في الأولويات: ماذا عن الخبز؟ ماذا عن الهوية البصرية؟

السؤال: ما الذي تحتاجه سوريا بعد تحريرها؟ الإجابة: كلّ شيء.. إجابة سريعة مختصرة، لكنّها واقعية، ومعبّرة، باعتبار ما تعيشه البلاد من أزمات لم تتسبّب بها ظروف السنوات الأربع عشرة التي سبقت التحرير وحدها، بل -معها، وقبلها- ظروف الاستبداد والفساد التي التهمت عقوداً من تاريخها.

و(كلّ شيء) تضعنا أمام الاقتصاد، والإعمار، والأمن، والجيش، والقوانين، والخدمات، والصحّة، والتعليم، والثقافة، والبنية الاجتماعيّة الممزّقة، والعزلة الدوليّة الخانقة، والبنى التحتيّة المنهارة، والمؤسّسات المعطّلة، والحياة السياسيّة المشلولة، والعدالة الانتقاليّة، ووحدة الأراضي.. وسائر ما يتّصل بعناصر نهوض الدول وعمرانها.

وهنا يكمن التحدّي.. ذلك أنّ (كلّ شيء) بقدر ما تبدو واقعيّة ومعبّرة، فإنّها بعموميّتها تفرغ الإجابة من فاعليّتها، وتحوّلها إلى صيغة لغويّة فضفاضة يراد منها التهرّب من التحديد الدقيق.

لا شكّ أنّ كلاً منّا واجه في تفاعله مع هذا الحدث أو ذاك أسئلة من نوع: هل هذا وقته؟ أو: ماذا عن هذا الملفّ، أليس هو الأولى بأن نحلّه قبل أن نلتفت إلى ذاك؟ أو: تضعون هويّة بصريّة جديدة، وتزيّنون الساحات، قبل أن تحلّوا مشكلة الخبز؟ أو تحلّون مشكلة الخبز، ولا تفكّرون في السعر؟ أو: لا نريد خبزاً، بل عملاً لنتمكّن من شراء الخبز.. أو: هنالك فرص عمل، لكن ماذا عن الأجور؟ ماذا عن سعر الصرف؟ ماذا عن العقوبات؟ ماذا عن هيبة الدولة؟ ماذا عن سيادة القانون؟ ماذا عن الديمقراطيّة؟ ماذا عن الحرّيّات؟ ماذا عن صورة الدولة أمام العالم؟

في بلد يواجه أزمات مركّبة تبدو عمليّة تحديد الأولويّات فخّاً يسهل الوقوع فيه، فالمريض يعتبر الصحّة أولويّة تسبق الثقافة، وربّ الأسرة يعتبر تعليم أولاده أولويّة تسبق مساعي رفع العقوبات. والتاجر يعتبر إصلاح القطاع المصرفيّ مقدّماً على مشاريع بناء الشقق لأنّ البناء يحتاج إلى حركة أموال آمنة. والسياسيّ بدوره يرى بناء المؤسّسات مقدّماً على أيّ شيء آخر، فالسياسة هي المفتاح..

والواقع أنّنا لا نستطيع أن نلوم أيّاً من هؤلاء، لا سيّما مع تشابك الأزمات، وتداخلها، وارتباط كلّ منها بالأخرى، بحيث يستحيل الفصل بينها.. ومع ذلك، فإدارة الدولة لا تعتمد على عواطف الفئات المتضرّرة وحدها، على أهمّيّة ذلك أخلاقيّاً وإنسانيّاً. إنّها تتطلّب شجاعة سياسيّة لاتّخاذ قرارات قد لا تكون شعبيّة على المدى القريب، لكنّها تشكّل الضمانة الوحيدة للتعافي المستدام.

جزء من الحلّ إذاً –في ظروف التحوّل والانتقال المعقّدة- يكمن في وجود إرادة سياسيّة قويّة، تتّخذ القرار بثقة، وتعمل على إنفاذه بوعي.. لكنّ ذلك لا يتمّ دون شروط. أوّل هذه الشروط أن يكون القرار مستنداً إلى رؤية استراتيجيّة شموليّة تتجاوز منطق المفاضلة بين الملفّات. 

فالرؤية المتكاملة الواضحة هي التي تدرك أنّ قطاعات الدولة ينفتح بعضها على بعض، ويغذّي بعضها بعضاً؛ فإعادة تأهيل مطار مثلاً ليست ترفاً معماريّاً يتقدّم على أزمة الخبز، بل هي شريان ينبغي أن يصمّم ليدخل الاستثمار، ويسهّل حركة التجارة، ويفتح الباب أمام عودة الرساميل والكفاءات التي ستساهم بدورها في حلّ أزمة الخبز ذاتها.

والنشاط الثقافيّ أو المبادرات ذات الطابع الجماليّ كتحسين مظهر الساحات، وإطلاق مهرجان شعريّ أو موسيقيّ، لن يكون هدراً للموارد إذا تحوّل إلى وسيلة للطمأنة، وترميم صورة البلد، وتعزيز إحساس المبدع، شاعراً أو فنّاناً أو مهندساً، بأنّ له مستقبلاً في بلده.

المحكّ هنا يكمن في السؤال الفاصل: هل هذه الخطوة أو تلك، مجرّد استعراض، أم أنّها حلقة في سلسلة واضحة المعالم من الإجراءات والمبادرات التي تحمل وعداً بثمار يمكن قطافها مستقبلاً؟

الشرط الآخر أنّ الشجاعة في اتّخاذ القرار لا تعني الاستعلاء على الشارع أو العودة لنهج الأوامر الفوقيّة؛ بل تتطلّب أعلى درجات المكاشفة والشفافية، وبناء عقد اجتماعيّ جديد، قوامه الثقة المكتسبة بين السلطة والمواطن. وهذه الثقة لا يرسّخها شيء مثل تعزيز دور المؤسّسات الوطنيّة: مجلس الشعب، والإدارة المحلّيّة، والقضاء، والإعلام، في التعامل مع هذه الملفّات المعقّدة. 

مسؤوليّة السلطة هنا أن تفسح لهذه المؤسّسات ما يكفي من المساحة كي تمارس دورها في أجواء من الحرّية والحماية. وبالمقابل فإنّ هذه المؤسّسات مطالبة بأداء مهامّها كجهات تضيء، وتنبّه، وتقدّم الخبرة، بالاستناد إلى بوصلة المصلحة الوطنيّة العليا، بعيداً عن دوّامة المناكفات وألاعيب تسجيل النقاط التي طالما أرهقت دولاً في مراحل انتقالها، ليكون القرار في النهاية حصيلة حوار وطنيّ واعٍ ومؤسّساتي، لا مجرّد استجابة لانفعالات عابرة.

موضوع الأولويّات أمر واقع، ويستحيل على أيّ طرف أن يتنازل عن حاجته، فالمريض بحاجة إلى علاج، والشابّ بحاجة إلى عمل، والأسرة بحاجة إلى بيت، والمسافر بحاجة إلى فندق، والكاتب بحاجة إلى مجلّة أو منبر، والمستثمر بحاجة إلى مطار وميناء وبنك، وكلّ هؤلاء بحاجة إلى أمن، وقضاء، وكهرباء.

لن يتنازل أيّ منّا عن أولويّاته، وليس مطلوباً منه أساساً أن يتنازل.. لكن من الضروريّ النظر إلى هذه الأولويّات على أنّها عناصر في مشروع متكامل، تتشابك فيه مسارات التعافي، ليخدم بعضها بعضاً. 

كلّ شيء.. نعم، هي فخّ لغويّ، لكنّها من زاوية معّينة تقدّم لنا دليل عمل قد يكون مفيداً: العلاج لن يكون بالقطعة. نصلح الكهرباء، ثمّ ننتقل إلى الخبز، ثمّ ننتقل إلى الثقافة، ثمّ ننتقل إلى الفنادق..لنفكّر في الأمر، وسنكتشف فعلاً أنّنا في حاجة إلى كلّ شيء.

أعلن في شمرا