دمشق-سانا
في إحياء لتجربة الفن الأدبي أو الفن المستوحى من الأدب، يقدم الفنان التشكيلي السوري خالد العطار في كتابه “مارا-صاد في غايل” تجربة بصرية تستند إلى مسرحية “مارا-صاد” للكاتب الألماني بيتر فايس، التي تتناول الصراع الفكري الفلسفي إبان الثورة الفرنسية بين طرفي التغيير السياسي الجماعي.
والكتاب، الذي جاء ضمن مشروع حصل عليه العطار في إطار برنامج المنح الإنتاجية الذي أطلقه المورد الثقافي، يصور صراعاً بين جان بول مارا الصحفي الثوري والأرستقراطي صاد الفوضوي، يبحث من خلاله عن دوافع النزاعات المستمرة وأثرها على مسار الشعوب.
ينطلق المشروع من المسرحية الأصلية التي تدور أحداثها في مصح عقلي، حيث يقدم نزلاء المصح عرضاً عن الصراع الفكري بين مارا الداعي إلى الثورة السياسية والاقتصادية، وصاد المنادي بالفردية المطلقة والتمرد على القيم السائدة.
ويقترح العطار جزيرة “غايل” وهو اسم لجزيرة خيالية فضاءً جديداً لهذا الصراع، وهي في تصور المشروع جزيرة كانت معتقلاً ومصحاً ثم تُركت للنزلاء بعد إخلائها من الحراس والموظفين، لتتحول إلى صورة رمزية لعالم فقد السيطرة على مساره، وأصبح الصراع فيه قابلاً لإعادة إنتاج نفسه بأشكال مختلفة.
يقوم المشروع على إعادة تصوير أحداث مسرحية فايس، ثم ينقل أسئلتها إلى فضاء أوسع يتعلق بعلاقة الإنسان بالقوة والسلطة والجماعة، ومن خلال تعدد الشخصيات والجيشين وتداخل الرموز، تتجاور في الكتاب ثيمات الحرب، والعبودية الفكرية، والولاء، والاستغلال، والسلطة، لتتحول اللوحة إلى مساحة للتأمل في الإنسان الذي يجد نفسه جزءاً من صراع قد لا يعرف نهايته أو غايته.
وقال الفنان خالد العطار في تصريح لـ”سانا”: إن مارا-صاد في غايل يمثل محاولة لتحويل النص المسرحي إلى تجربة بصرية مستقلة، تقوم على توسيع أسئلته من فضاء المصح الذي تدور فيه المسرحية إلى فضاء رمزي أوسع هو جزيرة غايل، بحيث يصبح الصراع نموذجاً لعالم يبدو كأنه يعيش حالة من الجنون الجماعي.
وأوضح أن العمل يتوقف عند “سطوة القوة وجحيم الحرب وعبودية الولاء الأعمى”، ويحاول مساءلة اللحظة التي تتحول فيها الأفكار والشعارات إلى أدوات لتكريس الصراع بدلاً من الوصول إلى تغيير حقيقي، لافتاً إلى أن الكتاب يفتح أسئلة حول الإنسان وموقفه من السلطة والجماعة والحرب.
وأضاف العطار أن اختياره صيغة الكتاب الفني أتاح له الجمع بين اللوحة والنص، وإعادة بناء العمل المسرحي بلغة بصرية يمكن للمتلقي أن يتعامل معها بوصفها عملاً فنياً مستقلاً، مع الاحتفاظ بالأسئلة الفكرية التي انطلق منها.
ولد الفنان والرسام السوري خالد العطار عام 1991، وبدأ مسيرته من الكاريكاتير السياسي قبل أن يتحول مع انطلاق الثورة السورية عام 2011 إلى الأعمال التعبيرية، الجداريات، والمشاريع المفاهيمية؛ مواصلاً تجربته خلال سنوات اغترابه في إسطنبول عبر معارض فردية ودولية بارزة، وتتوجت رحلته بافتتاح معرضه الفردي “أحد عشر عاماً” في 20 أيلول 2026 بمرسم الفنان الراحل فاتح المدرس بدمشق، والذي أشرف العطار على إعادة تأهيله ليصبح فضاءً ثقافياً وبحثياً متكاملاً، إلى جانب مشاركته الفاعلة في مشروع “ترميم الذاكرة التشكيلية السورية”.