عودة السياسة إلى الشارع.. هل يصعد اليسار في أوروبا مجدداً؟

​شهدت الأسابيع والأشهر الماضية حالة من التوجس والقلق السياسي في مراكز القرار الأوروبي وبين القوى المجتمعية، خاصة تلك التي لديها توجهات يسارية أو الأحزاب التي تعتمد على المشاركة المجتمعية، مثل حزب الخضر وغيره، وذلك إثر الصعود الملحوظ للأحزاب اليمينية، والذي تجلى في المكاسب التي حققتها في الانتخابات المحلية والمناطقية في عدة دول، ولا سيما ألمانيا.

غير أن المشهد السياسي الأوروبي سرعان ما أظهر صورة أكثر تعقيداً، إذ لم يتأخر الرد الشعبي والشارع السياسي طويلاً، ليطرح تحرّك الميدان سؤالاً موازياً هل تشهد أوروبا عودة السياسة إلى الشارع؟ وهل يمهّد هذا الحراك الطريق أمام عودة اليسار الأوروبي؟

فقد شهد الشارع الفرنسي انطلاق ​الحراك الطلابي في خطوة تعبر عن إعادة اكتشاف الشارع، حيث ​شكلت فرنسا المحطة الأولى البارزة لهذا التحول، الذي امتد خلال أيام من باريس إلى عموم المدن الفرنسية وصولاً إلى الدولة المجاورة بلجيكا.

لم تبدأ الاحتجاجات الطلابية بشعارات أيديولوجية فضفاضة، بل انطلقت من أزمات قطاع التعليم وتدهور الخدمات الأساسية. وتلخصت مطالب الطلاب في معالجة نقص المدرسين وتغطية غيابهم، وتقليص ساعات الدوام المدرسي، وترميم الأبنية المدرسية المتهالكة، وزيادة المساعدات الموجهة للمدارس، إضافة إلى إعادة النظر في آلية القبول الجامعي المعقدة عبر منصة «باركورسوپ» (Parcoursup).

​طبيعة المطالب هي ما أدت بالحراك المطلبي إلى اتساع رقعته، فامتد من ضواحي باريس إلى مختلف المدن الفرنسية، وانضم إليه طلاب الجامعات والمعلمون والنقابات العمالية، فضلاً عن دعم شخصيات وسياسيين ينتمون لتيارات يسارية، مثل حزب فرنسا الأبية بزعامة السياسي الفرنسي جان لوك ميلانشون الذي اتهمته الحكومة (بتأجيج الحركة).

تحوّلت هذه الشكاوى المحلية المتفرقة إلى نقاش عام حول جودة التعليم، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، لكن هذا الحراك أفرز تساؤلاً حول طبيعة وقدرة ​الجيل Z وعودة السياسة من الباب الاجتماعي، حيث ​أعادت هذه المشاهد إلى الأذهان تقاليد الحراك الاجتماعي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عندما كان الحراك الطلابي والعمالي يشكل عنصر ضغط رئيسياً يقود المعادلة السياسية ويحدد شكل السلطة.

لكن الأهم في هذا الحراك أنه فكّك صورة نمطية شائعة حول ما يُعرف بـ “جيل الشبكات الاجتماعية (الجيل Z)”، ففي الوقت الذي اعتقد فيه الكثيرون أن شباب هذا الجيل الذين لم يتجاوز معظمهم الثامنة عشرة من العمر، غارقون في ثقافة ما بعد المادية ومظاهر الرفاهية الرقمية والاهتمامات الهامشية، أثبت الشارع عكس ذلك تماماً.

فعندما مست الأزمات الاقتصادية والاجتماعية احتياجاتهم الأساسية من تعليم وصحة وسكن ومستقبل مهني، أظهر هؤلاء الشباب وعياً سياسياً متقدماً، وقدرة عالية على التنظيم الذاتي، وصياغة مطالب واضحة، وتشكيل قيادات شبابية جديدة قادرة على محاورة السلطة والصدام مع قوانينها عند الضرورة، وقد ظهر ذلك في تصريحات بعض الشباب الذين تصدروا الحراك وكذلك في لقائهم مع وزير التعليم الفرنسي.

​وهذا يدل على أن السياسة لم تكن قد اختفت من المجتمع، بل كانت مُنحّاة جانباً، وعند أول اختبار حقيقي يرتبط بسبل العيش الكريم، عادت السياسة لتفرض نفسها ضرورة يومية، لعل العنوان العام للاحتجاجات كان مطالب طلابية لكنه يحمل في جذوره ، ​أزمة الخدمة العامة ومحدودية الطرح اليميني.

​حيث صعد اليمين في السنوات الأخيرة مستفيداً من مخاوف مجتمعية مرتبطة بقضايا الهجرة، والغلاء المعيشي، والتغيرات الاجتماعية والتداخل الثقافي، لكن التركيز على هذه القضايا لم يلغِ الآثار الخانقة للأزمات المعيشية والضغط الاقتصادي الذي تفاقم بسبب ظروف الحرب الروسية-الأوكرانية وسياسات التقشف الليبرالية.

​ومع فشل الحلول اليمينية أو الليبرالية في تحقيق الرفاه الموعود أو حماية القطاعات الأساسية عند أول تحدٍ عالمي للاقتصاد والأمن متمثلاً بالحرب الروسية الاوكرانية والتوتر في الشرق الأوسط، حيث شعر المواطن الأوروبي بتراجع دور الدولة في الرعاية الاجتماعية وملامح تدهور الخدمات العامة كالصحة والتعليم، نتيجة التضخم إضافة لارتفاع الأسعار والتخوف من نقص الطاقة.

هذا التراجع أعاد ترتيب الأولويات المجتمعية، فحين ينزل المواطن إلى الشارع للمطالبة بأبسط مقومات الحياة، تتراجع الشعارات الشعبوية لتمهد الطريق أمام العودة إلى الجذور المتمثلة في حقوق الإنسان الأساسية، والإنفاق الاجتماعي، والعدالة في توزيع الأعباء.

ولعل النموذج الألماني يمثل صورة للمشهد الأوربي الحالي والمعقد، ففي حين ​تُظهر الخارطة السياسية الأوروبية صورة متوازنة ومتباينة لا تسير في اتجاه واحد، فالانتخابات الإقليمية والمحلية في ألمانيا، على سبيل المثال، كشفت عن هذا الاستقطاب المتصاعد، ​حيث حقق حزب البديل من أجل ألمانيا AFD اليميني مكاسب بارزة في بعض الولايات والمناطق.

​في المقابل، سجلت الأحزاب اليسارية تقدماً ملموساً في مناطق أخرى، وعلى رأسها العاصمة برلين.

​هذا التباين يوضح أن المجتمعات الأوروبية لا تتجه نحو اليمين بشكل مطلق، بل تعيش حالة من التنافس الحاد وإعادة تشكل الخارطة السياسية وسط تراجع الأحزاب التقليدية في العديد من المواقع، هذا الاستقطاب يفتح ​الفرصة والتحدي أمام اليسار الأوروبي.

إذ ​تُشكل العودة إلى تقديس الخدمات العامة وتفعيل دور الدولة في الرعاية الاجتماعية فرصة أيديولوجية وسياسية مواتية لليسار الأوروبي، كونها تقاطعاً مباشراً مع أدبياته وبرامجه التاريخية، غير أن تقاطع مطالب المحتجين مع أهداف اليسار لا يعني بالضرورة عودته التلقائية إلى السلطة.

و​لكي يتحول هذا الحراك إلى مكاسب سياسية وازنة لليسار، يتعين عليه تجاوز الاستثمار الانتخابي العابر أو الاكتفاء بركوب موجة الغضب الشعبي، وذلك عبر العمل على: ​تحويل المطالب إلى برامج عمل جادة وتقديم طرح واقعي وقابل للتنفيذ يضمن جودة الخدمات العامة والعدالة الاقتصادية، و​تقديم إجابات شجاعة وشاملة وصياغة رؤى مقنعة حول الملفات الشائكة التي يؤرّق بها اليمين الشارع، وعلى رأسها الاقتصاد، الهجرة، والأمن الاجتماعي.

ولتحقيق ذلك لا بد من ​بناء الثقة مع الأجيال الجديدة وكسب ثقة الشباب والمحتجين المستقلين دون محاولة الوصاية عليهم أو اختزال حراكهم في أجندات حقيقية ضيقة، ​إن النتيجة الأكثر أهمية في هذه اللحظة ليست صياغة إجابة جازمة حول حتمية عودة اليسار إلى الحكم، بل الاعتراف بأن السياسة قد عادت إلى الحياة اليومية للمواطن الأوروبي.

أعلن في شمرا