قد يجتمع في الإنسان أن يكون ثقة وكفؤا في آنٍ معا، وقد يكون ثقة دون أن يكون كفؤا، أو كفؤا دون أن يكون ثقة. والأصل في إدارة الشأن العام أن يُحرص على الجمع بين الصفتين؛ فالثقة بلا كفاءة تفضي إلى سوء الإدارة، والكفاءة بلا أمانة تتحول إلى أداة للإفساد واستغلال النفوذ. أما حين يُكلَّف غير الثقة وغير الكفؤ بمسؤولية عامة؛ فإننا نفتح بابا للفساد، ونعرّض مصالح الناس لما كان يمكن تجنبه بحسن الاختيار.
لا يتحمل من لا تتوافر فيه شروط المسؤولية العامة وحده تبعات الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها، بل تمتد المسؤولية إلى من اختاره ومكّنه ووضع بين يديه صلاحيات لم يكن جديرا بها. وإذا كثر هؤلاء في مؤسسات الدولة؛ فإن الأمر لا يمكن عده أخطاء فردية، بل يصبح مؤشرا على خلل في معايير التعيين وآليات الاختيار. وحينها تتآكل ثقة الناس بالدولة، إما لأنها تعمدت اختيار أشخاص لا يستحقون مواقعهم، وإما لأنها أخفقت في التمييز بين من يملك شروط المسؤولية ومن لا يملكها. وفي الحالتين فإن ذلك مؤشر على رداءة السياسات التي أوصلتهم إلى مواقعهم.
إدارة الشأن العام أمانة ثقيلة، ولذلك فإن حسن الاختيار -على أهميته- لا يعفي الدولة، بل والمجتمع أيضا من واجب الرقابة والمتابعة. فالإنسان وإن كان مؤهلا وموثوقا؛ لكنه ليس معصوما، ولا يمتلك ضمانة مطلقة ضد الضعف أو الانحراف. فقد تضعف النفوس أمام إغراء مادي أو معنوي، فيقدم المرء على ما لم يكن يُظن أنه يمكن أن يقوم به، أو يتجاوز حدود الأمانة التي عُهد إليه حفظها. وقد تتخذ التجاوزات صورا متعددة، من الاعتداء على المال العام إلى استغلال الموقع الوظيفي وتمرير الصفقات المشبوهة وتقديم المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
ليس المقصود هنا الدعوة إلى جعل الشك هو الذي يحكم العلاقة بين الدولة والعاملين فيها، أو أن يُعامل كل مسؤول معاملة المتهم، فالثقة هي تحد من عيوب المركزية الشديدة، فتسمح بتفويض الصلاحيات، غير أن الثقة شيء وترك المسؤول بلا رقابة شيء آخر.
في القول المشهور “لا تؤمن فتنة على حي” دلالة على أن استقامة الإنسان لا تمنحه حصانة أبدية من الزلل. فالعبرة في المسؤولية العامة لا تقتصر على النيات والسيرة السابقة، بل تشمل أيضا ما ينجزه المسؤول، وكيف يمارس صلاحياته، وما إذا كان قد صان الأمانة التي وُضعت بين يديه، فهو في النهاية يتولى أمانة تتصل بحقوق الناس وأموالهم ومصالحهم، وقد منحته وظيفته صلاحيات يمكن أن يساء استخدامها، ولذلك لا بد من ضوابط تحول دون أن تصبح الثقة الشخصية بديلا عن التحقق من سلامة الأداء.
كما أن تقصير المسؤول عن متابعة ما تحت يديه لا يقل خطورة عن ارتكاب الخطأ بيديه. فلا يكفي أن يكون المسؤول فاضلا ذا نية حسنة؛ فإذا كان نزيها لكنه ضعيف الإدارة لا يحسن المتابعة ولا يكتشف التجاوزات ولا يستطيع ضبط من يعملون تحت إمرته؛ فإن حسن نيته لا يعفيه من مسؤولية التقصير. ومن الأمانة تجاه المجتمع ألا توضع بين يديه حقوق لا يملك القدرة على صونها.
ليس الهدف من الرقابة التضييق على المسؤول أو تعطيل عمله، وإنما حماية المؤسسة من الأخطاء والتجاوزات، وضمان ألا تتحول السلطة الممنوحة لإنجاز المصلحة العامة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.
الثقة والكفاءة والرقابة عناصر متكاملة لا متعارضة، فاختيار الأكفاء الثقات ضرورة، لكن لا يكفي أن نحسن اختيار الأشخاص ما لم نحسن بناء الأنظمة التي تضبط أداءهم، لذلك كلّفوا الأكفاء وراقبوهم، فالأمانة العامة تقوم بها الكفاءة وتصونها الرقابة.
في الختام يحسن استحضار توجيه النبي ﷺ لأبي ذر رضي الله عنه حين سأله أن يستعمله، فقال له: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها» وليس المقصود بالضعف هنا انتقاص أبي ذر رضي الله عنه، وإنما عدم ملاءمته لطبيعة الولاية التي طلبها، وفي ذلك تأكيد أن تولّي المسؤولية ليس امتيازا يُطلب لذاته، بل أمانة تقتضي أهلية للقيام بها، واستعدادا لتحمّل تبعاتها، وأداء للحقوق والواجبات المترتبة عليها.