سباق المليارديرات لنقل الذكاء الاصطناعي إلى الفضاء يثير المخاوف

المصدر : INDEPENDENT | الأثنين , 11 أيار | : 54

شركات التكنولوجيا تتطلع إلى الفضاء بوصفه الحل المقبل لأزمة الطاقة والتبريد التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، مع خطط لبناء مراكز بيانات مدارية ضخمة، لكن السباق نحو المدار يثير مخاوف متزايدة من ازدحام الفضاء وتهديده بكوارث قد تعطل استكشافه مستقبلاً.

قد يبدو الذكاء الاصطناعي فكرة ذهنية مجردة لكن مشكلاته الأضخم تتسم كلها بأنها فعلية وملموسة. وتشمل الأخيرة الأسئلة عن كيفية صنع ما يكفي من الرقاقات الإلكترونية اللازمة لأداء الأعمال، وأين يمكن تجميعها بعد صنعها، وكيفية تشغيلها وتبريدها حينما تصبح قيد التشغيل. ولكن، خلال الأشهر الأخيرة يشعر بعض الخبراء بأنهم ربما عثروا على إجابة عن تلك الأسئلة الصعبة كلها، وهي تتمثل في "الفضاء".

وظاهرياً في الأقل، ثمة وفرة من المساحة في الفضاء، إضافة إلى وفرة الطاقة إذا أخذ بالاعتبار أن الشمس تشع دوماً هناك، إضافة إلى وجود مجموعة من الطرق لتبريد الرقاقات حين تستخدم تلك الطاقة بالكامل. وربما يشكل الفضاء المكان الذي نحتاج إليه بالفعل في سياق بحثنا عن مساحات جديدة لاستضافة المعدات المطلوبة لمستقبلنا المعزز بالذكاء الاصطناعي.

لكن الفضاء ينطوي أيضاً على تحدياته الخاصة. فالوصول إليه صعب للغاية. كما أن اندفاعنا لاستغلال الفرص التي يتيحها المدار الأرضي المنخفض - ليس فقط للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً لاتصالات الإنترنت مثل مشروع "ستارلينك" الخاص بإيلون ماسك، الذي تشغله شركة "سبيس إكس" - قد يعني أننا نواجه أنواعاً جديدة كلياً من الأخطار.

وفي مارس (آذار) الماضي، أعلنت شركة "إنفيديا" إطلاقها "حوسبة الفضاء" space computing التي تمثل خطة جديدة في وضع الذكاء الاصطناعي في مدار حول الأرض. وبغية تحقيق ذلك، صنعت الشركة نموذج "سبيس- 1 فيرا روبين موديول" Space-1 Vera Rubin Module، وهو منظومة من المعدات الإلكترونية التي صنعت خصيصاً للعمل في الفضاء، بمعنى أنها ركبت بصورة خاصة كي تتوافق مع "مركز بيانات مداري" orbital data center، واختصاراً "أو دي سي" ODC الذي يتشابه تماماً مع تلك المستودعات الأرضية الضخمة التي ترتصف فيها حواسيب ذلك النوع من المراكز.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق بيان من مؤسس "إنفيديا" ومديرها التنفيذي جينسن هوانغ "وصلنا إلى عصر الحوسبة الفضائية، آخر إنجازات التكنولوجيا، ومع نشر مجموعات الأقمار الاصطناعية والتوسع أعمق في استكشاف الفضاء، يجب أن يوجد الذكاء حيثما تولد البيانات".

وثمة جزء من هذه الجهود مخصص للأعمال البسيطة نسبياً التي تستفيد من وجود الذكاء الاصطناعي في ذلك الحيز، على غرار العمليات الفضائية. ومثلاً، حينما تؤتمت الأقمار الاصطناعية فإنها تصبح قادرة على العمل بسرعة أكبر، مع تقليل الجهد المطلوب من المهندسين على الأرض. وقد يتضمن ذلك إتاحة المجال أمام الأقمار الاصطناعية التي تصور الأرض حاضراً بإنجاز عمليات التعامل مع البيانات التي تجمعها، مما يعني أنها ستستغني عن الحاجة إلى الاحتفاظ باتصال ثابت وبطيء أو غير مستقر، مع الأرض، مما يسمح لها كذلك بالعمل على تلك البيانات بصورة فورية.

وكذلك قدمت "إنفيديا" حزمة من الطرق لتنفيذ ذلك. وبينت أنها قد تتيح لنا سرعة أكبر أثناء الاستجابة للكوارث وتغييرات المناخ مثلاً، عبر استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد حرائق الغابات أو تسربات النفط فوراً، وتحسين التنبؤات الجوية من خلال السماح للأقمار الاصطناعية بأداء جزء من المعالجة بنفسها، فضلاً عن مراقبة البنية التحتية الحيوية مثل شبكات النقل من الفضاء.

ومع زيادة ذكاء الأقمار الاصطناعية، يتحسن أداؤها في العمل. وكثيراً ما قدمت "وكالة الفضاء الأوروبية" ومنظمات مشابهة أخرى تمويلاً إلى مشاريع وضع التقنيات الذكية في الأقمار الاصطناعية بهدف تحسين الصور التي تلتقطها، إضافة إلى تحسين السيطرة عليها وتوجيهها وإداراتها في الفضاء.

وفي الوقت نفسه، لا يتعلق الأمر بالفضاء في المشاريع المتصلة بعمل الذكاء الاصطناعي في ذلك الحيز. ويعقد من يراهنون على تلك المشاريع بأنها قد تساعد ذات يوم من يعملون على الأرض أيضاً.

وهذا هو التصور الذي يطرحه إيلون ماسك، الذي استعرض بدوره خططه لإطلاق مراكز بيانات مدارية بواسطة "سبيس إكس" بالترافق مع خططه في تعزيز عمل "إكس إيه أي" xAI، وهما نشاطان جرى دمجهما أخيراً تحت مظلة شركة واحدة.

وتعد الأقمار الاصطناعية التي يقترحها ماسك ضخمة للغاية. فخلال هذا الشهر، عرض خططاً لمراكز بيانات هائلة، وعلى رغم عدم توضيحه بدقة حجمها الفعلي، أشار إلى أنها ستكون أطول من صاروخ "ستارشيب" Starship البالغ طوله 125 متراً. ولا تمثل تلك المراكز سوى نسخاً "مصغرة"، وفق ما أورد ماسك نفسه، فاتحاً المجال أمام إمكانية إنشاء منظومة أكبر من ذلك.

ويملك رئيس "سبيس إكس" سجلاً حافلاً بمشاريع مستقبلية تشابه الخيال العلمي، لكنها لا تتحقق ضمن المدى الزمني المتوقع. وقال في معرض طرح مقترحه الأخير "واثق من أنها قابلة للتحقق بصورة فعلية". وأضاف أن أمر "الوصول إلى تحقيق تلك المنظومات لا يتطلب إيجاد قوانين جديدة في الفيزياء، أو صنع أشياء مستحيلة".

غير أن إحدى المشكلات المحتملة هي أن الفضاء نفسه قد لا يكون متاحاً بالقدر الذي نتصوره، إذ يشعر الخبراء بالفعل بالقلق من العدد الهائل للأجسام الموجودة في المدار الأرضي المنخفض، ومن احتمال اصطدامها بعضها بعضاً، فضلاً عن حجبها لرؤيتنا للسماء. وقد أدى السعي لتجنب ذلك إلى نشوء قطاع بأكمله يُعرف باسم "إدارة حركة المرور الفضائية".

وإذا سارت الأمور على نحو خاطئ، فقد تكون العواقب كارثية. فخلال عام 1978، طرح علماء وكالة "ناسا" ما يُعرف بـ"متلازمة كيسلر" Kessler syndrome، وهي سيناريو يفترض وجود عدد هائل من الأقمار الاصطناعية في الفضاء بحيث تبدأ بالاصطدام ببعضها، مما يؤدي إلى سلسلة تفاعلات قد تملأ الفضاء المحيط بالأرض بالحطام، مما لا يدمر الأقمار القائمة فحسب، بل يجعل من المستحيل إطلاق أقمار جديدة أو حتى إرسال البشر بأمان. وقد ازدادت واقعية هذا القلق مع الارتفاع الهائل في عدد الأقمار الاصطناعية، فيما بات تفاديه أكثر صعوبة مع دخول عدد متزايد من الجهات، بما فيها الشركات الخاصة، في سباق الاستحواذ على مساحات أكبر في الفضاء.

بالتالي، يتبين أن الفضاء ليس بالضخامة التي نعتقدها. ولكن ذلك لا يبدو أنه قد يلجم صناعة تسعى يائسة إلى امتلاك أمكنة جديدة كي تضع فيها حواسيبها، إضافة إلى وسائل جديدة للتبريد والتزود بالطاقة. ولقد شرع الذكاء الاصطناعي في الإقلاع صوب المدار.

© The Independent