ظاهرة "الألتراس" في العالم العربي تتحول من مجموعة شبان في مدرجات كرة القدم تهتف لفرقها فقط، إلى حركة إجتماعية تتعرض لقضايا الناس وتحاول الضغط على الحكومات والوقوف في وجهها.

وصل قناع "Vandetta" إلى مدرجات كرة القدم عن طريق  الـ"ألتراس"

شاربٌ وابتسامةٌ والقليل من التعابير، إنه شكل القناع الذي بات يعرف بـ "قناع فانديتا" القناع الذي أخذ اسمه من الإغريقية ويعني "الانتقام"..
ربما كان فيلم "V for Vendetta" الصادر عام 2005 فرصة للتعرف على شكل القناع الجديد. لكن التاريخ لم ينسى اسم الشخص الذي استوحى منه الفنانون القناع، جاي فوكس؛ المتمرد الذي كان قريبًا من تفجير البرلمان الإنكليزي في العام 1605 أثناء تواجد الملك في المبنى بهدف اغتياله وإنهاء حكمه بسبب القوانين الجائرة التي أصدرها الملك ضد الكاثوليك، تم القبض على فوكس وفشلت محاولته التي عرفت بـ "مؤامرة البارود".
تحوّل القناع مع الزمن إلى رمز للتمرد، لما يحمله من معانٍ وثقافة ثورية ضد الأنظمة، والتي كرستها شخصية وأقوال "V" المتمردة في الفيلم، وبات القناع يظهر في كل مكان وخصوصاً في التظاهرات وعمليات القرصنة الإلكترونية وغيرها، ليصل إلى مدرجات كرة القدم، حيث تبناه ما يسمى بالـ"ألتراس"، وبمجرد تبني هذا القناع نعرف أن الجماهير لم تعد تقف في الملاعب لتهتف فقط باسم فرقها، بل تصدح بشعارات ثورية ومطلبية، لتتحول المدرجات إلى ساحة للتظاهر والاحتجاج ضد الأنظمة في العالم العربي خصوصاً.

ألتراس "دون منّة من أحد"

يرفض الـ"ألتراس" أي دعم مادي من خارج المجموعة

قبل الغوص في تفاصيل وقصص الألتراس وتاريخهم في العالم العربي، لا بد من التعرف عليهم وعلى مبادئهم.
"Ultras" كلمة تعني "الشيء الفائق أو الزائد عن الحد" أو هم المتطرفون في الحب، في حب الأندية الرياضية والأصحاب الذين يشاركونهم المدرج نفسه والقضية نفسها.
ينظر الألتراس إلى أنفسهم على أنهم كتلة واحدة كخلية نحل، واحدها من أجل المجموعة والجميع من أجل الواحد. لا يتوقف الألتراس عن التشجيع طوال دقائق المباراة، لا يجلسون إنما يشجعون وقوفًا بشكل متواصل.
الولاء للـ"كورفا"، أحد أهم مبادئهم، والكورفا هو مكان جلوسهم، وهو غالباً يقع في مدرجات الدرجة الثالثة التي تقع شمال المقصورة، وما يميزها انخفاض تكلفة تذاكرها، وكأن مقصدهم من اتخاذ هذه المقصورة التعبير عن أنهم أبناء الشعب المستضعف والمضطهد والذي لا يشارك أصحاب النفوذ والمال نفس المكان.
وللألتراس دستور يظهر قوة تكتلهم، وفي مقدمته 3 بنود:
- نحن ضد الإعلام، حيث يلجأون لتغطية وجوههم "ثقافة النينجا"، فأفراد الألتراس لا يحبون الظهور لأن الهدف هو المجموعة والفكرة لا الشخص.
- ضد الكرة الحديثة، والتي تعتمد على الرأسمالية، حيث يعتبرون أنها تحوّل كرة القدم إلى سلعة.
- أبرز الشعارات والذي يختصر الكثير "A.C.A.B" والذي يعني "All Cops Are Bastards" (كل رجال شرطة أوغاد)، فالشرطة بنظرهم تمثل السلطة والحكم.
أما تمويلهم فإنه ذاتي، يعتمد على بيع منتجات الألتراس بأسعار رمزية، إضافة إلى الدعم من قبل المنتسبين إلى مدرجهم، حتى أنهم يرفضون التمويل من قبل إدارة أنديتهم، وذلك لكي لا يكون هناك منةٌ لأحد عليهم.

"ألتراس".. صوت الشعب

تزايد ظهور الـ "ألتراس" في تونس عام بعد عام

"خلف هذا القناع يوجد ما هُو أكثر من اللحم، خلف هذا القناع يوجد فكرة، والأفكار مضادة للرصاص".. كلمات "V" في الفيلم المذكور. سافرت هذه الفكرة من قارة الشمس من جنوب أميركا إلى أوروبا، لتعبر البحر وتنطق العربية بوصولها إلى شمال إفريقيا. بداية التجربة العربية مع الألتراس كانت في ليبيا عام 1989، حيث ظهر لأول مرة "ألتراس دراغون (التنين)" المساند لنادي الإتحاد الليبي، ولكن "التنين" لم يصمد في سماء الصحراء سوى أسبوعين، لأن الرئيس الليبي السابق معمر القذافي قمع هذه الحركة قبل اشتداد عودها.
لم تمتْ الفكرة مع قمع القذافي لها، إنما انتقلت إلى تونس في العام 1995 مع مجموعة "أفريكان وينرز" والتي تساند فريق النادي الإفريقي التونسي، سرعان ما غاب هذا الألتراس، لأن السلطات في الدول العربية، كما يقول الألتراس، لا تقبل من يعارضها أو يأخذ شكل جماعة لا تشبهها.
ولأن الفكرة لا تموت عاد "أفريكان وينرز" في تونس عام 2002، ولحقها "ألتراس مكشخين"، وتزايد الظهور في تونس لتظهر "تورسيدا"، "سوبراس"، "كورفا سود" و"الدم والذهب". هذه المجموعات خرجت من الأحياء الفقيرة وكانت تقتصر على فئة قليلة لكنها توسعت في كل تونس لاحقاً.
ورغم أن مجموعات الألتراس تتناوش في الملاعب، إلا أنها توحدت عند اندلاع الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي 2011، وكان الألتراس في مقدمة المنتفضين.
حادثة أخرى تظهر الحضور الكبير للألتراس تمثلت في نهائي كأس تونس عام 2017 حيث تزامن وصول الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي إلى الملعب مع رسالة إلى الحكام العرب تظهر تبني الألتراس للقضية الفلسطينية، برفع لافتة كتب عليها "كرهناكم يا حكام.. تحاصرون قطر وإسرائيل في سلام".
ومن تونس إلى جارتها الجزائر ظهر الألتراس لأول مرة في 2007 من بوابة "ميغا بويز" التابع لفريق "مولودية سعيدة".
يرفض الألتراس في الجزائر الإنتظام إلى إطار قانوني أو تحويل نشاطهم إلى جمعية، لأنهم يعتبرون ذلك فعلاً مخالفاً للقواعد، وبرأيهم أن من يفعل ذلك يكون من عبيد المال.
ولا يختلف وضع الألتراس في الجزائر عن غيرهم، فهم يغنون ضدّ السلطة إضافة إلى اشتباكهم الدائم مع عناصر الشرطة، والتي بدورها دائماً ما تضيق الخناق عليهم.

ألتراس المغرب "في بلادي ظلموني"

 

يتصدر الألتراس المغربي الواجهة في العالم العربي وربما في العالم، نظراً لحضورهم الفاعل وتأثيرهم، وهم اليوم، كما يقولون، يمثلون الشباب المهمش الذي يبحث عن فرصة في بلادهم. ولعل كلمات أغنية "في بلاد ظلموني" التي اجتاحت وسائل التواصل الإجتماعي العام الفائت تختصر الكثير حيث جاء في الأغنية: "في هذه البلاد نعيش في غمامة، نطلب السلامة… يوزعون لنا حشيش كتامة (منطقة معروفة بزراعة الحشيش في المغرب) تركونا مثل الأيتام.. مواهب أضعتموها، بالمخدرات كسرتموها.. أموال البلد كلها سرقتوها، للأجانب سلّمتوها".
الألتراس في المغرب بات صوت الشارع، وصرخة في وجه السلطة، لذلك مُنع الألتراس في العام 2016 من دخول الملاعب، لكن هذا المنع أتى بنتائج عكسية، حيث ساعد في وقوف الجماهير الأخرى في صف الألتراس وقاطعوا الملاعب أيضاً، ما تسبب في خسائر مادية للأندية التي راحت من تحت الطاولة تفاوض على عودتهم.
تحول الألتراس في المغرب إلى حركة اجتماعية تعبر وتعترض وتكافح من خلال منبر المدرجات؛ فتحدثوا عن الواقع التعليمي وهجرة الشباب، وكما حال الألتراس في الجزائر لم ينسى المغربيون القضية الفلسطينية حيث انتشرت في الآونة الأخيرة أغنية "الرجاوي فلسطيني"، وإذا كانت الـ"فيفا" تمنح جائزة أفضل جمهور لا بد أن يفوز بها ألتراس الرجاء الذي توجه إلى منزل أحد أفراد المجموعة الذي أصيب بالسرطان وراح يغني له بهدف دعمه معنوياً.

ألتراس "الجدعان"

شكل الألتراس في مصر الوجه الرافض للخضوع والاستبداد

قصص الألتراس في مصر لا تختصر في مقال أو قصة أو حتى رواية. "الجدعان" هي الكلمة التي تدل على القوة وهي أقل ما يقال في حق الألتراس في مصر، خصوصاً ألتراس ناديي الأهلي والزمالك.
وكان الألتراس في الصف الأمامي في أحداث 25 يناير 2011، كان منظماً جداً في إدارة التظاهرات ضد الرئيس الأسبق حسني مبارك، فكان أول المشتبكين مع الشرطة وسقط العديد من أعضائه برصاصهم.
شكل الألتراس في مصر الوجه الرافض للخضوع والاستبداد، حيث أتاحت الثورة الفرصة لبروزهم كقوة شبابية احتجاجية مؤثرة في الرأي العام. هذا الأمر راكم في العداء بين السلطة والجمهور، فاشتعل الصراع بينهم، وعمدت القوى الأمنية إلى اعتقالهم ومحاصرتهم، وصنفتهم "مجموعات إرهابية تهدد أمن الدولة".
يبقى أن نذكر وقفة الجماهير المصرية ومحاصرتهم للسفارة الإسرائيلية في القاهرة عقب الثورة للمطالبة بإغلاقها وطرد السفير حيث واجهتهم الشرطة.

"الفقر سيف حاد، ارحموا جيوب العباد"، "الشعب إذا جاع بياكل حاكمه"، هذان الشعاران ظهرا في المدرجات اللبنانية مؤخرًا من قبل ألتراس نادي الأنصار "ألتراس أنصاري" والنجمة "سوبر نوفا" تواليًا، حيث يشكل جمهور الفريقين العاصميين الأكبر في لبنان، فهل تحمل الأيام المقبلة تطوراً في نشاط الألتراس في لبنان على صعيد المظاهرات الشعبية المطلبية؟

أعلن في شمرا