كان “أبو فخامة” مواطناً عادياً، إلى أن أقنعته البيانات الرسمية أن الألقاب تصنع المكانة، فبعد أن قرأ كلمة “فخامة” خمس مرات في بيان واحد، سأل نفسه “ما الذي يجعلهم أفضل مني؟”.
لم يكن “أبو فخامة” شخصاً عادياً، رجل متزوج أربع نساء، يسكنون في بيت واحد، ويعيش فيه عدد من الأولاد يكفي لتشكيل منتخب واحتياط، ويؤمن أن لا أحد في هذا المنزل يضاهيه أهمية، ومع هيك كان الجميع ينادونه إما “بابا” أو “زوجي” وفي بعض الأحيان “حبيبي” بحسب مزاج الزوجات الأربع، وهنا بدأت المشكلة.
في صباح يوم عادي، قرر “أبو فخامة” أن هذا التقصير لم يعد مقبولاً، فالإنجازات يجب أن تُكافأ بالألقاب، جمع زوجاته وأبناءه وأعلن القرار، الذي بموجبه بات عليهم أن ينادونه “فخامة الأب” “فخامة الزوج”، تحت طائلة المسؤولية!
“أبو فخامة” لديه سجل حافل بالإنجازات التي تستحق أن يطلق عليه لقب “فخامة”، مثلاً الإنجاب، ليس سهلاً، بحسب منطقه، أن يمنح الوطن هذا العدد من الأولاد، الذين يطالبونه بالمصروف والرحلات والطعام وما عليه سوى الموافقة بحسب مزاج “فخامته” أو “وفق الإمكانات المتاحة”.
الإنجاز الثاني إدارة المنزل، المليء بالصخب والتوتر وكل واحد فيهم مستعد للانقضاض والهجوم على الآخر، ورغم فشله في تقليل الخلافات والتعامل معها، إلا أن الإنجاز يكمن بقدرته على الظهور بمظهر القائد وتصدير فكرة للجيران أن “الخناقة التي وصل صوتها إليهم قبل قليل” كانت عبارة عن لعبة صاخبة فحسب!
أما الإنجاز الثالث، فهو السلطة، لا أحد في البيت يستطيع أن يقول له “لا”، وإلا فإن المصير سيكون الطرد، وبأحسن الأحوال الحرمان من المصروف القليل أساساً، وهذا بحسب معايير بطل قصتنا “استقرار أسري”!
من أبرز إنجازات فخامة الزوج قدرته الاستثنائية على الوعد، كل عيد، يعد الأولاد بمشوار عالربوة، كل صيف، يعدهم بسفرة على طرطوس، وكل شتاء، يعدهم أن “نطلع لما يتحسن الجو”.
صحيح أن أي وعد لم ينفذ أبداً، لكن فخامة الزوج يعتبر أن المنصب يسمح له بالوعد، وأما التنفيذ فمرحلة لاحقة، ليس من الضروري أن تأت، لكن مجرد الوعد يرفع المعنويات ما يعني أنه يستحق لقب “فخامته”.
لم يتوقف الأمر عند حدود البيت، في الحي، صار فخامة الجار، وفي الدكان، فخامة الزبون، وعند الفرن، فخامة المنتظر في الدور، وأي شخص لا يستخدم اللقب كاملاً، يشتبه فوراً بعدم تقديره للهيبة.
وهكذا، تحول أبو فخامة من نكتة منزلية إلى نموذج وطني ناجح، فالألقاب في هذه البلاد أهم من الخبز، والهيبة أهم من الحقيقة، وأي مواطن يطالب بالحقوق يتهم فوراً بأنه لا يعرف كيف يخاطب “فخامته” بالشكل اللائق.