في الذكرى السنوية لنشوء الدولة السورية الحديثة

في الرابع من تشرين الأول، عام 1918، دخل الأمير فيصل، البالغ من العمر ثلاثاً وثلاثين عاماً، دمشق قادماً من الجزيرة العربية، ليؤسس أول حكومة عربية منذ قرون.

رغم العمر القصير للحكومة العربية في دمشق، بدأت نهضة عربية شاملة. فقد عُرّبت الدواوين، وأُنشئت جريدة رسمية باسم العاصمة ويديرها محب الدين الخطيب، ونهض التعليم، وأُنشئ المجمع العلمي، وعشرات المشاريع التي أسست البنية التحتية لدولة لا تخص سوريا، سوريا المقلصة فيما بعد، أو بلاد الشام فقط، بل تخص المشرق العربي كاملاً، فطال إشعاعها كل العالم العربي. إن ما أنجز في هاتين السنتين أكبر من أن يكون خاصاً بدمشق أو بحدود ما عرف لاحقاً باسم سوريا.

امتدت هذه اللحظة التاريخية بين عامي 1918–1920، وكانت فترة -أقول بكل ثقة- الأغنى في تاريخ بلاد الشام، بل والمشرق العربي. فقد اجتمع في دمشق نخبة بلاد الشام الفكرية والعسكرية من كل من فلسطين ولبنان وشرق الأردن، بالإضافة للنخبة العسكرية العراقية ونخبة الجزيرة العربية، بشكل لم يتكرر لاحقاً. لذلك حفلت هذه الفترة بالنقاشات وتمحيص الأفكار وبناء المؤسسات. 

يومها كان العلامة رشيد رضا، صاحب جريدة المنار والمستقر في القاهرة منذ نهاية القرن التاسع عشر، في رحلة إلى دمشق، فسجل أهم تلك النقاشات، وهي نقاشات عادت لتظهر في سوريا منذ التحرير في 8 كانون الأول من عام 2024.

وجد رشيد رضا، المنحدر من مدينة طرابلس الشام، نفسه عضوا في أول برلمان سوري (المؤتمر السوري)، الذي تأسس بعد رحيل العثمانيين، ثم رئيساً لهذا المؤتمر في 5 مايو/أيار 1920، بعد تشكيل وزارة هاشم بيك الأتاسي. سجل رشيد رضا تفاصيل رحلته تلك ونشرها في جريدة «المنار» على عدة حلقات بتاريخ لاحق.

سجل كل النقاشات والأفكار التي طُرحت، والمواقف السياسية والفكرية لكل الأطراف. وأنا أعتقد أن أغلب تلك النقاشات بقيت بدون حسم خلال مائة عام. كما أن أغلب ما جرى لاحقاً في هذه البلاد، وعلى مدار قرن كامل، خرج من معطف تلك اللحظة. بل إن بعض تلك المواضيع عادت بقوة أكبر منذ لحظة التأسيس الثانية بعد تحرير سوريا في 2024.

على سبيل المثال، يكتب الشيخ رشيد رضا عن مسألة المذاهب. يقول في يومياته: «ثم شرعنا في الحوار، وكان الأمير زيد حاضراً، فسألني عن رأيي في المذاهب الإسلامية، فبينت له معنى كلمة المذهب… سألني: هل يمكن إزالة الخلاف الديني وتوحيد المذاهب؟ قلت: إن الخلاف طبيعي لا يمكن إزالته، وإنما الواجب إزالة ضرره، ولاسيما التعادي والتفرق الذي ذمه القرآن ونهى عنه وتوعد عليه».

وفي مسألة القديم، صنف رشيد رضا أعضاء المؤتمر بأنهم ينتمون إلى ثلاث طوائف: «كان فيه طائفة من المحافظين على القديم من أمور الأمة وتقاليدها، وطائفة من المولعين بالجديد الأوروبي، وطائفة من المعتدلين بين جمود أولئك وخفة هؤلاء». أما في مسألة العروبة والإسلام، فقد كتب أنه زار فيصل في 9 فبراير/شباط: «زرته ضحوة هذا اليوم وتكلمنا خلوة في المسائل الثلاث: السورية والعربية والإسلامية، كلاماً إجمالياً، وهو مرتاح لذلك، وقال: إن الأخيرة (أي الإسلامية) لم يسبق له تفكير فيها. أما الثانية فكان يريد أن يسعى لجمع كلمة زعماء العرب واتفاقهم…».

وفي لقاء آخر بتاريخ 10 فبراير، يحاول فيصل أن يقنعه بالبقاء في الشام ليكون حجر الزاوية في المسألتين «الإسلامية والعربية، لا العربية فحسب، وذلك أنني أقنعته بأن هاتين المسألتين متلازمتان، فلا يمكن تأسيس الوحدة العربية وإعادة مجد العرب وحضارتهم إلا بالإسلام، ولا يمكن إعادة هداية الإسلام وإصلاحه للبشر إلا باللغة العربية والأمة العربية».

وفي جلسة المؤتمر السوري التاريخية التي انعقدت بتاريخ 7 مارس/آذار 1920، التي أعلنت استقلال المملكة السورية وأعلنت فيصل ملكاً عليها، دار نقاش بين الأعضاء حول علمانية الدولة أم إسلاميتها. يسجل رشيد رضا: «لقد اقترح بعض أعضاء المؤتمر في هذه الجلسة أن ينص في قرار المؤتمر على أن حكومة سوريا المتحدة لا دينية (لاييك). انقسم أعضاء المؤتمر حول هذا. وافق بعضهم وعارضه آخرون، مقترحين أن ينص فيه على أنها حكومة عربية إسلامية ودينها الرسمي الإسلام».

يناقش الشيخ الأمر بطريقة هادئة براغماتية الطابع. أولا، أدرك الشيخ أن هذه فتنة كبيرة، ولا مخرج منها إلا بتجاوزها، فاقترح السكوت عنها. «ومما قلته إن إعلان كونها لا دينية يفهم منه جميع المسلمين أنها حكومة كفر وتعطيل لا تتقيد بحلال أو حرام، ومن لوازم ذلك أنها غير شرعية، فيجب عدم طاعتها وعدم إقرارها، بل يجب إسقاطها عند الإمكان، فوافق الأكثرون على هذا الرأي، وتقرر أن يكون دين ملك الدولة الرسمي هو الإسلام، فتقرر ذلك».

في عام 2024، منحنا التاريخ، للمرة الثانية، فرصة نادرة لإعادة تأسيس الدولة السورية على أسس العدالة والمساواة لكل أبنائها، وعلى قاعدتي العروبة والإسلام. منحنا التاريخ فرصة أن تعود دمشق شمساً تُشع بنورها على العالمين العربي والإسلامي، وأن تستعيد دورها الذي عطله الاحتلالان، الخارجي الفرنسي والداخلي الأسدي.

لذلك لا يجب، بأي حال من الأحوال، أن نفوت هذه الفرصة بتكبير الخلافات الصغيرة، أو بإحلال الثانوي مكان الأساسي. علينا أن نلُم صفوفنا ونبتعد عن كل ما يثير الفرقة والفتنة. فالتحديات التي أطاحت بالدولة السورية الأولى عام 1920 لدينا مثلها وأكثر، لأن القوى المعادية واقفة على الأبواب تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض علينا، كما فعلت قبل مائة عام ونيف، فعشنا قرناً كاملاً من العذاب. يجب أن نرتقي لمستوى التحديات ولا نضيع في الصغائر والتفاهات، وإلا ضاعت هذه الفرصة التي لا تأتي إلا كل مائة عام مرة، وربما لن تأتي ثالثة.

أعلن في شمرا