قناديل الحرية
في حي العمال بمدينة دير الزور، نشأ الأخوان خليل وتوفيق مدحان الجدوع. تفاصيل يومية بسيطة عاشها الشقيقان بين شوارع الحي القديم وحاراته المتشابكة، قبل أن تأخذهما الأحداث المتسارعة في البلاد إلى المسار نفسه، وتُختَم قصتهما في الميدان بفارق أسابيع قليلة فقط.
عندما خرجت التظاهرات الأولى في شوارع دير الزور للمطالبة بالحرية والكرامة، لم يتردد خليل الجدوع (أبو إبراهيم) في المشاركة والمواظبة على الخروج مع أبناء مدينته.
خليل، المولود عام 1977 وهو أب لولد وبنت، كان حاضرًا في مقدمة الحراك السلمي بالمدينة منذ أيامه الأولى. ومع تطور الأحداث واتجاه الأمور نحو المواجهة العسكرية لحماية الأحياء والأهالي من بطش الأجهزة الأمنية والمداهمات، انخرط خليل مباشرة في العمل الميداني، وكان من أبرز المؤسسين لـ “كتيبة خالد بن الوليد” في حي الموظفين.
يتذكره رفاق تلك المرحلة بشخصيته الهادئة وعزيمته، وحرصه الدائم على التواجد في النطاقات الخطرَة وخطوط التماس دون تردد، مرددًا بيقينٍ تام بين رفاقه أنه لن يعود إلا بعد أداء واجبه كاملاً.
ولم تنحصر مشاركته الميدانية في أحياء مدينته دير الزور وتخومها فحسب؛ بل تحرك مع عدد من أبناء منطقته باتجاه ريف الحسكة لمواجهة قوات النظام البائد وميليشياته في جبهة الشدادي. هناك، وفي تشرين الثاني من عام 2012، خاض معركة عنيفة ومباشرة انتهت باستشهاده على أرض الحسكة، ودُفن جثمانه في مدينة مبروكة إلى جانب عدد من رفاق سلاحه الذين قضوا في المواجهات ذاتها.
رحيل خليل ترك أثراً ثقيلاً في نفوس أهله ورفاقه، لكن شقيقه توفيق (أبو عبد الله) لم يتأخر عن التواجد في الساحة ذاتها واستكمال المسار الذي بدأه شقيقه. توفيق، وهو من مواليد عام 1972 وأب لولدين، كان مرابطاً ضمن صفوف “كتائب سيدنا محمد” على تخوم المدينة. وفي السابع عشر من كانون الثاني عام 2013، اشتعلت الاشتباكات المباشرة والمكثفة على جبهة جبل دير الزور، وكان توفيق يخوض تلك المعركة القاسية في ذلك اليوم وهو صائم.
في خضم القتال الشديد والقصف المتبادل، أصيب أحد المقاتلين الميدانيين، الشاب محمد العصيدة، بطلق ناري في قدمه ووقع في منطقة مكشوفة تحت مرمى النيران المباشرة.
أصر توفيق على التقدم لإخلائه رغم خطورة الموقف العالية، واندفع وسط إطلاق النار المكثف حتى تمكن بالفعل من سحب رفيقه الجريح ووصولهما معاً إلى نقطة آمنة بعيداً عن مرمى الرصاص. لكنه، وفور وصولهما إلى تلك المنطقة الآمنة، استُشهد متأثراً بإصابة مباشرة كان قد تعرّض لها أثناء عملية الإنقاذ وهو صائم، ملتحقاً بشقيقه خليل بعد شهر واحد فقط من الفراق.
هذه السيرة العائلية لم تتوقف تفاصيلها عند رحيل الأخوين؛ فبعد سنوات طويلة من الصبر والصمود، ومع الوصول إلى لحظة سقوط النظام البائد في الثامن من كانون الأول 2024، قرر ابن الشهيد توفيق الالتحاق بصفوف الجيش، ليواصل التواجد في الأرض التي بذل فيها والده وعمه أرواحهما دفاعاً عن أهلهما ووطنهما.
رحل خليل وتوفيق، وبقيت قصتهما واحدة من حكايا دير الزور التي تتردد بين أهالي المنطقة؛ قصة شقيقين نشآ معاً، واختارا الموقف ذاته في الظروف الصعبة، ومضيا في الطريق نفسه بفارق ثلاثين يوماً فقط، لتظل ذكراهما حية في ذاكرة المدينة وأهلها الذين يحفظون للشهداء موقفهم الإنساني والميداني الشجاع ناصعاً.