاً لقمر زحل تيتان. وسيبلغ وزن "دراغون فلاي" طناً واحداً تقريباً. ويذكر أن التحليق على قمر زحل تيتان الأبعد من المريخ يمثل تحديات أقل من التحليق على المريخ، لأن غلافه الجوي أكثر كثافة من غلاف الأرض الجوي.
كانت الحمولة الوحيدة على متن مروحية "إنجينيويتي" هي كاميرتين. الأولى كاميرا تصوير بالأبيض والأسود للملاحة، والثانية كاميرا ملونة عالية الدقة. وغطت الكاميرات أطول رحلة لها عام 2022 ولمسافة أقل من نصف ميل، إذ استغرقت الرحلة 161 ثانية، فيما اضطرت الطائرة للهبوط وإعادة شحن بطارياتها باستخدام الألواح الشمسية، واستخدمت مروحية "إنجينيويتي" مركبة "برسيفيرانس" الجوالة القريبة منها كمحطة أساسية للتواصل مع الفرق الأرضية.
ولكن في المستقبل، ووفق العاملين في مختبرات الدفع النفاث التابعة لـ"ناسا"، لن تكون هناك مركبة جوالة قريبة في مهمة "سكايفول"، ولذلك سيتعين على المروحيات التواصل مع مراقبي المهمة عبر أقمار اصطناعية مدارية، أو من خلال وصلة مباشرة بالأرض، كذلك ستستخدم المروحيات المستقبلية بطاريات أكبر لتمكينها من الطيران فترات أطول، فيما يرغب العلماء في تركيب أجهزة أكثر تطوراً على مروحيات المريخ للبحث عن أشياء مثل الجليد في تربة المريخ. وهنا يلفت ستيفن إلى أن كل هذا سيتطلب مركبات أثقل، وأشار إلى أن "كسر حاجز الصوت من دون إتلاف المعدات يقربنا خطوة من الاستغلال الكامل لهذا النمط الجديد من استكشاف الكواكب".
لا شك في أن هذا إنجاز علمي مهم لـ"ناسا"، وفي هذا الوقت تحديداً، لكن هذا الإنجاز وفق مراقبين يعاني مشكلات عدة، أبرزها ثلاث معضلات كبيرة ظهرت عبر تفاعل علماء معارضين لهذه الفكرة وبعض المواطنين الأميركيين الذين أدلوا برأيهم على مواقع علمية نشرت الخبر. وباختصار شديد، فإن أولها كون المشروع، كما وصفه بعضهم، مجرد محاولة "مكشوفة" من قبل "ناسا" لإعادة تمويل بعض برامجها العلمية التي أوقفها الرئيس ترمب سابقاً. وثانيها أن هذا الإنجاز العلمي لـ"ناسا" يعد متأخراً جداً زمنياً، وذلك على غرار التأخير الذي حدث في رحلة العودة الى القمر من خلال مهمة "أرتيمس" الشهر الماضي من خلال رحلة "أرتيمس 2"، أما ثالثها فكونه لا يصب تماماً في صلب المسار التحديثي لـ"ناسا" الجديدة في عهد أيزاكمان.
يتقدم العلم سريعاً في هذا الوقت، على رغم ذلك "ناسا" متهمة بأن كثيراً من إنجازاتها متأخرة زمنياً عن الواقع، فالفضاء السوفياتي وقبل 70عاماً طور محرك NK 12 التوربيني المزود بشفرات دوارة عكسية بطول 18 قدماً وبسرعة تفوق سرعة الصوت. وكان صوت هذا المحرك عالياً بما يكفي لرصده بواسطة السونار، ولكنه لا يزال قيد الاستخدام بعد 70 عاماً. ويقول مراقبون آخرون إنه "من الصعب توقع أن تحمل هذه المروحيات أي شيء يتجاوز وزنها بما في ذلك الحمولات المدمجة"، إذ تبدو بطارية الشحن ضخمة وثقيلة للغاية بالنسبة إلى أي تصميم من هذا القبيل، "هذا إن حدث ذلك أصلاً".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جهة ثانية، عبر بعض المعلقين أيضاً عن صدمتهم باحتفاء "ناسا" بهذه التجربة، وقال أحدهم: "أشعر بصدمة كبيرة، لأني أعرف كثيراً من الزملاء الذين جرى تسريحهم أخيراً من مختبر الدفع النفاث"، وأضاف: "لقد أصبح المختبر مجرد ظل لما كان عليه". ومن المعلوم أن هناك تقليصاً في تمويل حزمة الأجهزة البيولوجية للمهمة المقبلة إلى المريخ بصورة كبيرة. ويؤكد كاتب هذا التعليق أن أسباب خفض موازنة "ناسا" كانت سياسية بامتياز، ويقول: "لا شك أن هذا الإجراء كان هجوماً مباشراً من الإدارة السياسية الحالية في أميركا نظراً إلى وجود المختبر في كاليفورنيا"، إذ يزعم كثيرون أن مراكز علمية مرموقة تابعة لـ"ناسا" تعاقب على موقفها في الانتخابات. ويضيف المعلق ذاته: "أيضاً الإدارة تعاقب كولورادو بطرق عدة، أبرزها هدم مرافق المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا (NIST) والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) التي أقدمت على قياس تغير المناخ والإبلاغ عنه".
في السياق ذاته، لم تكن كثير من تعليقات زوار المواقع العلمية في هذا الاختراع تحديداً إيجابية للغاية، بخاصة في تفاعلها مع الإنجاز العلمي والتقني لـ"ناسا" عموماً، فبعضهم شكك في إمكان استخدام هذا الاختراع بالتحديد في مشاريع حكومية أو وطنية مثل مكافحة الإرهاب أو حتى استخدامه في المطارات وداخل أجهزة الأمن، وفي غيرها من التخصصات المدنية التي تفيد المجتمع الأميركي اليوم وعلى الأرض، وليس في المستقبل البعيد جداً الذي تحاول "ناسا" جعل عامة الناس ينتظرونه.
بدورها، قالت نورا ليندربي تحت اسم مستعار: "يمكن أن تصل سرعة أطراف مراوح بعض محركات التوربوفان ذات نسبة الالتفافية العالية، إلى ما يقارب ضعف سرعة الصوت أثناء الإقلاع بقوة عالية. ولا شك أنك سمعت هذا الصوت في المطارات عندما تبدأ طائرة مغادرة بإصدار صوت عال وحاد"، وفي ذلك إشارة واضحة إلى كون "ناسا" لم تأت بجديد. أما في سياق السخرية من هذا الإنجاز فقال آخر: "خلال عام 2001، أجرى مركز أرنولد للتطوير التابع لمركز أبحاث أميس أعمالاً مثيرة للاهتمام حول شفرات الدوار الهادئة، ولكن ذلك لم يسهم في اعتقال إرهابيين كبار حاولوا زعزعة أمن أميركا، وأضاف هذا الشخص: "أذكر ذلك من باب المجاملة للمركز لا أكثر".