مظاهرات استعادة الدولة في الحسكة
بعد انتظار طويل رُفِعَ العلم الوطني، علم الثورة السورية، على سارية ساحة الحرية في مدينة الحسكة لأول مرة منذ اندلاع الثورة، وسط سعادة لا تخفيها الوجوه وألفاظ الهتافات لسكان المدينة، وفي اليوم التالي خرج الآلاف من أحياء مختلفة في مظاهرات “جمعة العلم السوري”، والعنوان لا يحتاج إلى شرح، تجمعوا في الساحة وطالبوا بـ”فرض سيادة الدولة وسلطتها” في عموم المحافظة، وإطلاق سراح المعتقلين والمغيّبين في سجون “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي من المفترض أنها صارت منحلّة.
فالحدث بحد ذاته لا يعكس توقاً للدولة وحسب، بعد 12 سنة من حكم ميليشيا، وإنما يمثل رفضاً للتهميش والإهمال، فالمجتمع يحمل ذاكرة طويلة تمتد لأكثر من خمسة عقود من هذا الوضع.
إذن يجب أن تُفهم هذه المظاهرات بأنها تطرح قضيتين في آن معاً: الافتقاد للدولة في عملية دمج قسد والإدارة الذاتية في مؤسساتها، وتهميش المحافظة وسكانها. وفي المرحلة الانتقالية حيث تكون عادة المؤسسات هشة لأنها في طور إعادة البناء أو الهيكلة، تصبح المشكلة أكبر من حسم العلاقة بين السلطة المركزية والإدارة الذاتية، ولا في رسم الحدود الفعلية بين المؤسسات التي انتقلت إلى الحكومة السورية وتلك التي ما زالت شبكاتها التنظيمية والاجتماعية حاضرة، وإنما تصبح أيضاً مسألة تصحيح كامل مسار مؤسسات الدولة.
الحسكة منطقة متعددة القوميات واللغات والأديان، تتداخل فيها الذاكرة العربية والكردية والسريانية الآشورية، وتتشابك فيها مظالم الدولة المركزية مع صراعات السلطة المحلية. وحقائقها الديمغرافية لا يمكن تزويرها، حيث يشكل العرب نحو ثلثي سكان المحافظة، وقد انعكست هذه الحقيقة الديموغرافية على حضورهم ومشاركتهم في مظاهرات المدينة، وهذا التكوين الديمغرافي يعكس جانباً حساساً من المشكلة العميقة في المحافظة، فالمظاهرات تأتي على خلفية مظلومية للسكان تراكمت عبر سنوات حكم البعث ثم سنوات الإدارة الذاتية.
ففي المرة الأولى أراد نظام الأسد استخدامهم دريئة ضد طموحات بعض التنظيمات الكردية، وفي المرة الثانية استخدمهم تنظيم قسد صوريّاً لكسب الشرعية السياسية أمام الدول، وللتمدد نحو المناطق العربية للسيطرة على النفط والموارد. وعاشوا سنوات من الشراكة المزيفة تحت الخوف والقمع.
وخلال كل المراحل التي عاشتها المحافظة لم ترَ من الدولة شيئاً إلا السلطة ورعبها، ممثلة في الأجهزة الأمنية القمعية وشبكات الولاء السياسي، بينما عانت القطاعات الخدمية والبنية التحتية من الإهمال، الذي أصاب الجميع: القرى العربية والكردية والسريانية الآشورية، وإن اختلفت آثاره باختلاف المناطق والفئات وعلاقاتها بالسلطة.
كما تداخلت معه سياسات التمييز القومي والحرمان من الحقوق لدى قطاعات من السكان، فمرة كان الأكراد هم الضحية ومرة كان العرب بصفتهم العرقية هم الضحية. شبع سكان الحسكة من الأيديولوجيات التي نفت بعضها بعضاً حتى التخمة، يريدون أن يعيشوا مثل غيرهم من البشر بسلام، فهذه المحافظة التي تقع في قلب تقاطع الهويات الدينية والقومية مع تاريخ الحدود الحديثة تستحق بعض الراحة.
فدائماً ما كان يتم استدعاء التاريخ، الحقيقي منه والمتخيل، وزج سكان المحافظة مقابل بعضهم البعض في أتون صراع وجودي صفري، لذلك فإن طلب المظاهرات حضور الدولة لا يعني موظفي الدولة وحسب، ولا السلطة الأمنية وحسب، على أهميتها القصوى، وإنما يعني قبل كل ذلك حضور الدولة ككيان اعتباري، وسلطة للمساءلة والمحاسبة وتحقيق العدالة، الدولة بما هي كيان وطني عابر للقوميات والطوائف.
يجب ألا يشعر جزء من السكان أنهم مستهدفون بهذه المظاهرات، صحيح أن الأطراف المرتبطة بجهات خارجية لا تزال رافضة للدولة وتحاول عرقلة الاندماج، ولا تزال تتبنى تصورات أيديولوجية تشعر بصعوبة التخلي عنها والاعتراف بأنها كانت وهماً وغير واقعية ولا حقيقية.
لكن ذلك يمكن أن يتغير بعامل الوقت وعامل الممارسة التي ستظهرها مؤسسات الدولة، المشكلة أن عملية الاندماج ذاتها أفضت إلى خلل في البنية الاجتماعية لموظفي مؤسسات الدولة في المحافظة، فقد انصبت جهود الدمج على منح أكراد قسد المؤسسات والمناصب، في حين لا يزال العرب يعانون، ولا شك أن الموازنة صعبة في المرحلة الانتقالية وفي مرحلة يتم فيها إعادة ترتيب الهياكل الحكومية وحصر السلاح.
لكن ذلك لا يمنع من العمل والتخطيط لمعالجتها، ولا يمكن مطالبة السكان بالصبر إلى أجل غير معلوم على ازدواجية أمنية وإدارية تقيد حياتهم، ثم مطالبتهم في الوقت نفسه بالثقة بعملية دمج ليسوا جزءاً منها ولا يعرفون نتائجها أو جدولها الزمني.
كما يجب ألا تؤدي عملية الدمج إلى مسار يعيد إنتاج الانقسام الذي يفترض أن الدولة جاءت لإنهائه، بالنظر إلى أنه لم يتم دمج كل أجهزة “قسد” وأذرعها ضمن الهيكل الحكومي للمحافظة، ولم يتم حل تلك الأذرع في الوقت نفسه، مثل الشبيبة الثورية، ووحدات حماية المرأة، وهذا يمثل إحدى المشكلات الجوهرية، ومسببات التوتر، خصوصاً التصرفات الاستفزازية التي تقوم بها الشبيبة الثورية، والتي يُعرف أنها على ارتباط مباشر بقيادة قنديل.
يضاف إلى ذلك مشكلة أخرى: فقد تكون بعض المؤسسات قد انتقلت إلى الهياكل الحكومية رسمياً، بينما بقيت شبكات النفوذ السابقة حاضرة في التعيينات أو القرارات أو الممارسات اليومية، فقد يكون الموظفون من الإدارة الذاتية مستمرين في الولاءات التنظيمية بصفتها فوق سلطة القانون.
صحيح أنه لا يجوز أن تتحول عملية الدمج إلى تطهير جماعي للموظفين أو إقصاء لكل من عمل في مؤسسات الإدارة الذاتية، فهذا يناقض الاتفاق عدا عن أنه غير عملي، لكن هذا أمر يحتاج إلى مراقبة ومتابعة، وما من شك أن تمكين السكان المحليين، بجانب المحاسبة الإدارية، عامل حاسم في هذا الأمر.
لقد أوجدت سنوات الحرب والانقسام شبكات مصالح وأجهزة وأفراداً ارتبط نفوذهم بضعف الدولة أو بانقسامها، وقد تجد أطراف من النظام السابق، أو شبكات الفساد والتهريب، أو الفاعلون الذين يخشون المساءلة، مصلحة لها في تعميق التوتر بين العرب والأكراد؛ لأن انشغال المجتمع بصراع هوياتي قد يصرف الانتباه عن ملفات المسؤولية والموارد والعدالة، وهذا يستدعي الوقاية والتحقيق، وتفعيل الآليات الأمنية، وهي ناجحة إلى حد كبير في مختلف المدن، لمنع إشعال العداء الجماعي، والقبض على المشتبه بهم والمطلوبين للعدالة من بقايا النظام والمجرمين.
أخيراً، قد تكون مظاهرات الحسكة فرصة لإعادة وصل المحافظة بالدولة السورية، ليس بصفته إخضاعاً لمجتمع محلي أو انتصاراً لجماعة على أخرى، وإنما باعتباره بناء عقد اجتماعي جدي، يولد مؤسسات تحمي الجميع، يستطيع من خلالها الكردي والعربي والسرياني الآشوري أن يطالب بحقه من دون أن يخشى أن تتحول هويته إلى موضع اتهام أو تمييز.