قمة الحد الأدنى..!!

بين البيان الختامي للقمة الثلاثية في أنقرة، وما شهدته الأروقة الجانبية أو الملحقة والنقاشات التي دارت فيها، ثمة فارق لا يمكن أن تخطئه العين ولا تغفله الاستنتاجات، بحكم أن الدبلوماسية التي حاولت أن ترتق عيوب التركي بدت عاجزة عن تخطي المفارقة التي تضبط إيقاعه على متناقضات العلاقة الملتبسة مع شريكيه الروسي والإيراني.

فرغم أن ما تسرّب عمّا دار أو ما أعلن عنه قد يكون من المبكر الحكم على مآله، فإن هناك من يجزم بأن ما أعلن لا يشكل إلا جزءاً يسيراً مما تم النقاش حوله، وما تم تسريبه عن قصد أو من دونه لا يمثل سوى رأس جبل الجليد حول التباينات الحادة، التي برزت في المقاربة على نحو واضح في التقييم النهائي لتجربة السنوات التي مضت على مسار آستنة.

لقاء الضرورة وربما المتاح وقد يكون «لقاء الحد الأدنى» وهو ما ذهبت إليه بعض التشبيهات يبدو أنه الأكثر دقة في ظل توافق المشاركين وحتى إدراكهم بأن ما يجمعهم أقل بكثير مما يفرقهم وما يختلفون عليه أكثر مما يتوافقون حوله، وهو يشعرهم بعبثية المحاولة، لكن تبدو جميع الخيارات الأخرى مكلفة، ولا مصلحة لأحد بالذهاب فيها، خصوصاً أن الكثير من المتربصين بالجهد الروسي تحديداً ينتظرون أي فرصة لإفشال مسعاه، ويجاريهم في ذلك التركي بمراوغته والهروب إلى الأمام أو الاختباء خلف إصبعه للتملص مما فرضه هذا المسار من التزامات.

المفاضلة هنا ربما كانت بين السيئ والأكثر سوءاً، وتأخذ في الاعتبار حجم المآخذ على الثغرات التي ينطوي عليها الدور التركي ومقاربته التي تميل بطبيعة الحال إلى التسليم بأن اللعبة وصلت أو شارفت على نهاياتها المحتومة، وثمة استحقاقات على الأرض كما في السياسة، لا مفر من التعاطي معها بجدية، وأن حالة التسويف والمراوغة وصلت إلى حائط مسدود، خصوصاً أن خيارات التركي الأخرى ليست أقل سوءاً، وتعاني من انغلاق الأفق كما تواجه معضلة غياب المساحات و البدائل..

يبقى الرهان على أن المسار الذي أطلقته آستنة يحاكي أقصى الممكن والمتاح، وربما تجاوز في خطواته وبعض جوانبه مشاهد التعويل التي برزت حين إطلاقه، وحقق حتى اللحظة ما يسجل لمصلحة الصبر الروسي والإيراني، والعمل الحثيث والمباشر للحيلولة دون تعثره وبما جنبه الكثير من الأفخاخ المنصوبة تركياً وأميركياً، وشاطرهما الكثير من الأدوات في المنطقة وخارجها.

قمة الحد الأدنى ليست اختلافاً عمّا سبقها، لكنها تحمل في طياتها ما يؤشر إلى واقع يرسم بكثير من الدقة والوضوح حدود ومساحة الاختلاف في روزنامة الاستحقاقات، حيث لا يغيب عن بال المشاركين أن الأحداث على الأرض والتطورات الميدانية والسياسية تجاوزت الكثير مما طرح ماضياً، وأحدثت فرقاً في المقاربة يمكن الاتكاء عليه للخروج بما هو يختلف عن سابقاتها.

النظام التركي كان وسيبقى أحد أخطر ما يتهدد المسار، وربما أسوأ ما يتربص به، بدليل أن هذه القمة لم تستطع وفق قراءات أولية تجاوز كل ما سبق أن اعترض مسار القمم السابقة، وسيبقى يعترض ما يلحق بها سواء كانت ثلاثية أم ثنائية .. مقررة مسبقاً أم اقتضت الضرورة أن تكون في حينها، حيث البدائل على الأرض وفي السياسة ومن تجارب سابقة جاهزة ومتاحة، وقد تكون الحل الذي طال انتظاره..!!.

بقلم: علي قاسم

أعلن في شمرا