عواصم-سانا
تضع التطورات المتسارعة في الحرب الروسية الأوكرانية مستقبل الدعم الأمريكي لكييف أمام اختبار يتجاوز حجم المساعدات العسكرية إلى طبيعة التسوية التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها، وحدود التنازلات التي يمكن أن يقبل بها الطرفان، وقدرة أوروبا على حماية أمنها في حال تراجع الدور الأمريكي.
وبينما يركز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دفع موسكو وكييف نحو إنهاء الحرب، تتمسك القيادة الأوكرانية بضمانات تحول دون استغلال أي اتفاق لإضعاف قدراتها الدفاعية، فيما تواجه العواصم الأوروبية معادلة تجمع بين دعم أوكرانيا والحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.
تعكس الخلافات الأخيرة بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تبايناً في ترتيب الأولويات، أكثر مما تعكس بالضرورة قطيعة في العلاقات بين البلدين، فالإدارة الأمريكية تربط تحركاتها الدبلوماسية بمحاولة إنهاء الحرب، وتتعامل مع تداعياتها الاقتصادية، بما فيها ارتفاع أسعار الوقود، باعتبارها عاملاً مؤثراً في حسابات السياسة الداخلية الأمريكية.
وبرز هذا التوجه في الاتفاق الذي أعلنه ترامب بشأن إتاحة كميات من الديزل الروسي للأسواق العالمية بهدف المساهمة في خفض الأسعار، وهو ما أثار اعتراضات أوكرانية وأوروبية بسبب المخاوف من أن تؤدي زيادة عائدات الطاقة الروسية إلى توفير موارد إضافية لموسكو.
وفي المقابل، دافعت واشنطن عن خطوتها باعتبارها جزءاً من معالجة الضغوط على أسواق الطاقة، وخطوة تهدف إلى زيادة إمدادات الوقود واحتواء ارتفاع الأسعار، وفق ما أوردته “رويترز” في 13 تشرين الأول الجاري، فيما استمرت الانتقادات الأوروبية بسبب التداعيات المحتملة للاتفاق على العقوبات المفوضة على روسيا وإيراداتها من الطاقة.
ويبرز الخلاف أيضاً حول استهداف المنشآت النفطية الروسية، إذ تسعى واشنطن إلى الحد من الهجمات على البنية التحتية للطاقة، بينما ترى كييف أن هذه المنشآت تمثل مصدراً مهماً للموارد التي تمول العمليات العسكرية الروسية.
وبدأت مؤشرات تعثر التفاهم تظهر بعد إعلان ترامب في 11 تشرين الأول التوصل إلى وقف للهجمات على منشآت الطاقة الروسية والأوكرانية، من دون نشر تفاصيل واضحة بشأن آليات تنفيذه.
واتهمت كييف موسكو بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية، مشيرة إلى ضربات طالت محطة كهرباء في خاركيف، فيما قالت السلطات الأوكرانية إن الهجمات الروسية استمرت رغم إعلان التفاهم.
وفي 15 تشرين الأول، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي انتهاء التزام بلاده بوقف استهداف المصافي الروسية، مؤكداً استئناف الهجمات، وهو ما تجسد في ضربة أوكرانية استهدفت مصفاة نفط في منطقة ريازان الروسية.
ووفقاً لوكالة رويترز، جاء القرار الأوكراني بعد استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية للطاقة، في حين قالت موسكو إن نطاق التفاهم لم يكن قد تحدد بصورة واضحة.
ومع انهيار التفاهم واستئناف الهجمات المتبادلة، تبدو قدرة أي مبادرة أمريكية على تثبيت تهدئة مستدامة مرتبطة بمدى استعداد موسكو وكييف للالتزام المتبادل بها، وليس بمجرد إعلان التفاهمات.
لا تقتصر أهمية الشراكة الأمريكية الأوكرانية على توريد الأسلحة والذخائر، بل تشمل أيضاً المعلومات الاستخباراتية والإنذار المبكر والقدرات التقنية التي تساعد القوات الأوكرانية على رصد الهجمات والتعامل معها، لذلك أثارت تصريحات زيلينسكي في 13 تشرين الأول بشأن عدم تلقي أوكرانيا إنذاراً مبكراً من شركائها قبل هجوم صاروخي روسي على كييف، مخاوف أوكرانية من انعكاسات أي اضطراب في التعاون الاستخباراتي على حماية المدن والبنية التحتية.
لكن هذه المخاوف لا تعني أن وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية أصبح أمراً مؤكداً، إذ أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريحات للصحفيين، استمرار تبادل المعلومات مع أوكرانيا، مشيراً إلى أن واشنطن تواصل مساعدة كييف وتسعى إلى إنهاء الحرب.
وفي السياق نفسه، أفادت رويترز في 14 تشرين الأول بأن أوكرانيا لا تزال تعتمد على قدرات أمريكية في مجالات الإنذار المبكر بالصواريخ والاتصالات الفضائية، في وقت لا تمتلك فيه الدول الأوروبية بدائل جاهزة لتعويض هذه القدرات بالكامل،
ويبرز ذلك أهمية التمييز بين المخاوف من تغير مستوى الدعم الأمريكي أو شروطه، وبين وجود دليل على توقف التعاون الاستخباراتي فعلياً.
وتضيف القيود التي طالت بعض استخدامات خدمات “ستارلينك” طبقة أخرى من التعقيد، نظراً لاعتماد القوات الأوكرانية على هذه الخدمة في تأمين الاتصالات ونقل البيانات بين الوحدات العسكرية، بما في ذلك تشغيل بعض الطائرات المسيّرة وتنسيق العمليات الميدانية.
وتوفر “ستارلينك”، وهي خدمة إنترنت تعتمد على شبكة من الأقمار الصناعية تديرها شركة “سبيس إكس” الأمريكية، اتصالاً بالإنترنت في مناطق تضررت فيها شبكات الاتصالات التقليدية أو تعذر استخدامها، ما يجعل استمرار توافرها عاملاً مؤثراً في القدرات التقنية الأوكرانية.
تجد الدول الأوروبية نفسها أمام مسؤولية متزايدة للحفاظ على قدرة أوكرانيا الدفاعية، من دون التفريط بالتعاون مع الولايات المتحدة التي ما زالت تمتلك قدرات يصعب تعويضها سريعاً، ولا سيما في مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي وبعض منظومات التسليح المتقدمة.
وتؤكد أجندة المجلس الأوروبي لاجتماعه المنعقد في بروكسل اليوم الخميس 15 و16 تشرين الأول، أهمية استمرار دعم أوكرانيا وتعزيز الجاهزية الدفاعية الأوروبية، ويعكس ذلك توجهاً نحو تحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة، إلا أن تحويله إلى قدرات تعوّض أي تراجع أمريكي يتطلب تمويلاً مستداماً وتنسيقاً دفاعياً لا يمكن تحقيقهما سريعاً.
وتكشف هذه المعطيات أن مستقبل الحرب لا يتوقف على الخلاف بين واشنطن وكييف وحده، بل يرتبط أيضاً بقدرة الأطراف على التوفيق بين متطلبات التسوية والضمانات الأمنية، ففي حين تسعى واشنطن إلى إنهاء المواجهة، تتمسك كييف بضمانات تحول دون تجدد الهجمات، فيما تواجه أوروبا تحدي تعزيز قدراتها الدفاعية وتوسيع دورها في أمن القارة، مع الحفاظ على الشراكة عبر الأطلسي.