شبكات القرصنة الإلكترونية لإيران تكشف عقيدتها السيبرانية

تعتبر الهجمة السيبرانية الإسرائيلية-الأميركية على مفاعل نطنز النووي بين عامي 2006 و2010 واحدة من أكبر العمليات العسكرية في الفضاء الإلكتروني حتى يومنا الحالي. فقد أصابت أكثر من 200 ألف جهاز كومبيوتر وتسببت في تدمير خُمس أجهزة الطرد المركزي النووية.

حينها أدركت طهران أن طموحها النووي بحاجة منطومة سيبرانية قوية لتحميه. وشرعت إيران في إنشاء بنيتها التحتية السيبرانية التي تقوم على مؤسسات سيبرانية رسمية، مجموعات غير حكومية ووكلاء في الشرق الأوسط. وربطت كل الفاعلين في الفضاء الافتراضي بعضهم ببعض تحت سلسلة أوامر قيادة متشعبة تنتهي بالمجلس الأعلى للفضاء السيبراني الذي يضم عشرة أعضاء قياديين وأعضاء فنيين وقانونيين ويرأسه رئيس الجمهورية.

وتحته مباشرة يوجد المركز الوطني للفضاء السيبراني والذي أُنشئ بهدف تطوير القدرات التكنولوجية وتقليل اعتماد إيران على الإنترنت من الدول الأخرى، ودعم الفكر الديني الرسمي في البلاد وشن حرب ثقافية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ضد الدول المعادية، دعماً لفكرة تصدير الثورة الإيرانية للعالم الإسلامي التي تتبناها الأيدلوجية الخمينية.

كما يندرج تحته مركز التحقيق في الجريمة المنظمة والذي أسسه الحرس الثوري سنة 2007 ليتبع له مباشرة ومهمته ضمان الأمن السيبراني في البلاد وحماية الحكومة الإلكترونية، وقد ساهم المركز بالعمليات الاستخباراتية خلال انتخابات 2009 في إيران عبر حجب المواقع الإعلامية للمعارضة وتحديد هوية نشطائها.

أما المجموعات غير الحكومية فهي كثيرة لكن أشهرها خمس؛ الجيش السيبراني الإيراني ويضم مجموعة كبيرة من ذوي المهارات العالية في التكنولوجيا وعلى الرغم من عدم تبعيته رسمياً للحكومة، إلا أن النائب السابق لممثل المرشد الأعلى في الحرس الثوري “مجتبى ذو النور” أقر في عام 2011 بأن إيران استخدمت الجيش السيبراني لاختراق مواقع إلكترونية معادية.

كتائب الباسيج السيبرانية والتي تأسست في عام 2012 بغرض العمل في سوريا، ونشطت هذه الكتائب بشكل كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي لكونها تتألف من عناصر غير محترفين ومتطوعين شعبيين، لكن الكثير من متطوعيها يتحدثون العربية فمكنهم ذلك من العمل في الفضاء العام العربي عموماً والسوري والعراقي خصوصاً.

مجموعة هيليكس كيتن ونشطت منذ عام 2015 وركزت نشاطها في الشرق الأوسط، لاسيما المؤسسات المالية وهيئة الاتصالات وشركات الطيران في السعودية والإمارات. ووسعت نشاطها إلى قطاعات الطاقة والتعليم في الولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا. وفي عام 2019 تم تفكيكها من قبل قراصنة روس.

مجموعة شمعون ونشطت على مرحلتين، المرحلة الأولى في عام 2012 حينما استهدفت شركة أرامكو السعودية الأميركية بفايروس شمعون 1 الذي عطل حوالي 36 ألف جهاز كمبيوتر وتسببت الهجمة باضطرابات بسوق الطاقة حينها. المرحلة الثانية حينما طورت الفايروس نفسه شمعون2 وشمعون 3 واستخدمتها بسلسلة هجمات سيبرانية على المملكة العربية السعودية بين عامي 2016 و2017.

مجموعة معهد مبنا، وهي مجموعة مرتبطة بالحرس الثوري مباشرة ومتخصصة بسرقة البحوث العلمية لاسيما في مجال التكنولوجيا. واخترقت المجموعة بين عامي 2014 و 2017 بيانات من 144 جامعة أميركية و21 جامعة أوروبية. كما تستهدف المجموعة قطاعات مالية غربية.

وإلى جانب المؤسسات الرسمية والمجموعات غير الرسمية في إيران، هناك وكلاء سيبرانيون لطهران يعملون من الخارج، مثل فصائل حزب الله السيبرانية، مجموعة الحوثي السيبرانية وجيش الأسد الإلكتروني.

بدأت فصائل حزب الله السيبرانية نشاطها مع انطلاق الربيع العربي عبر منصات التواصل الاجتماعي بهدف نشر الدعاية الدينية الإيرانية والأيديولوجيا الخمينية بين الجماهير العربية. ومنذ عام 2015 بدأت باستخدام تقنيات حديثة وأساليب متطورة في الاختراق بهدف التجسس والتخريب. وفي عام 2015 شنت هذه الفصائل بالمشاركة مع الجيش السيبراني الإيراني حملة بعنوان “الأرز المتطاير” لاستهداف مواقع إسرائيلية وغربية.

أما جيش الأسد الإلكتروني فقد نشأ في عام 2011 بعد اندلاع الثورة السورية بهدف مواجهة نشطاء الثورة وقمع معارضي الأسد. وبدأ نشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن سرعان ما تحول إلى أحد وكلاء إيران السيبرانيين في المنطقة. في عام 2013 صرح الجنرال السابق في المخابرات الأميركية مايكل هايدن بأن تنوع التقنيات والخبرات التي بات جيش الأسد الإلكتروني يستخدمها تشير إلى تورط إيراني في تدريبه.

مجموعة الحوثي السيبرانية والتي تمكنت في عام 2019 من اختراق 450 هاتف محمول لعسكريين في السعودية، مصر، الإمارات، تركيا، عمان وقطر بهدف التجسس على هذه الدول. وتم كشف هذه المجموعة سنة 2024 من قبل شركة الأمن السيبراني لوك أوت.

والمتابع لخارطة العمليات العسكرية الإيرانية في الفضاء الإلكتروني يستطيع الكشف عن سمات العقيدة السيبرانية التي تتميز بالسرية والإنكار، إذ أن العمليات التي كانت تقوم بها إحدى الجماعات التابعة لطهران، تم الكشف عنها من قبل أجهزة استخبارات غربية أو شركات أمن سيبراني، وكانت إيران تنكر دوماً بالضلوع بأي عملية. أيضاً تقوم العقيدة السيبرانية على الردع غير المتكافئ إذ تستخدم القدرات التكنولوجية لتعويض التفوق العسكري التقليدي لخصوم مثل الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما تتضمن عقيدتها السيبرانية تصدير الثورة من خلال نشر الدعاية الخمينية عبر مواقع التواصل الاجتماعي العربية مستفيدة من وكلائها في المنطقة والمتطوعين المتحدثين للغة العربية في كتائب الباسيج. وتشمل هذه العمليات أيضاً نشر المعلومات أو التأثير في الرأي العام والعمل الإعلامي.

الانتقام العشوائي ويقوم على فكرة إيران العسكرية التقليدية بأن أميركا هي الشيطان الأكبر وإسرائيل هي الشيطان الأصغر واتهام دول المنطقة غير الحليفة لإيران بالعمالة لأميركا. ولذلك فإن العمليات السيبرانية العسكرية الإيرانية لا تقتصر فقط على أميركا وإسرائيل، إنما شملت السعودية ومصر والإمارات وتركيا وقطر وعمان وذلك بعد تعرض مفاعلاتها النووية ومنشآت الطاقة لهجمات أميركية إسرائيلية.

أعلن في شمرا