ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟

تراجعت الثقة بالعلم عالمياً إلى 72 في المئة عام 2025 بعدما بلغت 80 في المئة خلال جائحة كورونا، وكانت أقل بين من يعانون ضغوطاً مالية أو يفتقرون إلى الثقة بأنظمة الرعاية الصحية. وفي أفريقيا جنوب الصحراء، تتداخل أزمات الخدمات الصحية وتراجع المساعدات والمعلومات المضللة والشعور بعدم الاستفادة من البحوث في إضعاف الثقة بالعلم، مما يعقّد تنفيذ البرامج الصحية ومواجهة الأوبئة.

خلص تقرير جديد إلى أن الثقة بالعلم، على مستوى العالم، تراجعت عما كانت عليه قبل جائحة "كوفيد-19".

وقد شمل الاستطلاع الذي أجري ضمن الموجة الثالثة من "مؤشر ويلكوم العالمي"  Wellcome Global Monitor أكثر من 140 ألف شخص في 140 دولة، علماً أنه أضخم دراسة عالمية تتناول آراء الناس ومواقفهم ومشاعرهم تجاه العلم.

وبلغت نسبة الأشخاص الذين أبدوا قدراً من الثقة في العلم 77 في المئة عام 2018، ثم ارتفعت إلى 80 في المئة عام 2020، قبل أن تنخفض إلى 72 في المئة عام 2025.

كما تبين أن الأشخاص الذين يعانون أوضاعاً مالية صعبة، أو الذين لديهم ثقة أقل في أنظمة الرعاية الصحية في بلدانهم، كانوا أقل ميلاً للإعراب عن ثقتهم في العلم.

وأفاد 21 في المئة فقط من المشاركين في الاستطلاع في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بأنهم يثقون "بشدة" في العلم، مقارنة بـ 54 في المئة في أوروبا الغربية، ويرى الخبراء أن انخفاض مستويات الثقة من المرجح أن يؤثر في آلية عمل البرامج الصحية.

من بين هؤلاء جون-أرنه روتينغن، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "ويلكوم"، إذ قال إن "ثقة الجمهور تحدد ما إذا كانت التطورات العلمية قادرة على إحداث فرق ملموس في حياة الناس. وإذ يواجه العالم تحديات متزايدة، من الأمراض المعدية إلى تغير المناخ ومشكلات الصحة النفسية والعقلية، يمتلك العلم القدرة على رسم ملامح مستقبل أكثر صحة، ولكن ذلك لن يتحقق إلا إذا وثق الناس بأنه قوة تسهم في تحقيق الخير".

وعلى رغم ارتفاع الثقة بالعلم عالمياً خلال جائحة "كوفيد- 19"، شهدت مستويات الثقة تراجعاً مطرداً على امتداد جولات الاستطلاع الثلاث في أفريقيا جنوب الصحراء، وآسيا الوسطى، وغرب آسيا.

وفي حين عكس هذا الاتجاه في آسيا الوسطى ميلاً تدريجياً إلى مواقف أقل تشدداً، إذ انتقل عدد أكبر من الأشخاص من الثقة "الكبيرة" بالعلم إلى "بعض" الثقة به، بدا أن المواقف في المنطقتين الأخريين تزداد تشدداً، مع ارتفاع نسبة من قالوا إنهم لا يثقون بالعلم "إلا قليلاً" أو لا يثقون به "إطلاقاً".

وعلى رغم بعض الاختلاف بين البلدان في آراء المستجيبين، فإن نسبة من رأوا أن العلم يعود بالنفع على "معظم" الناس في أفريقيا جنوب الصحراء لم تتجاوز 28 في المئة إجمالاً.

وقالت الدكتورة أنيسة أحمد، رئيسة البرامج في منظمة "أمريف هيلث أفريكا" Amref Health Africa غير الحكومية المعنية بالصحة، إن "السكان في أنحاء أفريقيا واجهوا خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الصدمات الكبرى والتحديات، من ارتفاع تكاليف المعيشة وانعدام الأمن الاقتصادي، إلى الآثار المستمرة لجائحة "كوفيد- 19"، وتزايد الضغوط على الأنظمة الصحية، وتفشي الأمراض بصورة متكررة، بما فيها جدري القردة (إمبوكس) وفيروس ماربورغ و"إيبولا"، فضلاً عن النزاعات والنزوح، والتأثيرات المتزايدة التي لتغير المناخ على الصحة".

"إذا كانت الأسر تعاني ضائقة مالية، أو كانت العيادات تفتقر إلى الأدوية أو الكوادر، أو شعرت المجتمعات المحلية بأنها مستبعدة من المشاركة في صنع القرار، فقد تتأثر الثقة بالعلم سلباً"، أضافت د. أحمد.

ولكن الثقة "أساسية" لبرامج الصحة، كما قالت د. أحمد، مضيفة: "ربما لا يتعرف أفراد المجتمعات المحلية إلى العلم إلا من طريق تجارب عملية، من قبيل حملات التطعيم، أو عيادات مجتمعية تقدم خدمات الرعاية الصحية للأمهات، أو زيارات يقوم بها عاملون صحيون محليون إلى منازل السكان. فإذا كانت ثقة الناس بالمؤسسات التي تقدم هذه الخدمات ضعيفة، أو لم يشعروا بأن البرامج تراعي أولوياتهم وظروفهم الفعلية، غدا تنفيذها أصعب بأشواط".

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويأتي صدور التقرير في وقت ما زالت الأنظمة الصحية في بلدان أفريقية عدة ترزح تحت وطأة تداعيات خفض المساعدات من دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، اللتين كانتا تاريخياً من كبرى الجهات المانحة.

وأضافت د. أحمد أن ضعف الثقة أسهم أيضاً في انتشار المعلومات المضللة، "لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي".

في الواقع، كثيراً ما حذرت السلطات الصحية التي تعكف على احتواء تفشي "إيبولا" في جمهورية الكونغو الديمقراطية من أن انعدام الثقة والمعلومات المضللة في المجتمعات المحلية يعوقان جهود التصدي للمرض. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، أفاد 22 في المئة من المستجيبين بأنهم "لا يثقون إطلاقاً" بالعلم.

أما الدكتورة إيفلين غيتاو، كبيرة المسؤولين العلميين في مؤسسة "ساينس فور أفريكا" Science for Africa Foundation والعضو في اللجنة التوجيهية الخاصة بالتقرير، فقالت إن ضعف توافر الفحوص المخبرية في المراحل الأولى من تفشي "إيبولا" في جمهورية الكونغو الديمقراطية كان وراء انعدام الثقة هذا. وأضافت: "لم تكن التدخلات التي قلنا إنها ستنجح متاحة بسهولة"، لذلك، وعلى رغم أن "الناس كانوا يعرفون ما ينبغي لهم فعله، فإنهم رفضوا ذلك لشعورهم بأن الأمور تستغرق وقتاً أطول مما ينبغي".

كذلك أشارت د. غيتاو إلى وجود مشكلات أوسع نطاقاً، إذ لا يشعر الناس في أفريقيا بأنهم يجنون ثمار البحوث، حتى في المجتمعات التي شاركت في برامج عدة على مدى عقود من الزمن.

وأضافت د. غيتاو: "تتشكل الثقة بالعلم من التجارب التي يعيشها الناس، بما في ذلك مدى قدرتهم على الوصول إلى الأنظمة والمعارف التي ينتجها العلم والاستفادة منها. وفي أفريقيا، يقتضي ذلك التساؤل عن مصدر البحوث، ومن يقودها ويمولها، وما إذا كانت للمجتمعات المحلية والمؤسسات ملكية في نتائجها وتستفيد منها".

والحال أن "بحوثاً كثيرة، لا سيما الصحية منها، وجدت طريقها إلى أفريقيا، ولكنها جاءت في الغالب من منظور الشمال إلى الجنوب، لذا فهي بحوث من أجل المشاركين، لا بالتعاون معهم"، تابعت د. غيتاو.

وكون معظم المشاريع البحثية العلمية كانت تركز على الصحة يعني أنه "إذا كانت أنظمتنا الصحية ضعيفة، فسيربط الناس ذلك بفكرة أن العلم لا يعود عليهم بالنفع. إنها الحقيقة، فكثير من أنظمتنا الصحية تواجه صعوبات جمة"، ختمت د. غيتاو.

نشرت هذه المادة في إطار مشروع "إعادة التفكير في المساعدات العالمية" الذي أطلقته "اندبندنت".

© The Independent

ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
ما الذي بدد ثقة العالم بالعلم بعد جائحة "كورونا"؟
أعلن في شمرا