خطٌّ في الرمال

كتب خضر خضور مقالاً بعنوان «خطٌّ في الرمال» نشره مركز كارنيغي بتاريخ 22 شباط/فبراير 2019، تحدث فيه عن الحدود السورية العراقية التي أصبحت نقطة مواجهة رئيسة بين القوى الإقليمية والدولية، في ظل التهديد المستمر لانبعاث تنظيم "داعش" من جديد، وجهوده لممارسة النفوذ في سورية والعراق.
أكثر من 600 كيلومتر من الحدود التي كانت تحت سيطرة "داعش" في السابق، يتنافس عليها اليوم خليط من الفاعلين السياسيين. على الجانب العراقي، يقول الكاتب، القوات الرئيسة هي الجيش العراقي، والقبائل العربية "السنية"، فضلاً عن القوات المرتبطة بإيران، والتي لها علاقات مع حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي يعمل في غرب سنجار. وعلى الجانب السوري، يُتابع، تسيطر "قوات سوريا الديمقراطية" على أجزاء كبيرة من الحدود. وتسيطر الدولة السورية على أجزاء، بينما يسيطر تنظيم "داعش" على جيب صغير من الأراضي.
هذا المزيج المعقد من القوى يعيد تشكيل المنطقة الحدودية، حتى الحدود نفسها تعيد تشكيل كيفية تفاعل الأحزاب المختلفة مع بعضها البعض أثناء تنافسها على مناطق النفوذ. لقد أدى التفاعل عبر الحدود والحاجة المتبادلة لمنع عودة "داعش" إلى التقريب بين دمشق وبغداد، الأمر الذي يعمل في النهاية لصالح إيران، بحسب الكاتب، إذ إنّ إيران هي الفاعل الوحيد الذي يتمتع بحضور كبير ونفوذ على جانبي الحدود السورية العراقية.
في عام 2014، خلال مرحلة توسع "داعش" ومحاولات محاربته الأولى، قامت القوات الكردية العراقية بهجوم، واستولت على نحو 30 كيلومتراً من الأراضي خارج منطقة سيطرتها السابقة، والتي وصلت تقريباً إلى سنجار. في أعقاب الاستفتاء الفاشل على استقلال الأكراد في عام 2017، استعادت الحكومة العراقية تقريباً جميع تلك المناطق، وتمركزت القوات الحكومية ووحدات تابعة لقوات الحشد الشعبي (PMF) على الحدود. إن معضلة الحكومة العراقية اليوم هي أن تلك القوات تحتاج إلى الغذاء والوقود، ما يؤدي إلى استنزاف كبير للميزانية الوطنية. وقطع التمويل في المقابل قد يسمح لـ "داعش" باستعادة الأراضي وإشعال الصراع في المنطقة الحدودية.
على الجانب السوري، لا تعاني الدولة السورية من نفس المشكلة. فبعد استعادة السيطرة على معبر البوكمال الحدودي الاستراتيجي في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، استخدمت نموذجاً يتضمن التعاون مع القبائل المحلية في دير الزور، نموذج أكثر استدامة من الناحية المالية، ويسمح للدولة بالتالي الحفاظ على وجود قوي على الحدود.
تكثفت المنافسات الجيوسياسية على الحدود السورية-العراقية نتيجة تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. وما يزيد الأمور تعقيداً في المنطقة الحدودية الأوسع التي تمتد شمالاً نحو تركيا، هو الصراع بين تركيا والجماعات الكردية السورية المدعومة من الولايات المتحدة، والتنافس بين الولايات المتحدة وروسيا. وربما تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً أيضاً ضد قوات الحشد الشعبي التي عبرت الحدود العراقية إلى سورية للقيام بعمليات ضد "داعش"، إذ تعدّهم واشنطن امتداداً لإيران. ففي حزيران/يونيو 2018، قصفت الطائرات الأمريكية قوات الحشد الشعبي بين البوكمال ومعبر التنف، الذي يسيطر عليه الأمريكيون، على الجانب السوري من الحدود. ومع ذلك، نفت الولايات المتحدة أن تكون متورطة.
تؤكد هذه الأجندات المتضاربة على أن الحدود العراقية-السورية تلعب دوراً أكثر تعقيداً بكثير من ترسيم الحدود بين دولتين تتمتعان بالسيادة. إنّ وجود جهات فاعلة من غير الدول التي تُزعزع سيطرة الدول على الحدود –وفي بعض الأحيان تقاسمها السيطرة– أنتج علاقات عسكرية جديدة.
هذا هو الحال على الجانب العراقي من الحدود، حيث تعمل القوات "الشيعية" والبشمركة الكردية جنباً إلى جنب مع القوات العسكرية العراقية. وفقاً لأحد قادتها، فإن قوات الحشد الشعبي نُشرت على طول الحدود السورية-العراقية بالتنسيق مع الحكومة العراقية. وتقدر تقارير أخرى أن 80% من قوات الحشد والبالغ عددهم 140.000 تتمركز في شمال العراق وغربه، بالقرب من سورية. هذا الرقم لم يتم تأكيده، ولكن بالنسبة لبعض المراقبين يقول الكاتب، فإن النشر، إذا تم تأكيد أرقام، هو جزء من محاولة إيرانية لتأمين ممر بين إيران وسورية.
في الوقت ذاته، تواصل القوات المسلحة التركية تنفيذ عمليات عبر الحدود ضد حزب العمال الكردستاني في مناطق مثل سنجار. التدخل التركي يؤثر على العلاقات بين الفصائل الكردية. ويقوم الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يقود حكومة إقليم كردستان العراق، بالتنسيق مع تركيا لمنع حزب العمال الكردستاني وحلفائه من الحصول على ملاذ آمن في شمال العراق. ومع ذلك، لا يوافق على هذا الموقف حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK)، وهو حزب عراقي كردي كبير، يسيطر على مدينة السليمانية وله حضور قوي في كركوك. يُعدّ هذا الحزب حليفاً وثيقاً لإيران، على حد تعبير الكاتب، ويُعتقد أنه أكثر تعاطفاً مع حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي.
لا يزال تنظيم "داعش" يسيطر على شريط صغير من الأراضي على الجانب السوري من الحدود السورية-العراقية، والتي قد تتعرض لخطر سقوط وشيك. في كانون الأول/ديسمبر الماضي، أعطى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً بسحب 2000 جندي أمريكي من سورية. تتمركز معظم القوات الأمريكية على الحدود، ومن المقرر الانتهاء من سحبها نهاية نيسان/أبريل، باستثناء نحو 200 جندي.
في حال أدى هذا الوضع الجديد إلى خلق فراغ، فمن المحتمل أن يؤدي إلى تقدم عسكري من قبل إيران ووكلائها، الحكومة السورية، القوات الكردية، تركيا، أو روسيا. ولهذا السبب، من المرجح أن تبقى الحدود السورية-العراقية ساحة معارك لمدة طويلة، نتيجة للمنافسات الجيوسياسية والأزمات المحلية.

أعلن في شمرا