كتاب “الإصابة في تمييز الصحابة” لابن حجر.. أربعون عاماً من التصنيف والتدقيق

دمشق-سانا

في ليلة من ليالي ذي الحجة لعام سبعة وأربعين وثمانمئة للهجرة، وضع الحافظ ابن حجر العسقلاني قلمه جانباً وتنفس الصعداء، وهو ينظر إلى تل من الأوراق والمسودات التي أمضى في جمعها وتحريرها قرابة أربعين عاماً كاملة، متهجداً في محراب العلم ليوثق أدق تفاصيل الصحابة، فكان هذا المخاض الطويل ولادة لكتابه “الإصابة في تمييز الصحابة”.

هذا الكتاب الذي غدا الموسوعة الأهم والأشمل في تراجم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبارهم، ينتمي إلى عيون التراث العربي ومؤلفه هو قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني، والذي عد إمام عصره في الحديث والرجال، وصاحب المؤلفات المرجعية الشاهدة على عبقريته.

يضم “الإصابة في تمييز الصحابة” تراجم واسعة للرجال والنساء ممن نُسبت إليهم الصحبة، مع تقسيمهم إلى أقسام تراعي اختلاف الروايات ودرجات ثبوت الصحبة، ويبحث المؤلف في الأخبار التي وردت عن أصحاب التراجم، ويورد ما يتصل بإثبات صحبتهم، ويوازن بين أقوال العلماء ومصادرهم.

ومن أبرز جوانب منهجه الاستدراك على المصنفات السابقة، والتنبيه إلى الأخطاء التي وقعت في نسبة بعض الأشخاص إلى الصحابة، فضلاً عن توثيق الأخبار ومناقشة أسانيدها، كما استعان بمصادر متنوعة، ونقل معلومات من مؤلفات سابقة لم يصل بعضها إلينا كاملاً، فأسهم بذلك في حفظ جانب من المادة التاريخية التي اعتمد عليها العلماء في دراسة تراجم الصحابة.

وتتفاوت التراجم في الكتاب من حيث الطول والاختصار بحسب ما يراه المؤلف ضرورياً لتوضيح حال صاحب الترجمة، أو مناقشة الروايات المتعلقة به، كما يستعين ابن حجر بأطراف الأحاديث أو مواضع الشاهد منها عندما لا تكون هناك حاجة إلى إيراد النص كاملاً، مع عنايته بالحكم على الأسانيد وبيان ما يستفاد منها في موضوع الصحبة.

حظي “الإصابة في تمييز الصحابة” باهتمام العلماء والباحثين، لما تضمنه من جمع وتحرير واستدراك، ولما أتاحه من مادة واسعة لدراسة أخبار الصحابة ومروياتهم.

الإمام شمس الدين السخاوي، تلميذ ابن حجر، توقف في كتابه “فتح المغيث”، عند ما بذله المؤلف من جهد في جمع الروايات، وتحقيق المسائل التي تبدو متعارضة، وإضافة معلومات وتتمات إلى ما سبقه من مصنفات.

كما بين العلامة أحمد شاكر أن كتاب “الإصابة” أكثر كتب معرفة الصحابة جمعاً وتحريراً، مع ملاحظته أن التراجم فيه مختصرة.

وقال الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي في مقدمة تحقيقه الطويل والموسع لكتاب “الإصابة في تمييز الصحابة”، الصادر عن مركز هجر للبحوث والدراسات الإسلامية والقاهرة عام 2008م: “إن الموسوعة لا غنى عنها للمؤرخ والمحدث والأديب، لما اشتملت عليه من تراجم كثيرة ومادة علمية واسعة في تاريخ الصحابة”.

يبرز في تاريخ تأليف الكتاب طول المدة التي استغرقها ابن حجر في جمع مادته ومراجعتها وترتيبها، فقد ذكر المؤلف في خاتمة كتابه أن بداية جمعه كانت سنة 809هـ، وأن الكتابة فيه انتهت في ثالث ذي الحجة سنة 847هـ، أي إن العمل امتد قرابة أربعين عاماً، وإن كان التأليف والكتابة كانا يجريان على فترات متباعدة.

وتكشف هذه المدة عن حجم الجهد المبذول في جمع التراجم ومراجعة المصادر وإعادة ترتيب المادة، ولا سيما أن المؤلف أشار إلى أنه كتب مسوداته مرات عدة سعياً إلى الوصول إلى ترتيب يراه مناسباً، مع استمرار إمكان إضافة أسماء أخرى.

تعاقبت طبعات الكتاب منذ القرن التاسع عشر الميلادي، ومن بينها طبعة مطبعة السعادة في القاهرة مطلع القرن العشرين، كما صدرت طبعات بتحقيق عدد من الباحثين.

ومن الطبعات المعروفة طبعة محمد علي البجاوي الصادرة عن دار الجيل في بيروت، وطبعة دار الكتب العلمية بتحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض.

وتعكس هذه الطبعات استمرار اهتمام الباحثين بالكتاب، سواء من حيث تحقيق نصه وضبطه، أو دراسة منهجه ومصادره، أو الإفادة من مادته في البحوث المتعلقة بالتاريخ الإسلامي وعلوم الحديث والتراجم.

هو أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، المعروف بشهاب الدين أبي الفضل ابن حجر العسقلاني، أحد أبرز علماء الحديث في القرن التاسع الهجري، ولد في مصر سنة 773هـ/1372م، وتوفي في القاهرة سنة 852هـ/1449م.

برز في علوم الحديث والرجال والتاريخ، وتولى التدريس والقضاء، وترك مؤلفات عديدة، من أشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، و«تهذيب التهذيب»، و«لسان الميزان»، إلى جانب «الإصابة في تمييز الصحابة”.

أعلن في شمرا