ترمب يعيد اكتشاف "ناسا"... سر الاهتمام المفاجئ
أمضى ترمب ساعات عدة في مركز جونسون للفضاء في هيوستن ثم أعلن عن خطط لإنشاء أكاديمية الفضاء الأميركية وأبدى حماسة كبيرة لإطلاق تلسكوب "نانسي غريس رومان" الفضائي.
لا يضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قائمة شروط محددة وواضحة للموافقة على إعادة الزخم الكامل إلى جميع برامج "ناسا" العلمية، لكن هناك إشارات عدة صدرت عن الرئيس أخيراً، وهي كافية بالنسبة إلى متخصصي الفضاء لترتيب بعض بنود تلك القائمة، أما أولها في الوقت الحالي فهو العمل من خلال إدارة زعيم "ناسا" الجديد رجل الأعمال الأميركي جاريد إيزاكمان، إذ قال ترمب أخيراً عن إيزاكمان خلال مكالمة هاتفية ضمن مؤتمر صحافي "إنه يقوم بعمل رائع"، ولكن الرئيس أضاف بعد ذلك مباشرة "وأنا من يوفر كل هذه الأموال لـ’ناسا‘". ويستوجب ذلك "عدم العودة إلى إهدار الأموال الطائلة التي تؤخذ من جيوب الأميركيين في أبحاث ودراسات علمية تقليدية طويلة وسقيمة"، وهذا قد يكون بمثابة شرط ثانٍ للرئيس، لكن، من المعلوم أن "ناسا" تعرضت لإعادة هيكلة قاسية العام الماضي، وأن تلك الهيكلة أوقفت تمويل معظم مشاريع "ناسا" العلمية ومنها مشروع "تلسكوب رومان" الذي يوصف اليوم بأنه أهم مشاريع الوكالة بعد مهمة "أرتيمس 2" نحو القمر.
لا بد من أن الرئيس ترمب كان في موقف حرج بعدما قرر إعادة الحياة لأهم برامج "ناسا" العلمية التي أوقفها سابقاً، لذلك اتصل الرئيس عبر هاتف إيزاكمان الشخصي مخاطباً مجموعة من علماء الوكالة الحكومية للفضاء بصورة غير مباشرة. ويقول موقع علمي أميركي عن هذا الاتصال "الرئيس الأميركي وفي لحظة غير مألوفة، تحدث أخيراً عبر هاتف جاريد إيزاكمان إلى صحافيين ومسؤولي ’ناسا‘ الحاضرين في مؤتمر صحافي في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا، وذلك عقب إطلاق تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي"، لكن مواقع علمية أميركية تعاملت مع نبأ توجه الرئيس لإعادة الزخم الكامل إلى جميع برامج "ناسا" العلمية "بسذاجة" استفزت جمهور الفضاء. وعلق عشرات الأميركيين على هذا الخبر وبطريقة لاذعة، إذ استبعد هؤلاء أن يكون دعم الرئيس الأميركي مشاريع "ناسا" العلمية مقصوداً بذاته، منوهين بأن هذا الدعم المفاجئ لبرامج "ناسا" العلمية قد لا يستمر بعد الانتهاء من أزمات سياسية حالية عدة تمر بها الدبلوماسية الأميركية، وأبرزها المشكلات مع أوروبا وكندا وفنزويلا، إضافة إلى أزمة حرب إيران.
أكد بعض متخصصي الفضاء أن "ذهاب الرئيس إلى ’ناسا‘ في هذا التوقيت وبعد نجاح ’أرتيمس 2‘ ما هو إلا بحث عن مجد سياسي عزَّ على الدبلوماسية الأميركية تحقيقه عبر ملفات سياسية أخرى"، كذلك فإن الرئيس الأميركي يريد من "ناسا" تحت زعامتها الجديدة أن تزيد وبكل وضوح من برامج الفضاء العسكرية والحربية على حساب المشاريع والمهام العلمية. ولهذا السبب أمضى ترمب قبل أيام ساعات عدة في مركز جونسون للفضاء في هيوستن، ثم أعلن عن خطط لإنشاء أكاديمية الفضاء الأميركية، وأبدى حماسة كبيرة لإطلاق تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي، وهو المرصد الفضائي الأبرز القادم لوكالة "ناسا".
في السياق ذاته، جاء على موقع "أر سي تك" الأميركي المتخصص في التقنيات والعلوم "في كل مناسبة، أشاد ترمب بإيزاكمان، رجل الأعمال ورائد الفضاء الخاص الذي يسعى إلى إصلاح وكالة ’ناسا‘ لمواكبة العصر الحديث لرحلات الفضاء. وتعد هذه العلاقة الودية مثيرة للدهشة، خصوصاً أن ترمب سحب ترشيح إيزاكمان لرئاسة ’ناسا‘ قبل ما يزيد قليلاً على عام، معللاً ذلك بعدم توافقه التام مع أجندة أميركا أولاً". وكان إيزاكمان، وهو سياسي معتدل يميل إلى الحزب الجمهوري، قد تبرع لبعض المرشحين الديمقراطيين في السابق. على رغم ذلك وفي أواخر العام الماضي غير ترمب رأيه وأعاد ترشيح إيزاكمان لمنصب رئيس وكالة "ناسا". وقال ترمب في هيوستن عن ذلك "مع جاريد، عليَّ أن أقول لكم، الجميع كان يريده، تلقيت كثيراً من الاتصالات من الجمهوريين والديمقراطيين، وهو أمر نادر الحدوث، وكان الناس يقولون ببساطة: إنه الأفضل، ولم تكن هناك منافسة له على المنصب، وقد أثبت أنه أفضل مما كنا نتصور، أليس كذلك؟ بل أفضل بكثير، لذا فنحن محظوظون بوجود جاريد".
علق الموقع العلمي ذاته على هذه التحولات المفاجئة في مواقف الرئيس تجاه برامج "ناسا" العلمية بقوله، "يسعى إيزاكمان بوضوح إلى اغتنام هذه اللحظة وتحويل اهتمام الرئيس بوكالة ’ناسا‘ إلى نجاح مستقبلي للوكالة، وقد يستغرب العلماء وهم يرون ترمب ينسب لنفسه الفضل في توفير كل هذه الأموال لوكالة ’ناسا‘، في حين أن أول موازنة له للوكالة سعت إلى خفض تمويل العلوم بنسبة 50 في المئة، بل إن مقترح موازنة السنة المالية 2026 سعى إلى إلغاء مشروع تلسكوب رومان الفضائي، والآن، يحاول ترمب أن ينسب لنفسه الفضل في نجاحه".
وفي هذا السياق كتب إريك بيرغر يوم الـ30 من أغسطس (آب) الماضي مقالة بعنوان "لماذا يعد انضمام الرئيس ترمب إلى مؤتمر صحافي لوكالة ’ناسا‘ عبر الهاتف أمراً مهماً؟" وتحت عنوان فرعي أضاف بيرغر "مع اقتراب موعد مهمة رئيسة واحدة فحسب، تحتاج برامج ’ناسا‘ العلمية إلى دعم إضافي"، ثم سرد بيرغر تفاصيل قصة المكالمة الهاتفية بين ترمب وايزاكمان فقال "كما هو معتاد في بعثات ’ناسا‘ الكبرى، عقدت وكالة الفضاء الأميركية مؤتمراً صحافياً في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا، عقب إطلاق تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي، لتقديم معلومات حول أدائه خلال مناوراته الأولية، لكن ما لم يكن معتاداً هو ما حدث في منتصف المؤتمر الصحافي". ووفق بيرغر فإنه وبعد أقل من نصف ساعة نظر مدير "ناسا"، جاريد إيزاكمان، إلى هاتفه المحمول، ثم نهض وابتعد عن المنصة التي كان يجلس عليها خلف طاولة مع مسؤولين آخرين في "ناسا". وغادر القاعة فترة وجيزة، ثم عاد إيزاكمان بعد دقيقة تقريباً، ممسكاً بهاتفه، معتذراً عن مقاطعته رئيسة قسم العلوم في "ناسا"، نيكي فوكس، أثناء حديثها عن المهمة. وقال إيزاكمان وهو عائد إلى مقعده "يود رئيس الولايات المتحدة الأميركية أن يخاطب الجميع ويهنئهم على هذه المهمة".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وصفت المواقع هذه الحادثة بكونها "لحظة غير مألوفة"، إذ تحدث ترمب عبر هاتف إيزاكمان إلى الصحافيين ومسؤولي "ناسا" الحاضرين، وقال ترمب للحاضرين لمناسبة إطلاق تلسكوب الفضاء رومان "أود أن أشكر الجميع وأهنئكم. يا له من مشهد رائع على شاشة التلفزيون"، وأضاف "جاريد يقوم بعمل رائع، وأنتم تقومون بعمل رائع، وأنا من يوفر لكم كل هذه الأموال".
بدوره تساءل بيرغر "ماذا نستنتج من هذا؟ فتاريخياً لا يشارك الرؤساء في مؤتمرات ’ناسا‘ الصحافية. في الحقيقة لا يخصص الرؤساء وقتاً طويلاً للتفكير في الفضاء عموماً، أو ’ناسا‘ خصوصاً، لكن هذا الوضع يتغير مع تزايد أهمية الفضاء من الناحية العسكرية، لكن بالنسبة إلى معظم الرؤساء، يحتل الفضاء المدني مرتبة متدنية في قائمة أولوياتهم". ولفت بيرغر إلى أن الرؤساء "يتصلون برواد الفضاء عندما يكونون في مدى حول القمر، ولا يشاركون في المؤتمرات الصحافية التي تعقد بعد الإطلاق".
في ملخص للتعليقات على هذا الخبر قال أميركيون: إن ترمب لم يجد من يحقق له إنجازات سياسية في هذا الوقت غير إيزاكمان وعبر "ناسا" تحديداً، وذلك بعد نجاح "أرتيمس 2". وذهب هؤلاء في تحليلاتهم إلى أن الرئيس يبحث عن أي شيء يشتت انتباه العالم عن الأحداث السياسية. "فمنذ ملفات إبستين ثم أزمة التعريفات الجمركية وقوارب تهريب المخدرات بعدها أزمة فنزويلا وحرب إيران والآن مشكلة كندا، تبدو الدبلوماسية الأميركية كمن يتحسس طريقه للخروج من نفق مظلم". وتساءل معلقون آخرون: هل حقاً قال ترمب لجاريد: "أريدك أن تعلن أنك وجدت دليلاً على وجود حياة أخرى في الفضاء قبل انتخابات التجديد النصفي مباشرة"؟ فيما لفت معلق إلى "السذاجة الطفولية" لجاريد إيزاكمان أثناء المكالمة مع الرئيس مؤكداً أنها مقلقة للغاية، إذ يبدو جاريد جاهزاً لاستغلال ترمب له ولمؤسسته العريقة حتى الرمق الأخير. وقال أحدهم مخاطباً زعيم "ناسا"، "عليك الحذر من اهتمام ترمب بمؤسستك"، فيما ذهب آخر باتجاه وضع المكالمة في سياق منافسة أميركا مع الصين فقال إنها منافسة مع الصين على إنشاء قواعد عسكرية هناك وتحديد من يحق له المطالبة بملكية القمر. وقال أخير، "هل سيستمر ترمب الذي يغير رأيه باستمرار في القضايا بالاستثمار في ’ناسا‘؟".
بدوره أمضى إيزاكمان معظم الأشهر الـ12 الماضية في بناء علاقات سياسية مع مسؤولين في البيت الأبيض والكونغرس، من كلا الحزبين، وقد أعلن دعمه الواسع لإدارة ترمب في تصريحات علنية عدة. ولعل الأهم من ذلك أنه "حقق إنجازات لإدارة غارقة في سلسلة من الإخفاقات، بما في ذلك التضخم وكثير من الفضائح". وبفضل وكالة "ناسا" تمكن ترمب من التمتع بنجاح مهمة "أرتميس 2"، والآن ها هو يحول أنظار العالم إلى إطلاق "تلسكوب رومان" الفضائي الذي لم يكن يتمتع بمثل هذه الشعبية من قبل.
ويقول بيرغر عن ذلك "في الأقل موقتاً، لفتت ’ناسا‘ انتباه ترمب"، إذ أفادت مصادر إخبارية بأن إيزاكمان "أمضى وقتاً طويلاً مع الرئيس خلال الفترة الماضية، مدافعاً عن مهام علمية مستقبلية لـ’ناسا‘، إضافة إلى برنامج أرتميس".
لكن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان الاهتمام المفاجئ بـ"ناسا" سينعكس في طلب موازنة السنة المالية 2028، والذي هو الآن في مراحله التحضيرية الأولية. فهل سيستمر ترمب، في دعم وكالة "ناسا"؟ والإجابة ليست معلومة حتى الآن، لكن من المؤكد أن برامج "ناسا" العلمية تحتاج إلى دعم إضافي فوراً، إذ لدى الوكالة مهمة علمية رئيسة أخرى قادمة، وهي إطلاق مركبة دراغون فلاي إلى تيتان عام 2028، وبعد ذلك، يصبح مخزون "ناسا" العلمي محدوداً للغاية، وستحتاج الوكالة إلى إطلاق مهام جديدة، لإثبات أهمية برامجها العلمية من جديد.