سجناء رومية.. تعليق العفو يفتح فصلاً جديداً في مأساتهم

سبعة سجناء توفوا في السجون اللبنانية منذ إقرار قانون العفو العام في 12 آب الماضي، وأكثر من 50 سجيناً دخلوا في مرحلة صحية حرجة، فيما يواصل نحو 530 سجيناً إضرابهم عن الطعام والدواء، وخلف هذه الأرقام هناك أشخاص ينتظرون محاكمة أو إفراجاً أو علاجاً.

كان قانون العفو قد فتح باب الأمل لآلاف السجناء بينهم سوريون موقوفون منذ سنوات دون محاكمة، ثم جاء الطعن الذي تقدم به جبران باسيل فتوقف تنفيذ القانون بقرار من المجلس الدستوري إلى حين البت فيه.

السؤال اليوم يتعلق بالسجناء الذين لا يقوون على الانتظار، فبعضهم أمضى سنوات خلف القضبان من دون محاكمة وبعضهم يواجه المرض، وآخرون وصلوا إلى الموت، فإلى متى يبقى مصير هؤلاء معلقاً؟

المشكلة داخل سجن رومية وغيره من السجون اللبنانية أقدم من قانون العفو، والقانون جاء وسط أزمة تتفاقم منذ سنوات: الاكتظاظ وسوء الرعاية الطبية وطول فترات التوقيف تركت مئات السجناء في ظروف قاسية، إن بعض الموقوفين أمضوا سنوات من دون محاكمة وبعضهم لم يحصلوا على الرعاية الصحية التي تحتاجها حالاتهم.

ومنذ 12 آب تتحدث لجنة أهالي السجناء عن 7 وفيات في سجون رومية وزحلة وحلبا بينها حالات لأشخاص كانوا يعانون أمراضاً مزمنة أو خطيرة وآخرون أمضوا سنوات طويلة في التوقيف ولم تتحكم محاكمتهم بعد.

في رومية، وصلت الأزمة إلى إضراب مفتوح عن الطعام والدواء مع عشرات الحالات الصحية التي وصفت بالحرجة وظهرت تحذيرات من انتشار أمراض معدية داخل السجن بينها الاشتباه بحالات سل. هذه الوقائع تضع السلطات اللبنانية أمام سؤال محرج.. كيف يمكن أن يبقى السجين سنوات خلف القضبان من دون محاكمة ثم ينتظر بعدها قانوناً أقره البرلمان حتى يبدأ طريقه إلى الحرية؟

قانون العفو جاء في وقت تعاني فيه السجون اللبنانية من اكتظاظ شديد ومن وجود أعداد كبيرة من الموقوفين الذين طال انتظارهم للمحاكمة. القانون الذي أقره مجلس النواب في الثاني عشر من آب 2026 شمل فئات محددة من المحكومين والموقوفين ووضع استثناءات لجرائم معينة. بالنسبة إلى من تنطبق عليهم شروطه، كان يعني فرصة للخروج من السجن وإنهاء سنوات من الانتظار كما كان يمكن أن يخفف الضغط عن السجون التي لم تعد قادرة على استيعاب أعداد نزلائها

تكتل لبنان القوي بزعامة جبران باسيل تقدم بالطعن أمام المجلس الدستوري، وقال باسيل: إن اعتراضه يتعلق بالعدالة وحقوق الضحايا وشمول القانون موقوفين إسلاميين لم تصدر بحقهم أحكام. وبناء على الطعن، قرر المجلس الدستوري تعليق تنفيذ القانون مؤقتاً إلى حين البت فيه.

وفي توقيت الطعن بعد سياسي لا يمكن تجاهله، فالقانون كان قد مر وسط خلافات سياسية وطائفية واضحة وكان باسيل وتكتله من القوى التي لم تشارك في التصويت عليه، ثم جاء الطعن ليعيد باسيل إلى واجهة هذا الملف ويمنحه مساحة جديدة في المشهد السياسي اللبناني.

من بين المستفيدين المحتملين من القانون موقوفون سوريون أمضى بعضهم سنوات في السجون اللبنانية وسط مطالبات من عائلاتهم بإنهاء ملفهم وإعادتهم إلى بلدهم. لذلك لم يكن العفو بالنسبة إلى هؤلاء مادة قانونية جديدة فحسب، فقد ارتبط بمصير أشخاص ينتظرون منذ سنوات فرصة للعودة إلى حياتهم وعائلاتهم.

وبحسب لجنة أهالي السجناء، هناك نحو ألفي سوري لا يزالون محتجزين في السجون اللبنانية، معظمهم موقوفون منذ سنوات من دون محاكمة، في الوقت نفسه لا يمكن أن يبقى ملف الموقوفين السوريين خارج مسؤولية الحكومة السورية.

الحكومة اللبنانية بدأت هذا العام مساراً مختلفاً مع سوريا، فنُقلت دفعتان من المحكومين السوريين إلى بلادهم في آذار وحزيران لاستكمال تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم. وبحسب الاتفاقية، كان هؤلاء قد صدرت بحقهم أحكام نهائية في لبنان ولذلك انتقلوا إلى سوريا لاستكمال العقوبات نفسها.

لكن الاتفاق لم يشمل الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام، ولذلك يبقى قانون العفو واحداً من الأبواب التي يمكن أن تفتح حلاً لجزء من هذا الملف. الحكومة السورية تستطيع أن تضع هذا الموضوع على طاولة التواصل مع بيروت وأن تطلب المضي في تنفيذ القانون بالنسبة إلى من تنطبق عليهم شروطه، فمئات السوريين يمكن أن يتغير مصيرهم إذا فُتح هذا الباب.

المشكلة أن نقل المحكومين إلى سوريا لم يفتح حتى الآن باب مراجعة للأحكام التي صدرت بحقهم في لبنان. عائلات عدد من المنقولين تقول: إن محاكمتهم كانت مسيّسة وجائرة، وإن أبناءها وجدوا أنفسهم في سجن آخر (في وطنهم) يطبق عليهم الأحكام نفسها.

المؤلم أن الذين نُقلوا إلى سجن عدرا لم تنتهِ معاناتهم عند مغادرة رومية. عائلاتهم تتحدث عن ظروف احتجاز صعبة وعن تراجع في بعض الحقوق التي كانوا يحصلون عليها في رومية، منها التواصل مع الأهل الذي كان متاحاً بشكل مستمر، حيث أصبح في عدرا محدوداً بدقائق قليلة أسبوعياً، والزيارات تجري من خلف الشباك، ما يحرم الأمهات من احتضان أبنائهن بعد سنوات من الغياب.

لذلك من الضروري أن تتابع الحكومة السورية أوضاع هؤلاء وأن تبحث نقلهم إلى سجن آخر أو تراعي أوضاعهم كسجناء منقولين تمّت محاكمتهم خارج القضاء السوري. المطلوب الآن أن تعمل الحكومة السورية على هذا الملف مع الحكومة اللبنانية وألا يبقى قانون العفو معلقاً بينما تستمر معاناة السجناء.

الموقوفون في سجن رومية وغيره اليوم ينتظرون قراراً ينهي سنوات من الانتظار،وبينهم سوريون ينتظرون من حكومتي بيروت ودمشق أن تتعاملا مع ملفهم كقضية إنسانية وقانونية لا كورقة في الخلافات أو المفاوضات السياسية.

أعلن في شمرا