عاد مسلسل "بنات لالة منانة" بجزئه الثالث في الموسم الرمضاني الحالي بعد غياب دام 12 عاماً، وهو عمل درامي يحاول الجمع بين العلاقات الأسرية وبعض المواقف الدرامية والكوميدية، ضمن قصة تجري أحداثها في مدينة شفشاون، وتتمحور حول امرأة ذات شخصية تدعى لالة منانة وبناتها الثلاث: شامة ورحيمو وبهية.
حظي مسلسل "بنات لالة منانة" الذي يعرض في رمضان الحالي على القناة الثانية الحكومية في المغرب بنصيب وافر من الاهتمام وغير قليل من الانتقادات، محققاً على رغم ذلك نسبة مشاهدة عالية، وتابع الحلقة الأولى منه أكثر من 12 مليون مشاهد، أي 47.8 في المئة من حصة المشاهدة، وفق أرقام كشفت عنها القناة المعنية.
وانصبت هذه الانتقادات على عدد من مشاهد المسلسل التي وُصفت من طرف البعض بأنها "مخلة"، علاوة على ما اعتبره آخرون إساءة لهوية مدينة شفشاون الشمالية "المحافظة" التي صور فيها العمل الدرامي المذكور.
عاد مسلسل "بنات لالة منانة" بجزئه الثالث في الموسم الرمضاني الحالي بعد غياب دام 12 عاماً، وهو عمل درامي يحاول الجمع بين العلاقات الأسرية وبعض المواقف الدرامية والكوميدية، ضمن قصة تجري أحداثها في مدينة شفشاون، وتتمحور حول امرأة ذات شخصية تدعى لالة منانة وبناتها الثلاث: شامة ورحيمو وبهية.
بعد أعوام الغياب تجتمع الأخوات الثلاث بنات لالة منانة من جديد ليواجهن تحولات الحياة اليومية، والصراعات الشخصية والنفسية والعائلية الناجمة عن تعقيدات المعيش اليومي، وهو ما يدفعهن إلى اتخاذ قرارات جديدة لشق طريقهن في الحياة.
حاول صناع المسلسل الدرامي المذكور إبراز المسارات الحياتية الجديدة للبنات الثلاث اللائي على رغم كبر سنهن لا يزلن يخضعن لسلطة أمهن، ومنها قرارهن تكوين فرقة موسيقية نسائية تحيي حفلات الأعراس والزفاف والمناسبات السعيدة بالمدينة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي خضم هذا التحول الكبير في حياة البنات، بدأت تظهر الصراعات الشخصية والأسرية، والتناقضات بين الرغبة في تحقيق الذات وفرض نوع من الاستقلالية، وبين الطموح إلى التغيير والانفتاح غير المحسوب، مما يعرض البنات الثلاث إلى مواقف لا يحسدن عليها.
تضمن مسلسل "بنات لالة منانة" مشاهد وصفها البعض بـ"مخلة وغير لائقة"، فضلاً عن إيحاءات وُصفت بأنها لا تناسب الشهر الفضيل، وأيضاً تمرير أفكار تتعلق بعلاقة الحجاب (الخمار الأسود) بالتطرف.
في المقابل، يرى آخرون أن تلك المشاهد التي وُصفت بأنها مخلة بالأدب والحياء في مسلسل يقتحم بيوت المغاربة في وقت الذروة بعد الإفطار، تستند إلى سياقات درامية فرضها المسلسل ولم تسقط في الإسفاف بقدر ما أسيء تأويلها خارج مسارها الدرامي الطبيعي.
وصرحت بطلات المسلسل بأنه حاول التطرق إلى مواضيع حساسة ترتبط بإيقاعات الحياة اليومية المعاصرة وما يشوبها من تحديات وعوائق، غير أن الانتقادات لم تستوعب الجهود الفنية المبذولة وركزت على بعض المشاهد والعبارات المجتزأة من سياقاتها الدرامية.
في هذا الصدد يرى الناقد الفني فؤاد زويريق، أن العمل الإبداعي بطبيعته لا يخضع لقيد أو شرط، ولا يجوز أن تُفرض عليه وصاية أو رقابة من أي جهة كانت، فالإبداع، في تصوره، كائن حرّ يختار زاويته وخطابه من دون أن يكون ملزماً بالخضوع لمحاكمات دينية أو سياسية أو أخلاقية.
وأكد زويريق أن قيمة العمل الفني تقاس بقدرته على الاشتغال على وعي الجمهور وذائقته وتمثلاته، ضمن معايير وآليات الإبداع الجاد، لا وفق مقاييس أخلاقية ظرفية أو ردود فعل انفعالية.
وبخصوص الجدل الدائر حول مسلسل "بنات لالة منانة"، رفض زويريق حصر النقاش في عمل بعينه، معتبراً أن السؤال ذاته يتكرر في كل موسم درامي تقريباً، مبرزاً أنه سبق أن دافع عن أعمال درامية وسينمائية تعرضت لما وصفه بـ"المحاكمة الشعبية الأخلاقية"، انطلاقاً من مبدأ ثابت يتعلق بحرية الإبداع.
وذهب الناقد الفني إلى أن وضع أي عمل في "قفص الاتهام" ومحاكمته أخلاقياً لا يسيء إلى صُنّاعه بقدر ما يخدمهم، فإثارة الجدل، حتى عندما تأخذ شكل الرفض والغضب، تتحول في منطق السوق إلى طاقة ترويجية مجانية توسّع دائرة الانتشار وتزيد من الإقبال الجماهيري، وبهذا المعنى يصبح الجدل ذاته جزءاً من الآلية التجارية التي تضمن الربح، إذ يتحول العمل من منتَج فني قابل للنقد إلى "حدث" قابل للاستهلاك.
وحذر زويريق من أن هذا المسار ينقل مركز القيمة من الجودة الفنية والعمق الإبداعي إلى سجال سطحي ونقاش فارغ يغذي الفضول أكثر مما يغذي التفكير النقدي، فبدلاً من مناقشة المعالجة الفنية ومستواها الجمالي ينشغل الرأي العام بمعارك جانبية واستفزازات عابرة، مما يفرغ النقاش من مضمونه الحقيقي.
وذكّر المتحدث بأن "أي عمل تلفزيوني لا يصل إلى الشاشة إلا بعد مروره عبر قنوات ومساطر رقابية صارمة، وإذا كان لا بد من المساءلة فالأجدر أن تُوجَّه إلى الجهة التي سمحت بمرور العمل، لا إلى العمل ذاته"، مؤكداً أن العمل الإبداعي ينبغي أن يُحاكم فكرياً وفنياً فقط، وبخاصة عندما يستخف بذائقة المتلقي أو يتعامل معه كمستهلك ساذج، لا كمتلقٍّ واعٍ بماهية الإبداع الحقيقي الجاد.
لم تقتصر الانتقادات الموجهة إلى مسلسل "بنات لالة منانة" على المشاهد الموصوفة بالمخلة وغير اللائقة في شهر رمضان، بل تعدتها إلى انتقاد طريقة عرض هذا العمل الدرامي للهوية المحلية لمدينة شفشاون الشهيرة.
في هذا الصدد يقول عبدالحليم الشاوني، ناشط محلي بمدينة شفشاون، إن هذه اللؤلؤة السياحية الجميلة في شمال البلاد كانت تستحق صورة أفضل بكثير مما تم عرضه من مشاهد وقيم لا ترتبط بالهوية المحلية لهذه المدينة المعروف عنها محافظة سكانها على العادات والتقاليد المرعية للمجتمع الشمالي.
ووفق المتحدث ذاته، فإن مشهد انتقاد إحدى بنات لالة منانة لزي ممثلة أخرى ترتدي الجلباب وخمار الرأس، معتبرة إياه زياً غريباً عن المجتمع المحلي، لم يكن موفقاً لأنه هو الغالب في زي النساء الشفشاونيات من أمهات وجدات، مع اختلافهن في طريقة اللباس وحياكته.
وأكمل الناشط نفسه بأنه خلال الجزءين الأول والثاني، استعرض المسلسل المذكور فضاءات وأمكنة وعادات وتقاليد مدينة شفشاون، مما منح هذا العمل جمالية أخاذة زادت من نجاحه، غير أنه في هذا الجزء الثالث تم إقصاء الهوية التراثية لشفشاون بصورة لافتة، وبدت المدينة عبارة عن فضاء لقصص مكائد وفضائح نساء غير النساء الشفشاونيات الأصيلات.
في المقابل لا تخفي سامية أقريو، بطلة المسلسل والمشاركة في كتابة السيناريو، حبها لمدينة شفشاون حيث ولدت في هذه المدينة الملقبة بالجوهرة الزرقاء، لذا لا يمكنها إلا أن تقدم في هذا العمل الدرامي صورة جميلة وإيجابية عنها.
ترى أقريو أن مسلسل "بنات لالة منانة" منح شفشاون زخماً فنياً كبيراً زاد من إشعاع ودينامية المدينة، وحاول ملامسة عادات وحياة وخصوصيات سكانها وعمرانها الفريد، من دون أن يقع العمل الدرامي في فخ التوثيق التاريخي أو الاستعراض السياحي.