عن الخلط المتعمد بين الدولة والنظام والحكومة وتجريم السؤال

حين يقال للمواطن إن “الدولة تهان” لمجرد انتقاد وزير ومسؤول، أو إن “سقوط النظام يعني سقوط البلد”، لا يكون كلاماً بريئاً إنما اختزال مقصود للمفاهيم، الهدف منه إغلاق النقاش قبل أن يتطور إلى حالة من الوعي، فالمطلوب من المواطنين أن يتعاملوا مع الدولة والنظام والحكومة بوصفهم كياناً واحداً لا يجوز المساس به لا بالتحليل ولا السؤال ولا حتى الانتقاد.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى فهم تلك المصطلحات الثلاث وما تعنيه، فهم ما الذي يجب أن ننتقده، وما الذي يجب أن ندافع عنه، كذلك أين تنتهي حدود السلطة، وأين يبدأ حق المجتمع في المساءلة، فالتفريق بين الدولة والنظام والحكومة شرط أساسي لأي نقاش سياسي صحي، وحتى لا تُتهم أي مطالبة بالإصلاح بأنها هدم.

الدولة ليست حزباً ولا عائلة أو سلطة حاكمة، إنما هي مجموعة المؤسسات التي تعنى بخدمة المجتمع وتنظيم شؤونه، من القضاء إلى التعليم والجيش والبنية القانونية، وحين يتم اختزال الدولة في الحاكم يصبح الوطن رهينة السلطة، عوضاً عن أن تكون الأخيرة مجرد وظيفة داخل الوطن.

بعبارة أخرى، الدولة هي الكيان العام الدائم الذي يضم الناس والأرض والمؤسسات والسيادة، والإطار الذي نولد داخله، ونتعامل معه بوصفه حقيقة قائمة لا ترتبط بأشخاص بعينهم، تتغير الحكومات، وتتبدل الأنظمة، لكن الدولة تبقى ما بقي شعبها.

المشكلة الحقيقية تبدأ حين يقدم النظام نفسه على أنه شرط بقاء، لا مجرد خيار سياسي قابل للنقاش والمراجعة

النظام ليس الدولة، بل أحد أشكال إدارتها، ويمكن لدولة واحدة أن تعرف أكثر من نظام حكم عبر تاريخها من دون أن تفقد وجودها، على سبيل المثال سوريا التي سقط النظام السابق فيها قبل أكثر من عام ومازالت مستمرة.

ومن هنا فإن تغيير النظام لا يعني هدم الدولة، وربما تسعفنا الذاكرة اليوم لنتذكر كيف أن إعلام النظام السابق روّج لفكرة سقوط الدولة بحال سقط الأسد كمثال حي عن مدى التزييف الذي يستخدم بخلط المفاهيم حتى يتمكن النظام الدكتاتوري من التحكم بالناس.

في الأنظمة القمعية يتم تحميل الحكومة رمزية الدولة، فيصبح انتقادها أو انتقاد أحد وزرائها خيانة وتقييم أدائها مساساً بالوطن

باختصار، النظام هو الصيغة التي تدار بها الدولة، كيف توزع السلطة، من يقرر، ما هي حدود الصلاحيات، وما علاقة الحاكم بالشعب، وهنا ندخل إلى عوالم القوانين السياسية والدستور وطبيعة الحكم سواء كان ديمقراطي أو سلطوي أو خليطاً مشوهاً بينهما.

المشكلة الحقيقية تبدأ حين يقدم النظام نفسه على أنه شرط بقاء وليس سلطة أو طريقة فعل سياسي قابل للنقاش والمراجعة.

عن الخلط المتعمد بين الدولة والنظام والحكومة وتجريم السؤال

الحكومة هي الجزء التنفيذي من السلطة، وهي الأكثر تغييراً بين المفاهيم الثلاثة، تتكون من وزراء ومسؤولين يتولون إدارة الشأن اليومي والخدمات مثل الاقتصاد، التعليم، الصحة، الخدمات، الحكومة تعمل ضمن نظام قائم، وداخل دولة موجودة، ويفترض أن تكون خاضعة للمساءلة والتبديل.

في الدول المستقرة، ينظر إلى الحكومة بوصفها فريق عمل مؤقت، سواء نجح أو فشل فإنه لا يمس شرعية الدولة ولا يهدد وجودها، لكن في الأنظمة القمعية يتم تحميل الحكومة رمزية الدولة، فيصبح انتقادها أو انتقاد أحد وزرائها خيانة وتقييم أدائها مساساً بالوطن.

أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس تغيير الحكومات أو الأنظمة، بل تحويل الدولة إلى شعار يستخدم لإسكات الناس بدل أن يكون إطاراً يحميهم

لأن الأنظمة السلطوية تميل إلى تذويب الحدود بين المفاهيم، فهي تقدم نفسها على أنها الدولة، وتسقط قدسية الوطن على الحكومة القائمة، وتتلبس النظام ثوب الاستقرار، بهذا الترتيب، يصبح أي نقد للحكومة تهديداً للدولة، وأي دعوة لتغيير النظام خطراً على المجتمع.

ومع مرور الوقت، يتشرب الناس هذا المنطق، فتستخدم المصطلحات بلا تمييز، ويضيع النقاش العام بين الدفاع والهجوم بدل الفهم والتحليل، والأخطر أن تغيير الأنظمة يحدث بين ليلة وضحاها أحياناً، لكن تغيير ما كرسته تلك الأنظمة في عقل شعبها يحتاج إلى تراكم خبرات سياسية وتوعية طويلة الأمد، وهذا ما يساعد على إنتاج المزيد من الأنظمة السلطوية واستمرار النهج ذاته حتى بتغير النظام.

وهكذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس تغيير الحكومات أو الأنظمة، بل تحويل الدولة إلى شعار يستخدم لإسكات الناس بدل أن يكون إطاراً يحميهم.

أعلن في شمرا