وين بترك ولادي؟ ..مع بداية كل صباح عمل، تواجه كثير من الأمهات العاملات سؤالاً لا يقل ثقلاً عن ضغوط الدوام نفسه أين سأترك طفلي اليوم؟ وبين ارتفاع تكاليف الروضات وغياب خيارات رعاية مناسبة، تجد كثيرات أنفسهن مضطرات للاعتماد على الأقارب كحل شبه وحيد، رغم ما قد يحمله ذلك من تحديات تربوية ونفسية.
رنا، معلمة وخريجة تاريخ، تعيش هذه المعادلة يومياً، تقول لـ”سناك سوري” إنها انفصلت عن زوجها منذ كان عمر طفلتهما عام واحد أقامت بدايةً في منزل عائلتها، لكن اختلاف أساليب التربية خلق توتراً دائماً، “كنت أعاقبها أو أحاول أربيها بطريقة معينة، فيتدخل أهلي ويراضوها، وصرت ما عاد أقدر اضبط أي قاعدة”، تضيف.
لاحقاً انتقلت للعيش في منزل شقيق والدها كونه مسافر والمنزل فارغ، بحثاً عن استقلالية أكبر، لكن المشكلة بقيت قائمة، “كل ما بطلع عالمدرسة بنتي رح تبقى عند أهلي، وصارت تعرف تهرب لعند ستها أو خالتها كل ما طلبت منها شي”، تقول رنا، مشيرة إلى أن ابنتها باتت أقل تحملاً للمسؤولية وأكثر ميلاً للدلال.
النساء في قانون العمل السوري .. كيف تحوّلت مواد حماية الحقوق إلى وسائل تمييز؟
التجربة نفسها ترويها رزان، موظفة في المحافظة وأم لعدة أطفال، إذ كانت تضطر لترك أولادها لدى عمتهم خلال دوامها، “كل مرة أرجع بلاقي قواعد جديدة شو مسموح وشو ممنوع، وكنت أنا أطلع بصورة الأم القاسية لحتى أعيد التوازن”، تقول، وتضيف أن أبناءها باتوا يشعرون بأمان أكبر لدى عمتهم، حتى أنهم يطلبون البقاء عندها حتى بعد عودة والدتهم من العمل.
وترى رزان أن المشكلة لا تتعلق فقط بالخيارات التربوية، بل أيضاً بغياب البدائل العملية، لافتة إلى أنها لم تتمكن من تسجيل طفلها الأصغر في روضة بسبب ارتفاع القسط.، “صار يبقى عند عمته، لأنو ببساطة ما في مكان تاني أقدر أتركه فيه”، تضيف.
ويضم قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010 مواداً لم تعرف طريقها إلى التطبيق على أرض الواقع، فالمادة 126 أوجبت على صاحب العمل الذي يستخدم 100 عاملة فأكثر في مكان واحد أن يوفّر داراً للحضانة أو يعهد إلى دار للحضانة برعاية أطفال العاملات على ألّا يقل عدد هؤلاء الأطفال عن 25 ولا تزيد أعمارهم عن 5 سنوات، وتلزم المادة 127 صاحب العمل الذي يستخدم ما لا يقل عن 20 عاملة متزوجة، تهيئة مكان مناسب يكون في عهدة مربية مؤهلة لرعاية أطفال العاملات الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات إذا كان عددهم لا يقل عن 10 أطفال.
الأمهات العاملات: الحكومة اعترفت بمعاناتنا دون أن تفكر لنا بحل!
يرى مختصون أن تدخل أكثر من طرف في تربية الطفل قد يؤدي إلى تلقيه توجيهات متناقضة، ما يسبب ارتباكاً في فهم القواعد والسلوكيات المطلوبة كما قد ينعكس ذلك على العلاقة العاطفية بين الطفل ووالديه، إذ يقضي وقتاً أطول مع الأقارب، ما قد يقلل شعوره بالقرب والدعم المباشر منهم.
كذلك قد يتعرض الطفل لتشتت في التركيز نتيجة تعدد الالتزامات والتوجيهات من مصادر مختلفة، وهو ما قد يظهر في سلوكه داخل المنزل أو في أدائه المدرسي.
وتشير تجارب رنا ورزان إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بتربية الأطفال، بل أيضاً بغياب منظومة دعم واضحة للأمهات العاملات، تتيح لهن وضع أطفالهن في بيئة آمنة ومنظمة خلال ساعات الدوام، بعيداً عن الاضطرار للاعتماد الدائم على الحلول العائلية.