منذ أعوام والدراما اللبنانية لا تشبه واقعها، وإن تكلمت عنه يبدو ذلك منمقاً أو مبالغاً في تقديمه.
تشارك الدراما اللبنانية هذا العام في الموسم الرمضاني بثلاثة أعمال. عدد يبدو غير قادر على المنافسة، في ظل فائض من الأعمال المصرية الجيدة، ونوعي من الدراما السورية التي عادت وبقوة بزوايا كانت محرمة، وخليجية بموازنات كبيرة.
منذ أعوام والدراما اللبنانية لا تشبه واقعها، وإن تكلمت عنه يبدو ذلك منمقاً أو مبالغاً في تقديمه. قليلة هي الأعمال التي تعاطت مع الواقع ببساطة وحوارات قوية ومتينة من دون إضافات يفرضها الإنتاج أحياناً.
اللافت أن الدراما اللبنانية تكرر ما تقدمه لكن بصورة مختلفة، وتدور حول مواضيع ذاتها فلا تلتقط فكرة وتتعمق فيها. على سبيل المثال لا الحصر، يشارك هذا العام مسلسل "بالحرام" في السباق الدرامي الرمضاني، وهو عمل من كتابة شادي كيوان وفادي حسين وإخراج فيليب أسمر وبطولة ماغي بوغصن، وباسم مغنية وتقلا شمعون ورندة كعدي وعدد من الممثلين.
بعد عرض 10 حلقات من العمل، نلاحظ حبكة غامضة حول ما يريد أن يقوله المسلسل وببطء، متناولاً الدعارة والاغتصاب والابتزاز والفقر ومشكلات الشباب والعائلات وكثير من القضايا الجانبية.
إذاً هو عمل يتحدث عن كل شيء من دون أن يتعمق بشيء، فتبقى المشكلات سطحية. واللافت أن بطلة العمل ماغي بوغصن باتت تقدم سنوياً شخصية تعاني كل مشكلات المجتمع، فهي التي تتعرض للاغتصاب، والتي هجرها أهلها وأساؤوا معاملتها، والتي تقرر الانتحار، والتي تضحك وتبكي وتقتل أحياناً، وهي النجمة والفتاة البسيطة، كل ذلك لتكون محور العمل، أو القضية الأساس فيه.
وبات من الواجب القول إن الممثلة لا تتمتع بقدرات تمثيلية بارزة، وفي كثير من المشاهد لا تقدم الإضافة الدرامية، كأن تتحدث مثلاً عما عانته في حياتها من مآسٍ (الحلقة الثامنة) من دون القدرة على ذرف دمعة واحدة. ولا يخفى على أحد هنا، أن المنتج هو زوجها، وبذلك يصبح فهم الأمور منطقياً.
أما من حيث الصورة البصرية، فكثيراً ما قدمت الدراما اللبنانية صورة جميلة وعصرية لافتة، وكانت سباقة بتقديم المواهب الإخراجية.
العمل الثاني المشارك هذا العام، "المحافظة 15" من كتابة الممثلة كارين رزق الله، وإخراج سمير حبشي. وينطلق من لحظة سقوط نظام بشار الأسد، وخروج معتقلين، لبناني وسوري، من السجون السورية بعد أعوام طويلة، ليرصد تأثير الماضي على حياتهما بعد نيل الحرية.
المشكلة الأبرز في هذا العمل، تكمن في الشخصية المحورية وهو المعتقل اللبناني الذي خرج من سجن صيدنايا بعد 28 عاماً اعتقالاً. حاول الممثل يورغو شلهوب تقديم شخصية المتوتر والخائف والضائع، لكنه لم يقترب كثيراً مما أراده.
انفعالاته كانت مبالغة أحياناً، والمشهد الأول الذي قدمه لحظة خروجه من السجن كان في حاجة لكثير من إدارة التمثيل والعناية بنفسية الشخصية وظروفها، وليس الاعتماد فقط على الخوف من البشر أو الحساسية من اقتراب أي أحد منه.
والملاحظة الأساس هنا على الشخصية، كيف يمكن لمعتقل تعرض لكل أنواع التعذيب والقهر النفسي والجسدي، أن يخرج بعد 28 من السجن وهو يملك وجهاً نضراً لامعاً وبوزن زائد.
من الممكن الاستنتاج هنا أن نظام بشار الأسد القمعي كان يؤمن للمساجين جلسات للعناية بالبشرة ووجبات غنية بالبروتينات والدهون. واللافت في العمل أنه يقدم موقفاً سياسياً من الدولة السورية وهي سابقة درامية، إذ يسمي وجودها في لبنان احتلالاً وهي قضية انقسم عليها اللبنانيون طوال فترة الوجود السوري.
أما آخر الأعمال المشاركة فهو "سر وقدر"، من إخراج كارولين ميلان وبطولة بيتر سمعان ورهف عبدالله، بمشاركة الفنان الراحل فادي إبراهيم في آخر أعماله الدرامية، وخصصت له تحية تكريمية مع بدء عرض المسلسل.
تدور القصة حول برلماني لبناني يتعرض لعملية اغتيال، تاركاً خلفه زوجة شابة وطفلتين تواجه مرحلة جديدة من حياتها، قبل أن تتقاطع قصة حب لاحقة مع أسرار مرتبطة بالجريمة.
العمل أنتج بموازنة بسيطة ومن خلاله يمكن الحديث عن مشكلات الدراما اللبنانية.
تخاف الدراما اللبنانية من الغوص في مشكلات البلد، وتكتفي بالتلميح والإشارات، وهذا ما يضعف المواضيع التي تتناولها ويسهم في تكرارها. فالبلد يعج بأفكار كثيرة ممكن الاستفادة منها في الدراما.
المفارقة الأكثر إثارة للانتباه، ربما، تكمن في ضمور الجرأة الموضوعية. داخل بلد مثل لبنان، حيث تتقاطع السياسة بالطائفية بالتاريخ الدموي، تبدو الدراما في معظمها مترددة في الاقتراب من هذه الملفات بعمق. تطرح القضايا غالباً كخلفية درامية لا كموضوع مركزي يستحق التفكيك. وهنا تخسر الدراما إحدى أهم وظائفها، أي مساءلة الواقع لا تجميله.
الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، ونزوح أهل الجنوب من مناطقهم بعد تدميرها، قد يصلح لمسلسل قوي وبخاصة أن الديكورات الطبيعية لا تزال موجودة (المنازل المدمرة)، على غرار ما حصل في المسلسل المصري "صحاب الأرض" الذي تناول ما حدث في غزة بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
لدينا أيضاً الحراك الشعبي عام 2019 وما رافقه من بطش من القوى الأمنية بالمتظاهرين، وقضية البنوك وسرقة أموال المودعين. في المقابل، ثمة عدد من ملفات الفساد السياسية والإدارية في الدولة.
اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري يصلح لمسلسل أيضاً، الحرب الأهلية وما فيها من مآسٍ وقضايا تصلح لإنتاج عشرات الأعمال الدرامية الجادة، وهنا لا بد من القول إن المخرجين اللبنانيين وبخاصة الشباب لم يُشفوا بعد من جراح الحرب الأهلية (1975-1990) ويقدمون صورة سينمائية جميلة.
معتقل الخيام وقصص التعذيب فيه تصلح للمعالجة الدرامية، قضايا المخدرات في البقاع والاحتلال السوري والتدخلات الأجنبية، قصة "حزب الله" وتحرير الجنوب عام 2000، شارع الحمرا وسرقة البنوك وانهيارها عام 1974، كلها مواضيع لم تتطرق إليها الدراما اللبنانية ولم تعالجها بصورة جدية وحصرية.
هذه مشكلة من المشكلات التي تعانيها الدراما لكن لا يزال هناك كثير.
يعد السيناريو مشكلة أساس في الأعمال اللبنانية، غالباً ما تكون الحوارات ركيكة ومنمقة بعبارات لا تُقال حتى في الصالونات، وإن اعتمدت لغة الشارع فثمة مبالغات في تقديمها بطريقة سوقية ومنفرة.
الخلطة التي تجمع ما بين الشعبي والأنيق، لم يجدها أحد حتى الآن، وإن كانت هناك محاولات لجمعها. وضمن سياق متصل، الرقابة ليست دائماً قرارات رسمية وملفات محكمة الإغلاق.
ويلاحظ ميل واضح نحو ما يمكن تسميته "الدراما القائمة على الصدمة"، أي تلك التي تعتمد على المفاجآت الحادة بدلاً من البناء التراكمي للشخصيات. في أعمال مثل "للموت"، تتكثف هذه الإشكالية، شخصيات تتبدل مواقفها بصورة فجائية، علاقات تتفكك ويُعاد تركيبها لخدمة الإيقاع، لا المنطق الداخلي.
هذا النمط من الكتابة لا يعكس فقط ضعفاً تقنياً، بل يكشف عن خلل أعمق في فهم الدراما بوصفها عملية تطوير مستمر للشخصيات، لا مجرد سلسلة من الأحداث. النتيجة هي نصوص قابلة للاستهلاك السريع، لكنها تفتقر إلى القدرة على البقاء أو إعادة المشاهدة، وهي معيار أساس في تقييم الأعمال الدرامية ذات القيمة.
وغالباً ما تقع النصوص في فخ التكرار، الميلودراما المفرطة، والاعتماد على قصص سطحية تفتقر إلى التعقيد النفسي أو البنية السردية المحكمة. مقارنة مع مدارس درامية أكثر رسوخاً، تبدو الشخصيات في كثير من الأعمال اللبنانية نمطية، تتحرك وفق قوالب جاهزة، لا وفق تطور درامي عضوي.
في المقابل، ثمة "رقابة استباقية". كاتب السيناريو يقص جناحيه قبل أن يطير، والمخرج يلطف الحدة قبل أن يتدخل أحد، والمنتج يحذف المشهد الإشكالي قبل أن يطلب أحد ذلك. والنتيجة أعمال تولد مُجتثة جزءاً من روحها.
قوانين ازدراء الأديان والتشهير والمس بالوحدة الوطنية كلها نصوص قانونية فضفاضة، يمكن توظيفها ضد أي عمل درامي يتجاوز حدود الراحة. وقد مثل أمام القضاء اللبناني عدد من العاملين في الإعلام بسبب مضامين فنية، وهذا وحده يكفي لبث الخوف في نفوس المبدعين.
جزء كبير من الإنتاج اللبناني يخضع لمنطق تجاري قصير الأمد، إذ تنتج الأعمال بسرعة لتلبية مواسم محددة، وبخاصة شهر رمضان، مما يؤدي إلى تراجع الجودة الفنية. شركات مثل Eagle Films أو "الصباح إخوان"، على رغم دورها في رفع حجم الإنتاج، تنتقد أحياناً لتركيزها على الكم أكثر من النوع، أو على النجومية بدلاً من النص.
ثمة سؤال فلسفي في قلب الأزمة الدرامية اللبنانية، ما الذي تريد الدراما أن تقوله؟ ولمن تقوله؟ وما الصوت الذي يميزها عن غيرها؟ هذه الأسئلة، التي قد تبدو ترفاً خلال وقت الأزمات، هي في الواقع جوهر المشكلة. الدراما القوية تنبع دائماً من هوية واضحة وصوت خاص ورغبة في قول شيء يستحق المشاهدة.
الدراما اللبنانية في أزهى أيامها كانت تقول "نحن نعرف ما يجري في هذا الشرق المعقد، ونستطيع أن نحكيه لكم بصدق وجرأة". هذه الثقة بالنفس وبالقصة المحلية باتت مهزوزة. كثير من الإنتاجات الحالية تقلد أسلوب الدراما المصرية أو الخليجية أو حتى التركية، دون أن تضيف النفس اللبناني الخاص.
ولا يمكن الحديث عن الهوية الدرامية دون التوقف عند الممثل اللبناني. المدرسة التمثيلية اللبنانية غنية تاريخياً، وفيها أسماء راسخة لا تزال تحمل الإرث بكفاءة. لكن الجيل الوسيط، ذاك الذي كان يفترض أن يكون الجسر بين الكبار والناشئين، تفرق في الهجرة والمهن البديلة. والجيل الأحدث كثيراً ما يصل إلى الشاشة قبل أن ينضج تمثيلياً، بسبب شح فرص التدريب الجادة.
ظاهرة "نجوم السوشيال ميديا" وملكات الجمال الذين يمنحون أدواراً محورية بسبب متابعيهم لا بسبب موهبتهم باتت أكثر شيوعاً. المنتج يحسب المعادلة التجارية، هذا الشخص لديه مليون متابع على "إنستغرام"، ووجوده يضمن ترويجاً مجانياً. لكن هذه المعادلة تضر على المدى البعيد بصدقية العمل الدرامي.
وثمة ميل واضح للاعتماد على أسماء جماهيرية مثل نادين نسيب نجيم أو تيم حسن لضمان التسويق، حتى لو كان النص ضعيفاً. هذا المنطق يخلق اختلالاً في الأولويات، إذ يصبح اختيار الممثلين سابقاً على تطوير العمل نفسه.
منذ أكثر من عقد باتت الدراما اللبنانية جزءاً من "الدراما العربية المشتركة"، وهي صيغة إنتاجية تجمع ممثلين من دول عدة. وعلى رغم أنها فتحت أسواقاً أوسع، فإنها في الوقت نفسه أسهمت في تمييع الخصوصية اللبنانية، وتحويل الدراما إلى منتج "عابر للهويات"، يفتقر أحياناً إلى العمق المحلي.
داخل بلد يتمتع نظرياً بهامش حرية، تبدو المفارقة أن الدراما اللبنانية غالباً ما تتجنب القضايا السياسية والاجتماعية الحساسة بعمق، أو تعالجها بصورة سطحية. نادراً ما نجد أعمالاً تغوص في تعقيدات الحرب الأهلية والطائفية، أو الفساد البنيوي بطريقة نقدية جريئة.
منذ انطلاق الحراك الشعبي خلال أكتوبر 2019، يرزح لبنان تحت وطأة أزمة اقتصادية متعددة الأوجه وصفها البنك الدولي بأنها من بين أشد الأزمات الاقتصادية في العالم خلال القرنين الماضيين.
انهارت الليرة اللبنانية بما يتجاوز 98 في المئة من قيمتها، وجمدت الودائع المصرفية، وانفجر مرفأ بيروت خلال أغسطس (آب) 2020 ليضيف طبقة من الدمار فوق طبقات. في قلب هذا الزلزال، وجد قطاع الإنتاج التلفزيوني نفسه على خط الزلازل مباشرة.
إن تكلفة حلقة درامية واحدة عام 2018 تضاعفت بالدولار عام 2025، لا بسبب ارتفاع معايير الجودة بل بسبب الانهيار الحاد في قيمة العملة الوطنية. المعدات التقنية المستوردة ومعدات الإضاءة وأجهزة المونتاج وحتى قضبان سكك السيارات المتحركة، كل هذه باتت تشترى بالدولار، في حين أن كثيراً من عائدات البث لا تزال تحسب بالليرة أو بسعر مدعوم لا يعكس الواقع.
الإعلانات التلفزيونية كانت تاريخياً الشريان الرئيس لتمويل الدراما اللبنانية. واليوم، أغلقت مئات الشركات اللبنانية أبوابها، وتراجعت موازنات التسويق بنسب تراوح ما بين 60 و80 في المئة وفقاً لتقديرات شركات الأبحاث الإعلامية الإقليمية. الشركات التي نجت باتت تفضل الإعلان الرقمي الأكثر قدرة على القياس والأقل كلفة، مما أفقد المحطات التلفزيونية اللبنانية دخلاً محورياً كانت تعتمد عليه.
في مواجهة هذا الواقع، لجأ المنتجون إلى جملة من الحلول الطارئة، بتقليص عدد الحلقات من 30 إلى 15 أحياناً، والتصوير داخل مواقع طبيعية عوضاً عن ديكورات مكلفة، وخفض أجور الممثلين بعد مفاوضات مضنية. لكن هذه الحلول تنعكس حتماً على جودة الناتج الدرامي، ويلاحظها المشاهد الذي بات أكثر تطوراً في ذوقه ومقارنته بالمنتجات الدولية.
الهجرة اللبنانية ليست ظاهرة جديدة، فلبنان بلد اعتاد تصدير أبنائه إلى العالم منذ قرن ونصف القرن. لكن موجة 2019-2025 كانت مختلفة في وتيرتها ونوعيتها. لم تكن هجرة الفقر والبحث عن لقمة العيش فحسب، بل هجرة الطبقة المتعلمة والمبدعة، هجرة من بنوا مسيرات مهنية وقرروا فجأة أن الاستمرار في لبنان صار ضرباً من العبث.
في الوسط الفني تحديداً يمكن رصد الأثر بوضوح، مخرجون شباب درسوا في معاهد متخصصة داخل بيروت وباريس وعمان، وحين عادوا لتطبيق ما تعلموه وجدوا بيئة لا تتيح لهم العمل بشروط إنسانية. أجور متدنية وموازنات شحيحة، وسوق إعلانية منهكة. فاختار كثر الرحيل.
ويقدر بعض العاملين في القطاع أن ما بين 30 و40 في المئة من الكوادر التقنية المتخصصة (مديري التصوير، مهندسي الصوت، خبراء المؤثرات البصرية) غادروا لبنان منذ عام 2020. وهذه خسارة يصعب تعويضها بسرعة، إذ إن تأهيل كوادر بديلة يحتاج أعواماً وبيئة تدريبية وظروفاً مستقرة، وهذه كلها غائبة حالياً.
ثمة بعد آخر لهذا النزف نادراً ما يذكر، فقدان الذاكرة المهنية. الكوادر التي غادرت كانت تحمل معها خبرات متراكمة ومدارس فنية عريقة، ومعها ذهب جزء من الروح الجماعية التي كانت تميز الإنتاج اللبناني. ما يُبنى في 20 عاماً يمكن أن يتآكل سريعاً.
شهدت الخريطة الدرامية العربية تغيراً جذرياً خلال عقد واحد، فبعدما كان أمام المشاهد خمسة أو ستة خيارات تلفزيونية، تحيطه اليوم مئات الخيارات الرقمية المتاحة خلال أي لحظة وعلى أي جهاز. المشاهد العربي اليوم يقارن المسلسل اللبناني ليس فقط بالمسلسل المصري أو الخليجي، بل بالأجنبي أيضاً.
في المقابل ثمة صعود للدراما الخليجية، فقبل 10 أعوام كانت تُنتج بمعايير متواضعة، وكانت الدراما اللبنانية تنظر إليها من علو. واليوم، تجاوزت الدراما الخليجية الدراما اللبنانية من ناحية الموازنات والانتشار والجودة التقنية في كثير من الأحيان. مسلسلات سعودية تعرض على منصات عالمية وتحقق مشاهدات مليونية، في حين يبحث المنتج اللبناني عن محطة تبث عمله.
الدراما التركية لم تُهزم. بعد أكثر من 15 عاماً على انطلاق "حريم السلطان" و"نور" على الشاشات العربية، لا تزال المسلسلات التركية المدبلجة بالعربية تحقق نسب مشاهدة عالية. الأسباب معروفة ومحللة، وتيرة درامية سريعة ومشوقة وصورة تقنية احترافية، وموضوعات إنسانية ذات جاذبية عابرة للثقافات، وشخصيات مصممة بعناية. الدراما اللبنانية، خلال الوقت ذاته، لم تبتكر بعد نموذجها الخاص القادر على منافسة هذا النموذج.
وتمثل المنصات الرقمية سيفاً ذا حدين بالنسبة إلى الدراما اللبنانية. من جهة، تعد تهديداً مباشراً إذ تنافس المحطات التقليدية على انتباه المشاهد وتقدم منتجات ذات جودة فائقة. ومن جهة أخرى، تفتح أمام صانعي الدراما اللبنانية نافذة ذهبية إن استطاعوا تقديم محتوى يرقى لمعاييرها. Netflix وApple TV وShahid نجحت في الاستثمار في محتوى عربي من دول مختلفة. والسؤال، لماذا لم تنتج الدراما اللبنانية حتى الآن العمل الذي يستحق أن تتسابق عليه هذه المنصات؟
الدراما اللبنانية لم تمت لكنها في غرفة الإنعاش، وأجهزة الإنعاش تعمل بالحد الأدنى. ولذلك ثمة خطوات يجب البدء بها ومنها:
- إنشاء صندوق وطني لدعم الإنتاج الدرامي بتمويل مشترك من الدولة والقطاع الخاص.
- تشجيع الإنتاج المشترك مع المنصات الدولية عبر حوافز ضريبية وإجراءات مبسطة.
- إطلاق برنامج وطني لتأهيل كتاب السيناريو والمخرجين وفق معايير دولية.
- إنشاء آلية واضحة ومحددة للرقابة تحل محل الغموض الحالي وتحمي المبدعين.
- دعم المبادرات الرقمية الشبابية وتوفير منصات توزيع إقليمية لها.
وربما الأهم من كل ذلك، أن يؤمن صانعو الدراما اللبنانية بأن قصتهم المحلية تستحق أن تُروى. لبنان بلد استثنائي في تعقيداته وتناقضاته ومآسيه وجماله، الحرب والسلم، والطائفية والتعايش، والانهيار والمقاومة، والضحك وسط الجحيم. هذه مادة درامية نادرة لا يمتلكها كثير من الشعوب. الدراما التي تجرؤ على سرد هذه القصة بصدق وعمق هي الدراما التي ستشاهد في العالم وتذكر في التاريخ.
ويمكن القول إن أزمة الدراما اللبنانية ليست أزمة موهبة، بل أزمة نظام إنتاج وثقافة صناعية. هناك طاقات تمثيلية وإخراجية لافتة، لكن غياب مشروع درامي متكامل، يوازن بين السوق والفن، يجعل هذه الطاقات تعمل ضمن حدود ضيقة. ما ينقص فعلياً هو الانتقال من "إنتاج مسلسلات" إلى "بناء صناعة درامية" ذات رؤية طويلة الأمد.