لماذا نكتب؟

يسيطر علينا نحن، المنشغلين بالشأن العام، هاجس التدقيق على ما يحدث في سوريا، ليس لاصطياد عثرات وزلات، فهذه لها أهلها وهم بارعون فيها، و لكن لأننا نحاول أن تصل التجربة السورية الفريدة إلى « بر الأمان ». و حين أصفها بالفريدة فأنا لا أبالغ، فهي فريدة لأنها استمرت أربع عشرة سنة، رغم كل ما تعرضت له، حتى حققت ما خرجت لأجله، منذ أول صرخة حرية.

و فريدة أيضاً لأن الواصلين إلى الحكم، لم يكونوا مُتوقَّعين، وهذا ليس تقليلاً مما قدموه وما قاموا به، ولكن لأن المناخ الدولي العام لطالما وضع عقباته ومعوقاته في وجه أي جديد، فما بالك إذا كان ذلك الجديد إسلامياً، ذا خلفية جهادية. أصلاً مجرد ذكر كلمة « جهاد » يثير حساسية لدى المجتمع الدولي بأسره.

وقد أُخذنا جميعاً بذلك المنجز المدهش الذي حققه « الجهاديون » -الذين اختلفنا معهم في أوقات سابقة- قبل أن ينزعوا عنهم حلة المقاتل، ويرتدوا حلة السياسي، والمسؤول الحكومي، فتغيّروا، وربما هم معذورون، فالسلطة غواية، ومن يقاوم الغواية هو أحد سبعة « يظلّهم الله بظلّه يوم لا ظل إلا ظله » كما جاء في الحديث الشريف.

و لا أريد هنا أن أعمّم، لكن ما نشاهده، وينتقل إلينا يومياً، تقريباً، عن مظاهر البذخ، والاستعلاء ربما، يفيد بأن ثمة جداراً عالياً يتشكل بيننا، نحن المواطنين، وبين « أولي الأمر منا »، وبأننا لسنا سواسية أبداً، حتى على مستوى اللغة، فقد تنامت، تباعاً، مصطلحات تساهم لا في تمييز المواطن عن المسؤول فحسب، بل أيضاً تجعل المواطنين درجات «فخامة، ومعالي، وسعادة، ثم يأتي المواطن».

ويتعالى مسؤول حكومي علينا جميعاً، لأننا طرحنا سؤالاً عن الفساد في مؤسسته، أو آخر لأننا اعترضنا على تعيين من لا تعتبره الأغلبية السورية مناسباً في منصب ما، وحين أقول: الأغلبية السورية، فأنا لا أدعي بأنني أتحدث بلسانها، ولكني، أرصد إيقاعها، وأقف معها حين تعترض على شيء، كما حدث إبان أزمة تسعيرة القمح الشهيرة، فقد كتبت، وقتها، أنني أصدق الفلاحين فقط، فانبرى من يدافع عن تسعيرة الحكومة، ويعتبرها عادلة، بل وجلب البعض مقارنات وإحصائيات، قدمها لهم الذكاء الاصطناعي، مجاناً، ليقنعنا أن الحكومة لا تظلم الفلاحين، رغم أن كثيرين منهم، لم يسبق لهم أن زرعوا أرضاً أو حصدوا زرعاً، ومنهم من لا يفرق ما بين القمح وبين الشعير إذا وُضِعا أمامه.

ولكن ثمة من صدّق الفلاحين، ولذلك فقد صدر قرار «المكافأة» عن رئاسة الجمهورية، ليجعل تسعيرة القمح ترتفع إلى السعر الذي طالب به الفلاحون، تقريباً، والغريب أن الذين أشادوا بالتسعيرة بداية ودافعوا عنها، هم أنفسهم الذين رحبوا بالمكافأة واعتبروها «مكرمة» رئاسية عظيمة… إلى آخره.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، ففي أعقاب الثورة الفرنسية عام 1789 تم إسقاط الألقاب كلها التي كانت موجودة في العصر الملكي، وأطلق على عموم الفرنسيين، أياً تكن درجتهم الوظيفية، تسمية « المواطن/المواطنة » وصارت فرنسا تعرف ببلد المواطن، وفي فرنسا يسبقون الأسماء كلها بلقب السيدة/السيدة، وكذلك يفعلون مع منصب رئيس الجمهورية، فهو السيد رئيس الجمهورية فقط، كما السيد السفير، كما السيد النائب، كما السيد عامل البناء، والسيد الذي يعمل في تنظيف المطعم.

لذلك فإن أولئك السادة المواطنين جميعاً، معرضون للنقد إن أخطأوا في عملهم، من قبل مواطنين آخرين، فيضطرون للاعتذار، والاستقالة إن لزم الأمر، ولا يجرؤ أي مسؤول فرنسي على وصف المعترضين على عمله بالقطيع أو البرابرة، ولو فعلها فلن يجرؤ حتى على الاعتذار، لأنه يعلم سلفاً أنه أهان الشعب الفرنسي كله، وقد يكون وضع نهاية لحياته السياسية بأكملها. ربما لدينا الأمر مختلف، لا أدري!.

والآن سأجيب عن السؤال الذي طرحته عنواناً: لماذا نكتب؟ لأننا نشعر بأننا صرنا شركاء في هذا البلد، وله الحق علينا في أن نقدم له ما نستطيع، من خبراتنا وتجاربنا، وسنوات عمرنا، بل وحتى أرواحنا، وقد بلغ بعضنا من الكبر عتيا، ونحن بلد قدم قرابة مليون شهيد، ونالنا ما نالنا، حتى وصلنا إلى مبتغانا.

وكما أن لبلدنا حقاً علينا، كذلك فإن لنا حقاً عليه، بأن تكون وطناً لنا كلنا، مواطنين متساوين أمام القانون، ولا يعلو أحد فينا على أحد، أياً تكن صفته، أو منصبه. وللأمانة، فمنذ أن بدأت الكتابة مع جريدة « الثورة السورية » أكتب من دون أي قيود، ولم يحدث أن رفضت مقالة أرسلتها، ولا حتى تم تعديل جملة فيها، وأظن غيري من كتاب الجريدة، يستطيعون تأكيد ذلك، وهذا الأمر يجعلنا نرفع السقف، وننتقد ما نراه سلبياً، لعلنا نقدم خدمة مهما كانت صغيرة لبلدنا. ولكن السؤال الأكثر أهمية من لماذا نكتب، هو سؤال: هل يقرأ المسؤولون ما نكتب حقاً؟

أعلن في شمرا