اقتصادات الخليج في مواجهة الصدمة النفطية.. الاحتياطيات وحدها لا تكفي

عواصم-سانا

كشفت تداعيات الحرب في المنطقة عن تفاوت واضح في قدرة اقتصادات دول الخليج على امتصاص الصدمات النفطية والتجارية، رغم امتلاكها احتياطيات مالية كبيرة واستثمارات واسعة في البنية التحتية، في وقت أسهمت فيه مسارات التصدير البديلة والسياسات الحكومية والتعاون الإقليمي بالحد من الخسائر.

وأظهرت الأزمة أن القدرة على احتواء الصدمات تتجاوز حجم الاحتياطيات المالية إلى مدى تنوع الاقتصاد ومرونة البنية التحتية واستمرار تدفق الصادرات، في وقت قد يؤدي فيه استمرار الاضطرابات إلى استنزاف هوامش الأمان المالي وتعميق الفجوة بين دول المنطقة.

وفي هذا السياق، أكد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور، في مقابلة مع “الشرق بلومبرغ” على هامش الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك، أن اقتصادات الخليج استفادت من ستة مصدات رئيسية خففت آثار الصدمة، محذراً من أن إطالة أمد الأزمة قد تزيد عدم اليقين وتحد من فاعلية هذه المصدات.

وأشار إلى أن المنطقة تواجه خامس صدمة اقتصادية خلال ست سنوات، ما يعزز أهمية الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى بناء قدرة أكثر استدامة على مواجهة المخاطر.

تتمثل المصدات التي حددها أزعور في تنويع مسارات تصدير النفط، وتعدد الأنشطة الاقتصادية، والاحتياطيات المالية والسيولة، وسرعة تدخل الحكومات والبنوك المركزية، والتعاون بين دول الخليج، والخبرة المؤسسية المتراكمة في إدارة الأزمات السابقة.

وتبرز أهمية هذه العوامل في ظل اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي لا تقتصر تداعيات تعطله على تراجع الصادرات النفطية، بل تمتد إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد وزيادة الضغوط التضخمية.

وكان صندوق النقد الدولي قد أوضح، في تحديثه للتوقعات الاقتصادية الإقليمية الصادر في نيسان الماضي، أن الحرب أحدثت صدمة متعددة الأبعاد طالت أسواق الطاقة وطرق التجارة وثقة الأعمال، مشيراً إلى أن تداعياتها تنتقل إلى الاقتصادات عبر قنوات الإنتاج والتصدير والخدمات والأسواق المالية.

وفي هذا السياق، أتاحت مسارات التصدير البديلة للسعودية والإمارات وسلطنة عمان إعادة توجيه جانب من صادراتها بعيداً عن مناطق الاضطراب، فيما أسهم تنوع الأنشطة الاقتصادية، ولا سيما في السعودية والإمارات، في الحد من آثار تراجع النشاط النفطي.

كما وفرت الاحتياطيات المالية والسيولة للحكومات مساحة للتحرك لاحتواء الضغوط، بالتوازي مع تدخلات البنوك المركزية والتعاون الخليجي في تأمين الاحتياجات اللوجستية وتوفير السيولة للدول المتأثرة.

وتبرز تجربة قطر في تسريع إصلاح منشآتها المتضررة وتقليص المدة اللازمة لاستعادة طاقتها الإنتاجية أهمية الجاهزية التشغيلية إلى جانب الموارد المالية، فيما تمنح الخبرة المؤسسية المتراكمة دول المنطقة قدرة أكبر على الاستجابة للأزمات، ومع ذلك، حذر أزعور من أن استمرار الاضطرابات لفترة أطول قد يزيد حالة عدم اليقين ويحد من فاعلية هذه المصدّات.

تعكس توقعات صندوق النقد الدولي لعام 2026 تفاوتاً حاداً في تداعيات الأزمة بين اقتصادات الخليج، إذ يرجح انكماش الناتج المحلي الإجمالي للسعودية بنسبة 3.3 بالمئة، والإمارات بنسبة 3.9 بالمئة، مقابل انكماش أكبر في الكويت بنسبة 16.7 بالمئة، وقطر بنسبة 15.6 بالمئة، والبحرين بنسبة 11.3 بالمئة، في حين يتوقع نمو الاقتصاد العُماني بنسبة 4.1 بالمئة.

ولا يعكس هذا التفاوت حجم الموارد المالية المتاحة لكل دولة فحسب، بل يتصل أيضاً بدرجة تعرضها لتعطل الصادرات، وقدرتها على استخدام طرق بديلة، وطبيعة بنيتها الإنتاجية، ومدى اعتماد نشاطها الاقتصادي على تدفق الطاقة والتجارة عبر الممرات المتضررة.

وفي هذا الإطار، رأى أزعور أن السعودية أظهرت قدرة على الصمود بفضل احتياطياتها واستثماراتها في البنية التحتية، التي أتاحت إعادة توجيه صادرات النفط خلال فترة قصيرة نسبياً.

ولهذا الدور أهمية إضافية في ظل توقعات صندوق النقد بأن ينمو الاقتصاد السعودي بنسبة 7.9 بالمئة في عام 2027، وفق ما أورده أزعور، إلا أن تحقيق تعاف قوي سيظل مرتبطاً باستعادة إنتاج الطاقة والتجارة لمسارهما الطبيعي، فالتوقعات الإيجابية للعام المقبل لا تعني بالضرورة تعويض جميع الخسائر، إذ أشار المسؤول في الصندوق إلى أن الناتج قد يبقى دون المسار الذي كان متوقعاً له على المدى المتوسط قبل اندلاع الصراع.

وفي المقابل، تواجه قطر والكويت ضغوطاً أكبر نتيجة تعطل صادراتهما، رغم امتلاكهما قدرات مالية تساعدهما على التكيف، ما يىعكس أهمية تنويع مسارات التصدير والحد من الاعتماد على الممرات المتضررة.

أما سلطنة عمان، فتستفيد من موقع موانئها الرئيسية، ولا سيما الدقم وصلالة خارج مضيق هرمز، وهو عامل يخفف تعرض صادراتها المباشر للاختناقات في هذا الممر، ويساعد على تفسير اختلاف توقعات أدائها الاقتصادي عن بقية دول الخليج.

وتواجه البحرين بدورها ضغوطاً مالية أكبر في ظل احتياطيات أقل من نظيراتها الخليجية، بحسب أزعور، الذي شدد على أهمية خفض العجز تدريجياً وإعادة بناء الاحتياطيات، ويبرز ذلك أن استمرار الإنفاق على احتواء تداعيات الصدمات، من دون تعزيز الإيرادات وضبط المالية العامة، قد يحد من قدرة الحكومات على الاستجابة لأزمات جديدة.

دعا أزعور دول مجلس التعاون الخليجي إلى تسريع التكامل الاقتصادي، وتعميق الأسواق المالية، وتطوير مشروعات مشتركة للبنية التحتية تشمل الموانئ والطرق والسكك الحديدية، كاشفاً عن دراسات مرتقبة لصندوق النقد الدولي لرصد أثر هذا التكامل على النمو.

وفي هذا السياق، أشار أزعور إلى أن الموانئ السعودية ساعدت دولاً خليجية واجهت صعوبات لوجستية خلال الأزمة، في مثال على أهمية التعاون الإقليمي، وفي المقابل، يعد العراق من أكثر الاقتصادات تأثراً بالأزمة، نتيجة اعتماده على صادرات النفط ومحدودية احتياطياته، ما دفع أزعور إلى الدعوة لوضع برنامج اقتصادي ومالي متكامل وتسريع الإصلاحات.

وتشير هذه المعطيات إلى أن تجاوز الصدمة النفطية يتطلب معالجة مواطن الضعف في الاقتصادات الخليجية وتعزيز ترابطها، إذ يمكن لتنويع مصادر الدخل وتوسيع مسارات التصدير وتعميق التعاون المالي واللوجستي أن تحد من آثار الاضطرابات المقبلة وتدعم التعافي على المدى الطويل، فيما يبقى استمرار الأزمة خطراً على النمو والاستقرار الاقتصادي إقليمياً وعالمياً.

أعلن في شمرا