محبة رسول الله ﷺ ليست كلمة تُقال، ولا مشاعر موسمية تشتعل في مناسبة ثم تخبو بانقضائها؛ وإنما هي أصل عظيم من أصول الإيمان، تظهر آثارها في القلب واللسان والعمل. قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»، رواه البخاري (15)، ومسلم (44). فالمحبة الصادقة ليست مجرد إحساس، بل تحمل صاحبها على التعظيم والتوقير والاقتداء؛ لأن من أحب رسول الله ﷺ أحب هديه، وسعى أن يكون لحبه أثر في حياته.
أولًا: المحبة الحقيقية.. اتباع لا ادعاء
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. فجعل الله الاتباع علامة صدق المحبة. وليس المحب الصادق من أكثر الحديث عن النبي ﷺ، بل من كان هديه حاضراً في صلاته وصدقه ورحمته وأمانته. وقد يكون الاتباع سهلاً حين يوافق هوانا، لكن المحبة تظهر حقيقتها حين يتعارض هدي النبي ﷺ مع عادة ألفناها أو هوى نميل إليه؛ فهناك يُختبر الصدق: أنُقدّم ما جاء به ﷺ، أم نقدّم ما تهواه أنفسنا؟
ثانياً: التعظيم.. إجلال يليق بمقام النبوة
قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9]. وتعظيمه يكون بالقلب محبةً وإجلالاً، وباللسان بالصلاة والسلام عليه، وبالجوارح باتباع أمره واجتناب نهيه. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. ومن توقيره أن نقدّم هديه على الهوى والعادة، فلا يكون التعظيم ألفاظاً تخالفها الأعمال.
ثالثًا: حين ظهرت المحبة في المواقف
كان أصحاب رسول الله ﷺ أصدق الناس محبة؛ لأن محبتهم لم تكن دعوى، بل ظهرت آثارها في مواقفهم وثباتهم وتعظيمهم له ﷺ:
تلك هي المحبة حين تصنع أثراً في الإنسان: تعظيماً في القلب، واتباعاً في العمل، وثباتاً عند الاختبار.
رابعاً: المحبة ليست مناسبة في العام
قد يحرص بعض الناس على إظهار المحبة في مناسبة معينة، ثم لا يكون للسنة في بقية العام نصيب يوازي تلك المشاعر؛ فلا يحافظون على هديه، ولا يحرصون على الاقتداء به. ولا نقصد الحكم على النيات؛ فالقلوب يعلمها الله، وإنما نتحدث عن ميزان المحبة وأثرها الظاهر في العمل. فالمحبة التي يريدها الشرع ليست موسمية، بل تمتد في اليوم والليلة، وفي البيت والعمل والعلاقات.
وقد ضرب النبي ﷺ مثالاً بليغاً في أن العبادات لا يُراد منها صورتها الظاهرة فحسب، بل ما تثمره من أثر؛ فقال: «رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوعُ والعطش»، رواه أحمد (8856)، وإسناده جيد. ولهذا قال ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، رواه البخاري (1903).
وهكذا لا ينبغي أن يكون نصيب المرء من محبة النبي ﷺ مظهراً موسمياً لا يتبعه اقتداء، ولا شعاراً لا يغيّر سلوكاً؛ فالمحبة الصادقة يمتد أثرها في حياة صاحبها، ويظهر في عبادته وأخلاقه ومعاملاته ومواقفه. قال ﷺ: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»، رواه البخاري (5063)، ومسلم (1401). فالسنة ليست موسماً، ولا تُتبع في جانب وتُهجر في جانب، بل هي هدي حياة.
خامساً: حب بلا غلو
قال ﷺ: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله»، رواه البخاري (3445). وأنكر على من قال: «ما شاء الله وشئت»، فقال: «أجعلتني لله ندًّا؟! بل ما شاء الله وحده»، رواه ابن ماجه (2117)، وأحمد (1839)، والنسائي في السنن الكبرى (10759)، وصححه الألباني. فالمحبة الصحيحة تجمع بين كمال التعظيم وكمال التوحيد؛ نعرف له مقامه، ولا نرفعه فوق منزلته.
سادساً: المحبة التي تصنع حياة
إن أحببناه حقاً، فليظهر أثر ذلك في:
قال ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق»، رواه أحمد (8952)، وصححه الألباني. وهنا يظهر الاختبار الحقيقي: كيف نتصرف حين نغضب؟ كيف نختلف؟ كيف نعامل من لا نحتاج إليه؟ كيف نؤدي الأمانة حين لا يراقبنا أحد؟ هناك، لا في الشعارات وحدها، يظهر مقدار اقتدائنا بالنبي ﷺ.
حياة لا ذكرى
قال ﷺ للرجل الذي أخبره بحبه لله ورسوله: «أنت مع من أحببت»، رواه البخاري (3688)، ومسلم (2639). وهذه بشارة عظيمة، لكنها حافز لا اكتفاء. ومن أحب النبي ﷺ حقاً، جعل غايته أن يكون معه في الآخرة، فترجم هذه الغاية في الدنيا بأن يكون على هديه، مقتدياً بسنته، متخلّقاً بأخلاقه. فالمحبة الصادقة ليست يوماً في السنة، وإنما سنة في كل يوم؛ وليست شعاراً يُرفع، وإنما هديٌ يُتبع؛ تبدأ من القلب، ويشهد لها التعظيم، ويبرهن عليها الاتباع. اللهم ارزقنا حب نبيك محمد ﷺ، واتباع سنته، والتأسي بهديه، والتخلّق بأخلاقه، واجمعنا به في الفردوس الأعلى برحمتك يا أرحم الراحمين.