إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق

هناك من يرى أن الحفاظ على القيم الاجتماعية والدينية يقتضي ضبط طبيعة الفعاليات، وهناك من يرى أن الفن والترفيه جزء من الحياة المدنية، وأن الاختلاف حولهما يجب أن يحسم عبر القانون لا عبر الضغط.

لم تعد الحفلات الفنية في العراق مجرد مواعيد للغناء والترفيه. ففي كل مرة يعلن فيها عن فعالية جديدة، يظهر إلى جانب الجمهور المنتظر فريق آخر يطرح أسئلة تتعلق بالقيم الاجتماعية والدينية وحدود الفن في الفضاء العام، لتنتهي بعض الوقائع بالتأجيل أو الإلغاء، بينما تستمر أخرى على رغم الاعتراضات.

آخر فصول هذا الجدل جاء من البصرة، حيث ألغت شركة we events حفل "رحلة نجوم الطفولة" لفرقة الفنان طارق العربي مع فرقة شباب المستقبل، بعد أن كان مقرراً إقامته في ملعب نادي الميناء، ثم تأجل قبل أن يلغى نهائياً.

الشركة المنظمة اكتفت بالقول إن "ظروفاً خارجة عن إرادتها" حالت دون إقامة الحفل، واعتذرت للجمهور وتعهدت إعادة مبالغ التذاكر، فيما ربطت التغطيات المحلية الإلغاء باعتراضات من جهات دينية ومحلية.

المفارقة أن الحفل لم يكن جديداً على البصرة ولا على جمهورها. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أحيت الفرقة نفسها حفلاً في المدينة، شهد إقبالاً واسعاً ونفاداً سريعاً للتذاكر، حتى جرى تمديد الفعالية إلى يوم إضافي.

كان الجمهور يومها يستعيد أغاني "المحقق كونان" و"دراغون بول" و"ريمي" و"أنا وأخي"، في مشهد أعاد جيلاً كاملاً إلى طفولته.

لكن عودة الفرقة إلى البصرة بعد أقل من عام اصطدمت هذه المرة بالاعتراضات، وانتهت الفعالية قبل أن تبدأ.

قصة سبيستون تختصر جانباً من الإشكالية التي تواجهها الفعاليات الفنية في العراق.

فالحفل، من حيث مضمونه، يقوم على أغاني الرسوم المتحركة وذاكرة الطفولة، وليس على محتوى جديد أو مثير للجدل بالمعنى التقليدي. ومع ذلك، فإن طبيعة الفعالية لم تمنع دخولها في نقاش أوسع يتعلق بمفهوم الحفلات الفنية وحدودها في المدن العراقية.

وهنا تظهر مفارقة أخرى، وجود جمهور مستعد لدفع ثمن التذكرة والحضور، في مقابل جهات ترى أن بعض الفعاليات لا تنسجم مع القيم الاجتماعية أو الدينية.

وبين الطرفين تتحرك الشركات المنظمة والسلطات المحلية، التي تجد نفسها أمام مسؤولية تنظيم الفعاليات من جهة، والتعامل مع الاعتراضات عليها من جهة أخرى.

لكن قراءة هذا الملف تحتاج إلى التمييز بين أنواع مختلفة من الإلغاء.

فالحفلات التي أوقفت أو ألغيت بعد اعتراضات دينية أو اجتماعية لا يمكن وضعها في الخانة نفسها مع الفعاليات التي ألغيت لأسباب تنظيمية أو لوجستية.

ومن الأمثلة التي ظهرت خلال 2026 حفل الفنان ويجز في بغداد، الذي ارتبط إلغاؤه بتحديات تنظيمية ولوجستية، وفق ما أوردته التغطيات.

وهذا التفريق ضروري حتى لا يتحول كل إلغاء لحفل إلى دليل تلقائي على وجود اعتراضات دينية، في حين أن لكل واقعة أسبابها وظروفها الخاصة.

في أكتوبر 2021، واجهت بعض الفعاليات الغنائية ضمن مهرجان بابل الدولي اعتراضات، لكن الواقعة تعلقت بجزء من البرنامج ولم يكن من الدقة القول إن مهرجان بابل ألغي بالكامل.

وبعدها بفترة قصيرة، أصبحت مدينة "سندباد لاند" في بغداد محوراً لجدل آخر، بعد حفلات استضافت أسماء عربية معروفة، وسط حديث آنذاك عن ضغوط وتهديدات أدت إلى وقف بعض الفعاليات أو تأجيلها.

وفي يونيو (حزيران) 2022، ألغي حفل سعد لمجرد في "سندباد لاند" بعد تجمع معارضين للفعالية، بينهم رجال دين، فيما تحدثت الشركة المنظمة لاحقاً عن تهديدات بإحراق المدينة الترفيهية.

المشهد ذاته، وإن اختلفت التفاصيل، يعاد اليوم في البصرة.

في الجهة المقابلة، هناك جمهور لا يرى في هذه الفعاليات تهديداً للهوية الاجتماعية، بل مساحة طبيعية للترفيه والفن.

هذا الجمهور ظهر بوضوح في حفلات سابقة، ومنها حفل سبيستون في البصرة عام 2025، حيث نفدت التذاكر وامتلأ المكان بجمهور شاب استعاد ذكريات طفولته.

وفي بغداد، ظهر أيضاً خطاب اجتماعي يدافع عن استمرار الحفلات، وبرز عام 2021 وسم "بغداد مدنية" في سياق الجدل الذي رافق إيقاف بعض الفعاليات.

وهذا يعني أن المجتمع العراقي نفسه ليس كتلة واحدة في موقفه من الحفلات.

هناك من يرى أن الحفاظ على القيم الاجتماعية والدينية يقتضي ضبط طبيعة الفعاليات، وهناك من يرى أن الفن والترفيه جزء من الحياة المدنية، وأن الاختلاف حولهما يجب أن يحسم عبر القانون لا عبر الضغط.

إذا كانت البصرة قد قدمت أحدث حلقات هذا الجدل، فإن الأنظار تتجه الآن إلى بابل مع التحضير للدورة الـ13 من مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية.

رئيس المهرجان الشاعر علي الشلاه يقدم الدورة المقبلة كونها امتداداً لمشروع ثقافي يريد أن يجعل من بابل مساحة للقاء الثقافات.

ويقول إن شعار الدورة "كلنا بابليون" يعبر عن رؤية تعد بابل جزءاً من الذاكرة الإنسانية، وليست ملكاً لمدينة أو بلد وحده.

كذلك يؤكد أن اختيار المشاركين يستند إلى قيمة المنجز الثقافي والفني، مع مراعاة التنوع بين الأسماء الكبيرة والتجارب الجديدة والمشاركات الدولية.

الشلاه يرى أن المهرجان تحول إلى رقم حاضر في المشهد الثقافي العربي والعالمي، ويشير إلى إشادات وجوائز وتكريمات قال إنها عززت حضوره.

لكن هذه الدورة تأتي في بيئة عراقية أعاد فيها إلغاء حفلات البصرة النقاش حول حدود الفعاليات الفنية إلى الواجهة.

الرؤية التي يقدمها الشلاه تنطلق من عد الثقافة مساحة جامعة.

فشعار "كلنا بابليون" لا يتحدث فقط عن موقع أثري أو مهرجان سنوي، وإنما عن تحويل بابل إلى نقطة لقاء بين ثقافات مختلفة.

ومن هذا المنظور، يصبح المهرجان وسيلة لتقديم العراق من خلال الثقافة، وإظهار قدرته على استضافة فنانين ومثقفين من خلفيات مختلفة.

لكن نجاح هذا التصور لا يعتمد على البرنامج وحده، بل أيضاً على قدرة إدارة المهرجان والسلطات المحلية على بناء علاقة واضحة مع المجتمع، وتحديد قواعد الفعاليات وآليات الاعتراض عليها.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذا السياق، يكشف الباحث في الشأن العراقي، علي اللامي، أنه يمكن قراءة موقف رئيس مهرجان بابل علي الشلاه على أنه نموذج يرى أن الاختلاف الثقافي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة.

وبحسب اللامي، فالمهرجان، وفق هذا التصور، لا يحاول إلغاء خصوصية المجتمع، وإنما تقديم الثقافة على أنها مساحة يمكن أن يلتقي فيها المختلفون.

ويتابع، وهذا يطرح سؤالاً أوسع حول قدرة الفعاليات الثقافية العراقية على تقديم نفسها كونها مشاريع ثقافية، لا مجرد حفلات ترفيهية، خصوصاً عندما تقام في مواقع ذات رمزية تاريخية مثل بابل.

في المقابل، يرى اللامي أنه يمكن قراءة تكرار الإلغاءات من زاوية مختلفة، فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود اعتراضات، وإنما في غياب قواعد مستقرة وواضحة يعرفها المنظم والجمهور والجهات المعترضة مسبقاً.

ويضيف، عندما تكون المعايير واضحة، يصبح بإمكان الجهة المنظمة معرفة ما يمكن إقامته وما لا يمكن إقامته، كذلك يصبح بإمكان المعترض استخدام الوسائل القانونية للاحتجاج.

أما عندما تتحول كل فعالية إلى حالة منفصلة، ويصبح مصيرها مرتبطاً بحجم الاعتراضات التي تواجهها، فإن حالة عدم اليقين ستبقى قائمة، بحسب اللامي.

الجدل العراقي حول الحفلات لا يمكن اختزاله في مواجهة بين "الفن" و"الدين"، فهناك مساحة أوسع تتعلق بالقانون والسلطة المحلية والمجتمع.

الاعتراض على فعالية يمكن أن يكون جزءاً من النقاش العام، كذلك فإن إقامة الفعاليات تخضع للقوانين والاشتراطات التنظيمية والأمنية.

لكن النقطة الحاسمة هي أن تكون المعايير معلنة وتطبق على الجميع، فإذا كانت فعالية مخالفة للقانون، يجب أن يكون سبب المنع واضحاً ومحدداً.

وإذا كانت مستوفية للشروط القانونية، فإن الاعتراض عليها ينبغي أن يسلك القنوات القانونية والمؤسساتية.

وبهذه الطريقة يمكن إدارة الاختلاف من دون تحويل كل حفلة إلى اختبار للقوة بين أطراف المجتمع.

في الوقت الذي أثارت بعض الفعاليات العراقية اعتراضات وإلغاءات، شهدت دمشق خلال الفترة نفسها حفلات لفنانين عرب، بينهم مروان خوري وأصالة نصري.

المقارنة لا تعني أن السياقين السياسي والاجتماعي متطابقان، ولا أن تجربة مدينة يمكن نقلها ببساطة إلى أخرى.

لكنها تفتح باباً للنقاش حول كيفية تعامل المدن العربية المختلفة مع الفعاليات الفنية في بيئات اجتماعية محافظة ومتعددة الاتجاهات.

مع اقتراب الدورة الـ13 من مهرجان بابل، سيكون حجم التحدي أكبر من حفل غنائي منفرد.

المهرجان يقدم نفسه بوصفه مشروعاً ثقافياً دولياً، فيما تعيش محافظة بابل، مثل بقية المحافظات العراقية، نقاشاً مستمراً حول حدود الفعاليات الفنية وطبيعة الحضور الجماهيري فيها.

وسيكون التعامل مع هذا الملف مؤشراً إلى الطريقة التي يمكن أن تتطور بها الفعاليات الثقافية في العراق مستقبلاً.

فإذا استطاعت الجهات المنظمة والمحلية وضع قواعد واضحة وإدارة الاعتراضات ضمن المؤسسات والقانون، يمكن أن يتحول الاختلاف إلى جزء طبيعي من الحياة الثقافية.

أما استمرار ترك مصير الفعاليات لكل حالة على حدة، فقد يبقي الحفلات والمهرجانات في دائرة الجدل نفسها.

في النهاية، لا تبدو قصة "سبيستون" مجرد حكاية عن حفل ألغي في البصرة.

هي حلقة جديدة في نقاش أقدم حول شكل الحياة الثقافية والترفيهية في العراق، وحول العلاقة بين جمهور يريد أن يستمع إلى الموسيقى ويستعيد ذكريات طفولته، وجهات ترى أن للفضاء العام حدوداً ينبغي الحفاظ عليها.

ومن البصرة إلى بغداد ثم بابل، يتكرر المشهد بأسماء مختلفة ونتائج مختلفة.

لكن ما يجمع هذه الحالات هو سؤال واحد عن إدارة الاختلاف، هل يستطيع العراق أن يوسع مساحة الفنون والثقافة، مع احترام خصوصية مجتمعه، من خلال قواعد قانونية واضحة تنظم العلاقة بين الجمهور والمنظم والجهات المعترضة؟

ذلك ربما هو الاختبار الحقيقي المقبل، ليس فقط لمهرجان بابل، وإنما لمستقبل الفعاليات الفنية والثقافية في العراق كله.

إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
إلغاء حفل "سبيستون" يعيد الجدل حول الحفلات في العراق
أعلن في شمرا