المثقف السوري وأزمة البحث عن دور
لعل من الواضح أن أزمة المثقف السوري ليست وليدة اللحظة، وأن التعاطي مع الثقافة كمنتج حضاري للمجتمع شابه الكثير من الاختلاف، بدأ بإنتاج مبشر بداية القرن العشرين، حيث كان دور المثقف حينها رائداً في الثقافة والسياسة والحياة. وكان معظم مثقفي تلك الفترة هم مثقفين عضويين.
فقد كان الكتاب والشعراء والفلاسفة ورجال الاقتصاد والدين يمارسون دورهم المجتمعي بشكل واضح، رغم أن كثيرا منهم جاء من خلفية ارستقراطية أو اقطاعية. وكنا نرى الشاعر السياسي والشاعر الدبلوماسي والكاتب الوزير والمثقف المنغمس في الشأن الاجتماعي.
إلا أن اضمحلال الحياة السياسية نتيجة الانقلابات العسكرية والهزائم التي لحقت بها غيرت من دور المثقف السوري، ففي حين صعدت قوى جديدة للسلطة ولقيادة المجتمع تتمثل في العسكر الأقل وعياً ثقافياً وسياسياً، وكذلك مع تآكل الطبقة الوسطى التي تنتج عادة الثقافة بجميع أشكالها، انقسم المجتمع إلى قادة مأزومين بسبب الفشل العسكري والسياسي، يبرر لهم رجال دين مقربون من السلطة، ويدعمهم اقتصاديون انتهازيون، مقابل مجتمع فقير يسعى لتأمين حياته اليومية.
هؤلاء عملوا على شيطنة المثقف والتقليل من قيمة الثقافة مقابل مدارس فكرية مدعومة من السلطات حينها، وبسبب تراجع المدارس الثقافية وقع المجتمع ضحية هؤلاء، حيث استطاع نظام الأسد تدجينه سياسياً واجتماعياً.
مع التحول للاستبداد السياسي والعسكري بعد وصول حافظ الأسد للحكم حصل تحول كبير في دور المثقف، حيث تمت صناعة طبقة معظمها تدعي الثقافة مهمتها صياغة حالة ثقافية داعمة للسلطة تبرر جرائمها وترسم لها صورة غير ما هي عليه، سمي هؤلاء مثقفو السلطة. بالمقابل كان هناك أصوات قليلة معظمهم شعراء وكتاب عارضوا السلطة لكنهم لم يستطيعوا خلق حالة جمعية معارضة، وإنما كانت معارضة مشتتة استطاع حافظ الأسد إخفاء صوتها إما في السجون أو المنافي.
مع وجود هذه الطبقة من مثقفي السلطة كان هناك عدد ممن يعملون في المجال الثقافي لكنهم لم يصلوا إلى الدوائر المقربة من السلطة وإنما قبلوا أن يكونوا في محيطها حاصلين على بعض المكاسب البسيطة لكنهم بقوا مثقفي درجة ثانية، ورغم تفوق بعضهم في مجاله فقد كانوا يعيشون أزمة التهميش والابتعاد.
مع اندلاع الثورة السورية تغيرت الخارطة الثقافية، وانقسمت الساحة إلى قسمين: الأول مثقفو السلطة، والذين تحولوا إلى ما يشبه ضباط الأمن يدافعون عن جرائمها وبالتالي يعوضون عقد النقص التي عانوا منها لسنوات. والثاني هم المثقفون البعيدون عن السلطة والذين انحازوا إلى جمهور الثورة، لكنهم لم يمارسوا دورهم المطلوب منهم في قيادة الشارع باستثناء القليل منهم، حيث شكلت النجاة الفردية أولوية بالنسبة لبعضهم وابتعد معظمهم عن الواجهة مفضلين البحث عن أماكن جديدة، وكان انضمام هؤلاء لجمهور الثورة لعدة أسباب لعل منها حالة الحنق والغضب من رفاقهم القريبين من السلطة.
آخرون وهم قلة خرجوا إلى الشارع وبقي بعضهم وفيا لجمهور الثورة، فيما تحول آخرون إلى قادة رأي وسياسيين لكنهم مع مرور الوقت تحولوا إلى ما بين انتهازي أو منظر تقليدي أو صاحب برج عاجي.
الشارع الثوري لم ينتظر هؤلاء وإنما أفرز مثقفيه كما أفرز قيادييه وبدأت نخب شابة تظهر على السطح مسلحة بخلفيتها الثورية وتجاربها الميدانية، حيث ينطبق عليها تعريف المثقف العضوي الذي قصده غرامشي وهو المثقف والفاعل الفكري الذي لا ينعزل في برج عاجي، ولا يكتفي بالنظرية والأكاديمية، بل يكون مرتبطا بعمق بطبقة أو فئة اجتماعية معينة مثل الطبقة العاملة أو الفئات المهمشة، ويعمل على صياغة وعيها التنموي، والدفاع عن مصالحها، وتنظيم حركتها للتغيير.
مارس أبناء الثورة الذين اكتسبوا ثقافتهم من ممارستهم وقربهم من الشارع دورهم من خلال التعبير عن الصوت المجتمعي وصياغة أفكار وآلام وتطلعات الفئة التي ينتمون إليها بلغة واضحة ومؤثرة، خاصة أولئك الذين مارسوا العمل الصحفي والأكاديمي.
كذلك عملوا على بناء وعي جديد من خلال تفكيك الأفكار والمسلمات التي فرضتها السلطة، ومحاولة بناء رؤية ثقافية وسياسية بديلة، وذلك من خلال الربط بين النظرية والممارسة وتحويل الأفكار والتحليلات من مجرد كتب ونصوص إلى أدوات عمل وتغيير حقيقي في الواقع.
بعد سقوط النظام، ومثل سقوط أي نظام استبدادي، بدأت ملامح تشكيلات واصطفافات سياسية وثقافية جديدة تظهر، الجزء الأول منها هم نخبة تحولوا من الميدان العسكري إلى الميدان الثقافي ولهم دور في صياغة المشهد الجديد، وهذا الجزء بات قريباً من السلطة ويعمل على صياغة شكل ثقافي خاص بها. جزء آخر يأتي من خلفية ثورية لكنه غير مقرب من السلطة وغير معارض لها، همه الشأن العام، والبحث عن دور في صياغة المشهد السياسي والثقافي.
هؤلاء، سواء الجزء الأول أو الثاني، يكادون يتشابهون حد التطابق من ناحية طبيعة وكيفية اكتساب المعرفة، كما أنهم عاشوا ذات التفاصيل والأحداث وعانوا ذات التجارب.
جزء آخر، وهو الذي يعيش الآن أزمة واضحة، عاش حياته قبل الثورة يعتنق أفكارا ومبادئ تتفق أو تختلف مع مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، لكنه يعيش الآن هاجس عودته لمربعه الأول في موقعه من السلطة. وبالتالي هو إما شخص يعمل على الدفاع عنها وتبرير حتى الأخطاء المرتكبة من قبلها والتي تعترف فيها السلطة نفسها، أو يعارضها بطريقة الحرب الصفرية ويتماهى مع المتضررين من سقوط الأسد ونظامه. هذا الانقلاب الحاد لدى هذه الفئة يجعلها في مواجهة مع الجميع خلال بحثها عن دور كانت تظن أنه مهيأ لها.