اقتصاد الحرب: هل "السلام" الأوروبي في خطر؟
٣٠ مارس ٢٠٢٥لا يوجد تعريف واحد لمفهوم "اقتصاد الحرب"، ولكن هناك العديد من السمات التي تُشكل تعريفا له.
ماذا يعني "اقتصاد الحرب"؟
إن مرحلة اقتصاد الحرب، تعني أن الدولة قد حشدت مواردها وقدراتها التصنيعية وقواها العاملة، لدعم الاستعداد والإنتاج العسكري قبل الحرب أو خلالها.
ويكون التغيير الاقتصادي الأبرز هو التحول في الإنتاج الصناعي من السلع الاستهلاكية، إلى أشياء مثل الأسلحة والذخيرة أو غيرها من المعدات العسكرية.
وحسب بيني ناز، خبيرة السياسات العامة في صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة في واشنطن، فإنه "إلى جانب المعدات العسكرية التقليدية، تتطلب الأسلحة الحديثة استثمارات في التكنولوجيا والخدمات الرقمية، مثل البرمجيات وتحليلات البيانات وأنظمة الأقمار الصناعية والإنترنت والآمن".
لإدارة كل هذا، تزيد الحكومات من سيطرتها على الصناعات الضرورية وتخصص لها موارد أكبر. تتيح هذه السيطرة للحكومات تحديد أولويات المواد الخام وإعادة توجيهها إلى الصناعات والسلع المرتبطة بالحرب. وقد تُقنن الوصول لسلع معينة، مثل الوقود أو الغذاء، لإعطاء الأولوية للجيش.
من يستفيد من اقتصاد الحرب؟
تقول ناز: "خلال فترة اقتصاد حرب حقيقي، تُوجه جميع عناصر المجتمع نحو الدفاع عن الوطن".
تكون هذه العملية مكلفة، وعادة ما تكون هناك زيادة كبيرة في الإنفاق الحكومي لتغطية كل المصاريف، وقد يؤدي هذا إلى المزيد من الاقتراض، والتضخم، وارتفاع الضرائب، وانخفاض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية.
بالنسبة لأرمين شتاينباخ، الباحث في مركز بروغل في بروكسل، والأستاذ في كلية إدارة الأعمال بجامعة HEC باريس، فإن "الشركات المتخصصة في السلع العسكرية، والتقنيات الرقمية، والمعلومات والاستخبارات، والأدوية والتكنولوجيا الطبية هي الرابح الأكبر".
يقول شتاينباخ لـ DW "يمكن أن يكون التوجه إلى اقتصادات الحرب حافزا للتقدم العلمي والتكنولوجي، فأنظمة الاتصالات الجديدة، والمحركات النفاثة، والرادارات مفيدة وتؤثر على الصناعات الأخرى".
الانتقال إلى اقتصاد الحرب
يمكن أن يحدث الانتقال من اقتصاد مدني إلى اقتصاد حرب ببطء أو بسرعة، حسب الموقف. فخلال الحرب العالمية الثانية، كانت ألمانيا تتمتع بميزة الهجوم، مما مكّنها من التقدم. أما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وحلفاء آخرون، فقد اضطروا إلى الرد. واليوم، تعيش روسيا وأوكرانيا وضعا مشابها.
زادت روسيا إنفاقها العسكري بشكل كبير، وعززت إنتاج السلع العسكرية، وفرضت ضوابط على رأس المال لإبطاء تدفق الأموال إلى خارج البلاد. كما أنه قد ارتفع التضخم، وزادت الحكومة الإنفاق العام للحفاظ على استمرار الاقتصاد المدني.
أما أوكرانيا الفقيرة، فهي في وضع أكثر صعوبة، ولأنها هي التي تتعرض للهجوم، فإنها تكافح من أجل البقاء، واضطرت إلى استثمار المزيد في الاقتصاد الحربي. وأشار شتاينباخ إلى أن أوكرانيا تنفق اليوم 58% من ميزانيتها على المجال العسكري.
على غرار روسيا، حشدت أوكرانيا قواها البشرية لدعم جهودها العسكرية، مما أدى إلى استبعاد العديد من العمال ذوي الخبرة من القوى العاملة التقليدية. وبناءً على طلب الحكومة، أُعيد تجهيز العديد من المصانع لإنتاج الأسلحة والذخيرة.
ما هي الدول الأخرى التي تعيش حالة اقتصاد حرب؟
هناك عدد من الدول الأخرى التي تكاد تكون في حالة اقتصاد حرب بسبب الصراعات العسكرية المستمرة، بما في ذلك ميانمار والسودان واليمن.
كما أدت الصراعات المستمرة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية وسوريا وإثيوبيا وإريتريا إلى اضطرابات اقتصادية، حيث تركز الحكومات هناك على النفقات العسكرية.
كما زادت إسرائيل إنفاقها الدفاعي، وصارت تُصنع المزيد من الأسلحة. وجُنّد العديد من الجنود للقتال، مما أدى إلى استبعادهم من سوق العمل المدني. ولتغطية هذا النقص، رفعت الحكومة ضريبة القيمة المضافة، وأسعار المرافق، وضرائب العقارات.
الاتحاد الأوروبي مستعد لإعادة التسلح
اضطر الاتحاد الأوروبي أيضا في الآونة الأخيرة، إلى اتخاذ إجراءات بسبب تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) وأوروبا بشكل عام. هذا التحول في الموقف، بعد عقود من الدعم الأمريكي، إضافة إلى مبادرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يُثير قلقا بالغا بشأن الضمانات الأمنية عبر الأطلسي.
كانت دول الناتو - 23 منها أعضاء في الاتحاد الأوروبي – تحاول إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على مجال الدفاع. والآن، حتى هذا الرقم أصبح غير كاف.
في 4 مارس/ آذار، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن خطة دفاعية بقيمة 800 مليار يورو (867 مليار دولار أمريكي). تهدف هذه الخطة، التي أُطلق عليها اسم "إعادة تسليح أوروبا"، إلى تعزيز القدرات العسكرية للاتحاد الأوروبي، وتتضمن قروضا بقيمة 150 مليار يورو لأعضاء الاتحاد.
إضافة إلى ذلك، سيتم السماح بتخفيف القيود الصارمة على عجز الموازنة للدول بزيادة إنفاقها، وقد يصل الإنفاق العسكري إلى 650 مليار يورو إضافية في السنوات القليلة المقبلة.
ألمانيا مستعدة لزيادة استثماراتها العسكرية
من جانبها، دخلت ألمانيا مرحلة جديدة بموافقتها على قواعد الميزانية المُحدثة في 21 مارس/آذار. وستتمتع الحكومة مستقبلا بحرية أكبر في تعزيز تسليحها، حيث لن يكون معظم الإنفاق الدفاعي مُقيدا بقواعد العجز المالي.
هذه الخطوة بالغة الأهمية لدرجة أنها قد تُحدث تغييرا جذريا في السياسة الأمنية للقارة، وستتطلب تعديلا لدستور البلاد. وبالنسبة لألمانيا وأوروبا ككل، سيكون إعطاء الأولوية للموارد المالية خطوة أولى مهمة.
وتعتقد بيني ناز أن الحصول على مزيد من موارد الطاقة، بالإضافة إلى مزيد من التنسيق للتغلب على تباين القدرات الوطنية، أمران ضروريان أيضا على المستوى الأوروبي. ومن شأن المشتريات المشتركة والبحث والتطوير المشترك أن يُخفّض التكاليف.
وقالت ناز: "على المستوى السياسي، يثار الكثير من النقاش حول زيادة القدرات العسكرية الأوروبية، ولكن هذا لا يزال في مراحله الأولى. إن أوروبا تنطلق من موقع قوي، بموارد مالية مهمة، وقدرات تصنيعية قوية".
أعدته للعربية: ماجدة بوعزة