تمثل تحولات العقيدة الأمنية للدول لحظات مفصلية في تاريخ الصراعات، إذ لا تتغير قواعد اللعبة السياسية والعسكرية لمجرد وقوع أحداث طارئة، بل نتيجة زلازل استراتيجية تفرض إعادة النظر في المفاهيم الأساسية التي بُنيت عليها سياسات الدفاع والأمن.
وفي هذا السياق، جاءت أحداث “طوفان الأقصى” والمواجهات الإقليمية المتعددة الجبهات لتعيد رسم ملامح العقيدة الأمنية الإسرائيلية، نازعةً عنها الطابع الكلاسيكي الذي أرسى دعائمه “ديفيد بن غوريون”، ومستبدلةً إياه بسلوك أمني وعسكري جديد لم يُصغ بعد في وثيقة رسمية، لكنه يتجلى بوضوح في تحركات إسرائيل الميدانية والاستراتيجية.
فقد قامت العقيدة الكلاسيكية الإسرائيلية تاريخياً على ثلاث ركائز أساسية هي الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع، غير أن الواقع الجديد فرض مرونة استراتيجية طوّرت هذه المبادئ نحو سياسات أكثر شراسة وهجمات استباقية أكثر عدوانية.
فمن جهة، شهدت استراتيجية الردع – القائمة على إقناع الخصم بأن كلفة المواجهة ستكون باهظة – انهياراً عميقاً أمام هجوم حماس في معركة الطوفان وحرب الإسناد الإقليمية عبر إيران ووكلائها، فلم تقتصر الاستراتيجية على قتل التهديد حين ينشأ، بل تطوّر إلى مبدأ أقسى يتمثل في “قتل التهديد قبل أن يفكر في النشوء”، وهو ما يتجلى بوضوح في التعامل الإسرائيلي مع المشهد السوري الحالي.
إذ تنظر المؤسسة الأمنية والعسكرية في إسرائيل إلى الحكومة السورية القائمة من منظور حذر يستند إلى فرضية أنها عدو مستقبلي يتعامل ببراغماتية إلى حين امتلاك القوة الكافية للسيطرة ثم الهجوم على إسرائيل على غرار ما جرى في غزة. وبالمثل تسعى إسرائيل إلى كبح أي توسع للنفوذ التركي داخل الأراضي السورية لوأد أي محاولة لزيادة هذا النفوذ مستقبلاً.
ومن جهة أخرى، انعكس هذا التحول على الركيزة الثانية القائمة على “الحسم السريع” لتجنب حرب الاستنزاف، وهو ما درج عليه الجيش الإسرائيلي كعرف عسكري في كل معاركه السابقة، إذ أدى الواقع الجديد إلى تحوله إلى جيش قادر على أن يخوض حروب وصراعات طويلة امتدت إلى ما يزيد عن ثلاث سنوات حتى الآن، وهو تطور كبير يستوجب مراجعة الصورة النمطية والمفهوم السائد في العقل الجمعي العربي الذي يفترض عدم قدرة إسرائيل على خوض حروب طويلة الأمد.
وفيما يتعلق بالركيزة الثالثة القائمة على الإنذار المبكر، فقد أثبتت “طوفان الأقصى” فشل هذه الاستراتيجية بعد اقتحام المستوطنات وخوض معارك على الأراضي المحتلة لأول مرة منذ عام 1948، مما دفع المؤسسة الأمنية والعسكرية إلى تطوير هذه العقيدة عبر احتلال أراض جديدة، والتمسك بتلك المناطق المحتلة وتحويلها إلى أحزمة جغرافية ومناطق عازلة تحد من أي تهديد مستقبلي أو تكرار لسيناريو الطوفان، وهو ما تتبعه اليوم بإنشاء الخطوط المتقدمة كالخط الأصغر في جنوب لبنان وغزة، واحتلال المنطقة العازلة في سوريا وإقامة قواعد عسكرية داخلها ورفضها أي دعوات للانسحاب منها.
بناء على ذلك، تنطلق المقاربة الإسرائيلية تجاه المناطق التي تحتلها في سوريا من منطلق هذه العقيدة الأمنية الجديدة التي تقوم على خلق أحزمة جغرافية تبعد الخطر عن أراضيها، وتنقل المعركة إلى أرض الخصم لحماية الداخل الإسرائيلي، وهو ما يتطلب اليوم دراسة العقلية الإسرائيلية المتغطرسة بناء على تطورات عقيدتها العسكرية والأمنية الحديثة بعيداً عن اعتماد المقاربة القديمة في التحليل.
فالعقيدة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بعد طوفان الأقصى ينبع جوهرها من زيادة كبيرة في الهواجس الأمنية، وقلق مرتفع من المحيط، وعدم اليقين الاستراتيجي، مرتكزةً على مجرد الشكوك بالنوايا لمهاجمة الخصوم بدون خطوط حمراء، ومشبّعة بروح الانتقام نتيجة سردية مظلومية كبيرة تم بناؤها على إثر طوفان الأقصى تشبه إلى حد بعيد سردية الهولوكوست.