لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟

يتزامن هذا الأمر مع وصف وكالة الطاقة الدولية اضطرابات الطاقة العالمية المستمرة بأنها "أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ".

مع توسع الاعتماد على الكهرباء وتزايد الأخطار التي تهدد استقرار أنظمة الطاقة، تلجأ الدول التي تواجه صعوبات بدافع الضرورة إلى أنظمة الطاقة اللامركزية، وهي شبكات لإنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية أو الحرارية قرب أماكن استهلاكها بدلاً من توليدها في محطات ضخمة بعيدة ونقلها عبر شبكات نقل رئيسة، وفي الوقت ذاته، تختبر القوى الكبرى قدرة هذه الأنظمة على إبقاء شبكات الطاقة الهشة قيد التشغيل مع تعزيز مصالحها الجيوسياسية في آن.

ويتزامن هذا الأمر مع وصف وكالة الطاقة الدولية اضطرابات الطاقة العالمية المستمرة بأنها "أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ"، وسماح الولايات المتحدة لمشغل الشبكة "ساوث ويست باور بول" باستخدام موارد توليد احتياطية في 17 ولاية يخدمها، وذلك لمواجهة الطلب المتزايد وموجات الحر الشديد، في حين أجبرت موجات الجفاف محطات الطاقة النووية الأوروبية على خفض عملياتها أو تعليقها في أغسطس (آب) الماضي.

تستمر الظواهر الجوية المتطرفة في تعطيل إنتاج الطاقة ومسارات الإمداد، إلى جانب الحروب الدائرة في الشرق الأوسط وأوكرانيا، وإضافة إلى ذلك، فإن الطلب العالمي المتزايد على الكهرباء، الناجم عن التنمية الاقتصادية وانتشار المركبات الكهربائية وطفرة الذكاء الاصطناعي، يفرض ضغوطاً إضافية على أنظمة صممت أصلاً لتلائم حقبة كانت تتميز باستقرار أكبر في مجال الطاقة.

وبعد عقود من التوسع في الإمدادات وتعزيز الأمن الطاقي، جلبت حقبة العشرينيات من القرن الحالي نظاماً للطاقة أكثر توتراً وسط نظام سياسي عالمي متشرذم، مما أثر في دول تقع في مختلف مستويات التنمية الاقتصادية وتوفر الموارد. كذلك أدى هذا الضغط إلى تجدد الاهتمام بإعادة النظر في كيفية تحديث أنظمة الطاقة المركزية المتقادمة التي تعود للقرن الـ20، خصوصاً أن كثيراً من شبكات الكهرباء الوطنية بنيت في وقت كانت فيه عمليات توليد الكهرباء في محطات ضخمة ونقلها لمسافات طويلة، خياراً مجدياً اقتصادياً، على رغم حقيقة أن ما يصل إلى 35.6 في المئة من الطاقة المنقولة يفقد خلال هذه العملية.

وقد أتاح تطوير الألواح الشمسية والبطاريات والمولدات الصغيرة وتقنيات التحكم الرقمي إمكان جعل إنتاج الطاقة وتخزينها لا مركزياً بصورة جزئية. وتصنف بعض هذه التقنيات الصغيرة ضمن فئة "موارد الطاقة الموزعة"، التي يمكنها العمل بصورة مستقلة أو ضخ الكهرباء في الشبكة الرئيسة، كذلك يمكن دمجها لتشكيل "شبكات مصغرة" تضمن استمرار إمداد المناطق المحلية بالطاقة عند تعطل الشبكة الأوسع.

وتعتمد أنظمة الطاقة اللامركزية على وحدات إنتاج صغيرة ومتعددة مثل ألواح الطاقة الشمسية على الأسطح، وتوربينات الرياح الصغيرة، وأنظمة التخزين بالبطاريات، وتنتج الطاقة وتستهلكها داخل المنازل أو الأحياء أو المنشآت الصناعية، وتتصل أحياناً بالشبكة العامة لتبادل الفائض، أو تعمل بصورة مستقلة تماماً في ما يعرف بالشبكات المصغرة.

AFP__20260730__2287643784__v1__HighRes__CaliforniaUtilityCompanyHostsMediaOpenHouseH.jpg

قامت الدول الأوروبية بدمج واسع النطاق لموارد الطاقة الموزعة في شبكاتها الرئيسة، وذلك بدعم من توجيه الاتحاد الأوروبي في شأن الطاقة المتجددة. وتعد الدنمارك رائدة عالمياً، حيث يجري توليد أكثر من 50 في المئة من الكهرباء عبر مصادر لا مركزية، وقد كانت سباقة في إنشاء تعاونيات طاقة الرياح المملوكة للمجتمع المحلي وشبكات التدفئة المناطقية ذات النطاق المحلي الضيق.

ومدفوعة بسياسة "تحول الطاقة"، تضم ألمانيا ملايين "المنتجين والمستهلكين" النشطين (أي المواطنين الذين ينتجون الطاقة ويستهلكونها في آن) من خلال أنظمة الطاقة الشمسية المثبتة على الأسطح والشبكات المصغرة على مستوى الأحياء، فيما تشتهر هولندا بريادتها في مجال الشبكات المصغرة للأحياء التي تدمج بين الطاقة الشمسية المحلية والمضخات الحرارية وأنظمة البطاريات المشتركة، مما يتيح للمجتمعات تحقيق اكتفاء ذاتي من الطاقة بنسبة تصل إلى 90 في المئة.

وتعد الولايات المتحدة السوق الأكبر للشبكات المصغرة المحلية، ويتركز نموها بصورة كبيرة في ولايات مثل كاليفورنيا وتكساس ونيويورك وألاسكا، حيث تعتمد الجهات العسكرية والمجمعات الصناعية وشركات المرافق هذه الأنظمة على نطاق واسع لضمان استمرار إمدادات الطاقة أثناء الظروف الجوية القاسية أو حالات انقطاع التيار عن الشبكة الرئيسة.

بدورها تركز كندا على الشبكات الصغيرة اللامركزية لتزويد المدن الشمالية النائية والمنعزلة عن الشبكة الكهربائية بالطاقة، مما يقلل بصورة فعالة من اعتمادها التاريخي على وقود الديزل الباهظ الثمن.

بعد أكثر من أربعة أعوام من الحرب دمرت روسيا كثيراً من محطات الطاقة وأنظمة النقل الأكبر في أوكرانيا، وقد استهدفت روسيا بصورة منهجية البنية التحتية للطاقة بهجمات صاروخية ومسيرات، مما أدى إلى تدمير أو احتلال ما يقارب من ثلثي قدرة توليد الطاقة في أوكرانيا قبل الحرب.

هذا وأدى تكامل أوكرانيا مع الشبكة الأوروبية القارية إلى توفير بعض الراحة من خلال الواردات، لكن أوكرانيا تعمل أيضاً على بناء شبكات صغيرة مدعومة محلياً لتقليل اعتمادها على شبكات النقل الضعيفة مع ضمان انتشارها على نطاق واسع لجعل المنشآت الفردية أهدافاً أقل جاذبية، وتحافظ حالياً شبكات الطاقة الشمسية الصغيرة على تشغيل البنية التحتية الحيوية مثل المستشفيات وأنظمة المياه عندما تتعطل الشبكة الرئيسة.

في عام 2025 دخلت شركة "ديتي إي كي للطاقة المتجددة" الأوكرانية في شراكة مع شركة الطاقة النظيفة البريطانية "أوكتوبس إينرجي غروب" لتركيب وحدات تخزين الطاقة الشمسية والبطاريات على الأسطح في 100 موقع تجاري وموقع للقطاع العام على مدى ثلاثة أعوام. وفي الوقت ذاته، أنشأت المدن الأوكرانية "نقاطاً منيعة"، أو ملاجئ طوارئ مخصصة مجهزة بالتدفئة والاتصالات والضرورات الأساسية، بينما تمتلك مدينة فينيتسا بوسط أوكرانيا حالياً خمس شبكات صغيرة تجمع بين التوليد المحلي مثل الطاقة الشمسية والغاز والطاقة الكهرومائية مع التخزين، في حين من المقرر إضافة خمس مزارع للرياح في غضون العامين المقبلين.

وتبدو النتائج حتى اليوم متفاوتة، ففي الأيام المشمسة من الممكن أن تنتج الطاقة الشمسية في أوكرانيا فوائض كبيرة من الكهرباء، يعقبها عجز حاد عندما تتغير الظروف الجوية، وسوف يختبر الشتاء المقبل مدى قدرة شبكة أوكرانيا الناشئة من المولدات الأصغر حجماً وأنظمة التخزين والشبكات الصغيرة على دعم الشبكة المركزية الضعيفة بصورة موثوقة.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقدم بورتوريكو نموذجاً آخر على أهمية أنظمة الطاقة اللامركزية، فمنذ عام 2017، كشفت سلسلة من الكوارث الطبيعية مراراً وتكراراً عن هشاشة نظام الطاقة في بورتوريكو، فقد أدى إعصارا "إيرما" و"ماريا" إلى تدمير شبكة الكهرباء مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي لمدة 11 شهراً، وهي أطول فترة انقطاع في تاريخ الولايات المتحدة.

كذلك واجهت بورتوريكو، وهي أفقر منطقة تابعة للولايات المتحدة، استجابة متذبذبة من واشنطن، فبعد إعصار "ماريا"، ركزت الجهود الفيدرالية في البداية على إعادة بناء الشبكة المركزية ودعم توليد الطاقة باستخدام الوقود الأحفوري. وفي وقت لاحق، أولت إدارة جو بايدن اهتماماً أكبر للطاقة المتجددة وأنظمة الطاقة الموزعة، إلا أن التأخيرات البيروقراطية أبطأت وتيرة التقدم. وعادت إدارة دونالد ترمب الثانية لتغيير المسار مرة أخرى، حين ألغت مطلع العام الجاري تمويلاً يصل إلى 450 مليون دولار كان مخصصاً لتعزيز مرونة الشبكة وبرامج الطاقة الموزعة.

ومع ذلك، بادر سكان بورتوريكو مبكراً نحو توليد الطاقة ذاتياً، إذ تضاعفت تقريباً أعداد أنظمة الطاقة الشمسية المثبتة على أسطح المنازل في العام التالي لإعصار "ماريا"، وفي عام 2023، اكتسبت أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية، إلى جانب البطاريات والمولدات المنزلية، شعبية واسعة لدرجة أن شركة "لوما إنيرجي" المشغل الخاص لشبكة الكهرباء في بورتوريكو بدأت في دمج هذه الأنظمة ضمن الشبكة الأوسع نطاقاً من خلال برنامجها المسمى "مشاركة طاقة البطاريات لدى العملاء"، وباتت البطاريات المملوكة للقطاع الخاص وموارد الطاقة الموزعة الأخرى مدمجة الآن في ما يعرف بـ"محطة الطاقة الافتراضية"، مما يتيح استخدام الكهرباء المخزنة في المنازل والشركات وتغذية الشبكة بها أثناء فترات ذروة الطلب أو حالات الطوارئ.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، وخلال انقطاع التيار الكهربائي، تعاونت شركة "صن رن" المتخصصة في الطاقة الشمسية المنزلية وتخزين البطاريات مع شركة "لوما" لاستخدام الطاقة من أكثر من 33 ألف منزل لإنتاج 30 ميغاواط على مدى أربع ساعات متواصلة على مدى ليلتين. وبعدها بشهر، زودت أكثر من 70 ألف بطارية منزلية الشبكة بـ48 ميغاواط، مما أسهم في تجنب انقطاع واسع النطاق للتيار الكهربائي. وهذا ما أظهر كيف يمكن لموارد الطاقة الموزعة الاستجابة لشبكة مجهدة والمساعدة في استقرارها بصورة أسرع وأكثر مرونة من محطات التوليد المركزية.

وتغطي الطاقة الشمسية المثبتة على أسطح المنازل حالياً أكثر من 10 في المئة من كهرباء بورتوريكو، وأصبحت ثاني أكبر مصدر لتوليد الطاقة بعد النفط، وبذلك يمكن القول إنه من خلال تجاوز النظام المركزي ومحاولات إصلاحه الفاشلة، قامت الأسر والشركات في بورتوريكو تدريجاً ببناء بدائلها المحدودة الخاصة.

لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
لماذا تتجه الدول إلى أنظمة الطاقة اللامركزية؟
أعلن في شمرا