عندما ينقلب أطفالنا إلى مرحلة الفتوة وتطأ أقدامهم أروقة المدارس المتوسطة والثانوية، نجد أنفسنا أمام مرحلة جديدة كلياً من عمرهم؛ مرحلة تعج بالتحولات النفسية والجسدية والفسيولوجية المتسارعة، وينقلب فيها التفتيش عن الذات وبناء الشخصية إلى هم يومي يحكم تصرفات المراهق ويحدد بوصلته.
وفي غمار هذا السعي الدؤوب للتحرر من وصاية الكبار وكسر قيود السلطة الأبوية، يتسلل التبغ بشتى صنوفه وأشكاله، بدءاً من السيجارة التقليدية ووصولاً إلى وهج السجائر الإلكترونية الحديثة بنكهاتها الخادعة وتصاميمها الجاذبة، ليكون من أكثر المشكلات السلوكية إقلاقاً للأسرة والمؤسسة التعليمية على حد سواء؛ فهو سلوك لا يمس الصحة الفردية للمراهق فحسب، بل يمتد لينسف جهود التربية والتعليم في جوهرها.
إن اختصار هذه الظاهرة المركبة بوصفها مجرد “طيش مراهقة” أو “سلوكاً طارئاً” ينم عن فهم قاصر وتبسيط مخل للأزمة؛ فالسيجارة بين أصابع الفتى ليست إلا إشارة علنية لوجود خلل عميق في التكيف النفسي والاجتماعي، واضطراب حاد في جسور التواصل بينه وبين بيئته المحيطة. ولكي نضع أيدينا على جذر هذه المعضلة ونسبر أغوارها، لا بد من الغوص في الكواليس النفسية التي تحكم عالم المراهقة السري؛ فخلف هذا المسلك تقبع رغبة عارمة وحاجة ملحة في الشعور بالانتماء والتلقي الإيجابي من الأقران.
يقع الطالب في هذه السن تحت ضغط هائل من جماعة الرفاق، حيث يدفع الخوف من العزلة أو المنبوذية أو استهزاء الآخرين ثقته بنفسه إلى الانحدار، فيندفع إلى محاكاة زملائه ليشتري قبولهم وضمان مكانته بينهم ولو كان ذلك على حساب عافيته وسلامة جسده. وفي حالات أخرى، يرى المراهق في التبغ معبراً وهمياً نحو الرجولة واكتمال النضج وصورة الشاب المستقل، أو ربما متنفساً يهرب إليه من أعباء الدراسة المتزايدة وضغوط الامتحانات، أو ملجأ يلوذ به من المشاحنات الأسرية والتفكك الذي يكدر صفو بيته.
وما زاد المشهد تعقيداً في واقعنا المعاصر هو الانتشار السرطاني لأجهزة التدخين الإلكتروني (Vape)، التي تُروج تحت غطاء زائف من الأمان المزعوم، وتستغل بخبث شديد فضول التجربة والشقاوة لدى جيل يبحث عن كل جديد ومبتكر دون إدراك حقيقي لتبعاته المسمومة.
إن الآثار الناجمة عن هذه الظاهرة المتفاقمة لا تقف عند حدود الضرر الجسدي المباشر وتلف الرئتين، بل تمتد لتنال من البناء التربوي والسلوكي والمعرفي للطالب في الصميم. داخل الفصول الدراسية، يلاحظ التربويون هبوطاً ملموساً وتراجعاً حاداً في مستويات الاستيعاب والتركيز لدى الطلاب المدخنين؛ إذ تؤدي المادة المخدرة والمواد الكيميائية المضافة إلى إجهاد القدرات الذهنية وإضعاف الذاكرة، وهو ما ينعكس تلقائياً على التراجع الأكاديمي والتدني في التحصيل العلمي.
ولا يقف الخطر عند هذا الحد، بل غالباً ما يفتح التدخين الباب واسعاً أمام سلسلة من السلوكيات الملتوية والمنحرفة؛ كالهروب المنظم من الحصص، والمناورة، والتفنن في الكذب للتغطية على الفعل، والدخول في مواجهات مستمرة واصطدامات لا تنتهي مع إدارة المدرسة والمعلمين. والأشد خطورة من ذلك كله هو تصدع بيئة الأمان المدرسية، عندما تتحول الزوايا المعتمة والمرافق الخلفية في الساحات إلى نقاط بؤرية للتدخين الخفي، ما يكرس منطق التمرد على الأنظمة، ويهدم هيبة المؤسسة التعليمية، ويسهم في نقل العدوى السلوكية للطلاب الآخرين.
ختاماً، ينبغي أن ندرك بوعي تربوي عميق أن علاج هذه الآفة لن يأتي مطلقاً عبر المنطق الزجري وأسلوب العقوبات القاسية والعصا الغليظة، التي لا تجلب سوى المزيد من المكابرة والعناد والتمرد المضاد. إننا اليوم بأشد الحاجة إلى تبني استراتيجية احتواء شاملة ودافئة قائمة على التفهم والإصغاء؛ تبدأ بفتح منافذ الحوار المتزن والآمن داخل الأسرة والمدرسة، وتفعيل الدور الحقيقي للاختصاصي النفسي والاجتماعي ليكون موئلاً للنصح والمشورة وصديقاً أميناً لا أداة للترهيب والعقاب.
إن السيجارة في يد الطالب هي في جوهرها نداء صامت وصرخة استغاثة غير مباشرة يبحث فيها عن مساحة للاستقلالية والتعبير عن ذاته، ومتى ما غدت مؤسساتنا التربوية واحات حاضنة وموجهة بوعي وحكمة، سيجد المراهق مساره الطبيعي لإثبات حضوره وشخصيته، بعيداً عن أوهام الدخان وتبعاته الخائبة.