الفجوة المقبلة لن تكون مالية فقط، بل ستتعلق أيضاً بامتلاك المعرفة والمهارة اللازمة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة، بما قد يزيد التفاوت في الإنتاجية والثروة.
عندما اكتشف الراديوم في نهاية القرن الـ19، بدا للعالم كأنه معجزة علمية قادرة على تغيير حياة البشر، وسرعان ما سبق الانبهار بالاكتشاف الجديد فهم أخطاره وحدوده، فدخلت المواد المشعة في منتجات يومية، من معجون الأسنان ومستحضرات التجميل إلى المشروبات والمنشطات، قبل أن تكشف السنوات اللاحقة عن الثمن الصحي الباهظ لهذا الاستخدام غير المنضبط.
ومن أشهر تلك المآسي قضية "فتيات الراديوم" في عشرينيات القرن الماضي، حين أصيبت عاملات مصانع طلاء الساعات بأمراض قاتلة نتيجة تعرضهن للمادة المشعة، وكذلك وفاة رجل الأعمال الأميركي إيبن بايرز عام 1932 بعد استهلاكه مشروب Radithor لسنوات.
لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي هو "راديوم العصر"، لكن التجربتين تطرحان سؤالاً متشابهاً: ماذا يحدث عندما يسبق الحماسة لتقنية جديدة فهم كلفتها الحقيقية؟
اليوم يدخل الذكاء الاصطناعي بسرعة إلى الاقتصاد والتعليم والطب والهندسة والبحث العلمي، وفي الوقت نفسه يستخدم على نطاق هائل في إنتاج الصور الساخرة، وتحويل الأشخاص إلى شخصيات كرتونية، وتقليد الأصوات، وكتابة النكات وصناعة محتوى ترفيهي عابر. وهذه الاستخدامات ليست مشكلة في حد ذاتها، لكنها تستهلك مورداً ثميناً ومحدوداً نسبياً: القدرة الحاسوبية.
فكل صورة أو مقطع فيديو أو طلب يرسل إلى نموذج متقدم يعني استخدام مراكز بيانات باهظة الكلفة، واستهلاك الكهرباء والمياه اللازمة للتبريد، وتشغيل رقائق إلكترونية شديدة التعقيد والكلفة. وما يبدو استخداماً فردياً بسيطاً قد يتحول، عند تكراره ملايين المرات، إلى فاتورة ضخمة تتحملها الشركات والمستثمرون وشبكات الطاقة والبيئة.
وهنا يظهر السؤال الأهم: إذا استمر الطلب على أفضل قدرات الذكاء الاصطناعي في الارتفاع، فمن سيدفع الثمن؟ وهل يمكن أن يؤدي الاستخدام غير المنضبط لهذه الموارد إلى جعل النماذج الأقوى أكثر كلفة، ومن ثم أكثر انحصاراً في الشركات والدول والأفراد القادرين على الدفع؟
المطلوب، إذاً، ليس الحد من الابتكار أو تجريم الاستخدام الترفيهي، بل الانتقال إلى مرحلة أكثر نضجاً في إدارة موارد الذكاء الاصطناعي، بحيث تستخدم النماذج الأكثر كلفة عندما تكون قيمتها الحقيقية مبررة، فيما توجه المهمات الأبسط إلى نماذج أقل استهلاكاً وكلفة.
لكن القضية قد تكون أعمق من مجرد فاتورة باهظة، فمع ارتفاع الطلب على القدرة الحاسوبية وأحدث نماذج الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال يتعلق بعدالة الوصول إلى هذه الموارد. وكلما ازداد الطلب على النماذج الأكثر تقدماً، ارتفعت احتمالات أن تصبح بعض أفضل القدرات متاحة بصورة أكبر للأفراد والشركات والدول القادرة على تحمل كلفتها.
وهكذا، قد لا يكون الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي مجرد هدر تقني، بل جزءاً من معادلة اقتصادية أوسع يمكن أن تزيد الفجوة بين من يستطيع الوصول إلى أحدث الأدوات وأكثرها قدرة، ومن يعتمد على خدمات أقل تقدماً أو أكثر تقييداً.
لم يؤد انتشار الحاسوب والإنترنت بالضرورة إلى إلغاء الفجوات الاقتصادية والمعرفية، إذ أتاح الإنترنت الوصول إلى كم هائل من المعلومات، لكن القدرة على الاستفادة منها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية ظلت متفاوتة بين الأفراد والمجتمعات. ومع الذكاء الاصطناعي، قد تصبح هذه الفجوة أكثر تعقيداً، لأن التقنية لا تقتصر على الوصول إلى المعلومات، بل تساعد أيضاً في التحليل وكتابة البرمجيات وإجراء الأبحاث وإدارة الأعمال وصنع القرارات.
ومع وجود اشتراكات متقدمة تصل كلفتها إلى 200 دولار شهرياً أو أكثر، يبرز تفاوت آخر في القدرة على الوصول إلى أحدث النماذج وحدود الاستخدام الأعلى. وقد يمنح ذلك الشركات والأفراد القادرين على تحمل هذه الكلفة أدوات تساعدهم في رفع الإنتاجية وتسريع بعض العمليات والابتكار، فيما يعتمد آخرون على خدمات مجانية أو أقل تقدماً.
ومن هنا قد تنشأ فجوة لا تتعلق بالوصول إلى المعلومات وحده، بل بالقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية.
ويقول خوزيه سينتينو، المدير العام لشركة ADQ Solutions، إن "الفجوة الأكثر حدة ستكون في المعرفة والكفاءة، وليس في الموازنة وحدها"، مشيراً إلى أن الفارق في الإنتاجية بين شخص يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة وآخر يملك خبرة مماثلة لكنه لا يستفيد منها، يمكن أن يكون كبيراً.
ويضيف أن مطوراً واحداً مزوداً بهذه الأدوات أصبح قادراً على تنفيذ مهمات تمتد من البرمجة إلى الواجهات وقواعد البيانات وإدارة الخوادم والتصميم، مما يسمح للأفراد والفرق الصغيرة بإنجاز أعمال كانت تتطلب سابقاً فرقاً أكبر.
لكن امتلاك الأداة وحده لا يكفي، وفق سينتينو، إذ تظل المعرفة البشرية عاملاً حاسماً في القدرة على تقييم مخرجات النموذج وتوجيهه وتصحيح أخطائه وتعديل طريقة استخدامه للوصول إلى نتائج أفضل.
وبذلك تتحرك الفجوة المحتملة على محورين: الأول اقتصادي، يتعلق بالقدرة على تحمل كلفة النماذج المتقدمة والاشتراكات والبنية التحتية، والثاني معرفي، يتعلق بامتلاك المهارات والخبرة اللازمة لاستخراج أكبر قيمة من هذه الأدوات. ويرى سينتينو أن الفجوة المعرفية قد تكون أكثر دواماً وتأثيراً من الفجوة المالية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على رغم التطور التكنولوجي المتسارع، لا يعني تحسن كفاءة النماذج بالضرورة انخفاض التكلفة الإجمالية لتشغيل منصات الذكاء الاصطناعي الكبرى.
ويقول لوركان بيرك، رئيس مجلس إدارة شركة Carabiner Networks البريطانية، إن كفاءة الذكاء الاصطناعي تتحسن بسرعة، لكن هذه المكاسب لا تكفي حتى الآن لتغيير اقتصاديات تشغيل منصات ضخمة بحجم ChatGPT بصورة جوهرية.
ويوضح أن التحسينات في الأجهزة والخوارزميات تساعد في خفض كلفة تنفيذ المهمة نفسها، لكن أثرها يقابله نمو متسارع في الطلب، وزيادة تعقيد النماذج، وارتفاع الاعتماد على الوكلاء المستقلين وعمليات الاستدلال الأكثر عمقاً.
وبمعنى آخر، قد تصبح المهمة الواحدة أرخص، بينما ترتفع الفاتورة الإجمالية نتيجة تضخم حجم الاستخدام وتعقيده.
ويشير بيرك إلى أن المهمات التي كانت تحتاج قبل عامين إلى نماذج ضخمة أصبح من الممكن تنفيذ كثير منها اليوم باستخدام نماذج أصغر وأقل كلفة.
وفي مهمات محددة، مثل التلخيص والتصنيف واستخراج المعلومات والترجمة والصياغة الروتينية واكتشاف نية المستخدم وخدمة العملاء الأساسية، يقول إن نموذجاً أصغر قد يحقق نحو 90 في المئة من الجودة المطلوبة بكلفة تراوح بين واحد وخمسة في المئة من كلفة النموذج الأكبر.
فعلى سبيل المثال، لا تحتاج المؤسسة إلى استخدام أقوى نموذج استدلالي لديها لمجرد تحديد ما إذا كانت رسالة واردة تتعلق بفاتورة أو مشكلة تقنية أو طلب إلغاء.
ويرى بيرك أن أحد الحلول الممكنة يتمثل في التوسع في الذكاء الاصطناعي المحلي أو الخاص، الذي يسمح للمؤسسات بتشغيل بعض النماذج داخل بنيتها التحتية بدلاً من الاعتماد الكامل على الخدمات السحابية العامة أو واجهات البرمجة الخارجية.
وتزداد أهمية هذا الخيار لدى المؤسسات التي تتعامل مع بيانات حساسة، أو تخضع لقيود تنظيمية، أو تنفذ أعداداً كبيرة من العمليات بصورة متكررة.
وفي قطاعات مثل الاتصالات والرعاية الصحية والتمويل والحكومة، يمكن لهذا النموذج أن يقلل الاعتماد على الرسوم المتغيرة المرتبطة بحجم الاستخدام، إذ تستطيع المؤسسة شراء البنية التحتية أو استئجارها وتشغيل نماذجها داخل بيئتها الخاصة.
وقد تستخدم شركة اتصالات مثلاً نموذجاً داخلياً لتصنيف الإنذارات، وتلخيص حوادث الشبكة، وتحليل الإعدادات، مع إبقاء بياناتها التشغيلية الحساسة داخل أنظمتها.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن النماذج السحابية المتقدمة، بل تقليل استخدامها في الأعمال الروتينية التي يمكن لنماذج أصغر وأرخص تنفيذها بكفاءة.
ومن هنا يرجح أن تتجه المؤسسات بصورة متزايدة إلى بنية هجينة: نماذج صغيرة ومتخصصة للمهمات اليومية والمحلية، ونماذج متقدمة للمهمات الأكثر تعقيداً وقيمة، مع أنظمة توجيه تحدد النموذج الأنسب لكل مهمة وفق الكلفة والحساسية ومستوى الأداء المطلوب.