تشهد البنية الاقتصادية والاجتماعية السورية تحولات هيكلية بالغة الحساسية، حيث وضعت حزم القرارات الأخيرة المتعلقة بتحرير أسعار المشتقات النفطية ورفع تكلفة الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه واتصالات المجتمع أمام معضلة معيشية بالغة التعقيد.
إن الإسراع في تطبيق آليات اقتصاد السوق الحر في بيئة وطنية خرجت للتو من أتون مخاض ثوري وحرب مدمرة طالت مقدراتها البنيوية، يمثل خياراً اقتصادياً محفوفاً بالمخاطر. فالإلغاء المتسارع لشبكات الأمان الاجتماعي عن الشرائح الأكثر هشاشة يقوّض المضمون المعيشي لمنجزات الحرية السياسية التي تطلع إليها السوريون لحفظ كرامتهم. ويفرغ هذا التحول من جوهره الحقيقي، ليستبدل المركزية الإدارية السابقة باستبداد قوى رأس المال والأسواق الاحتكارية الناشئة بعيداً عن أدوات الضبط والرقابة الصارمة.
إن إقحام النظريات الرأسمالية المتوحشة دون فترات انتقالية ودون بنية تحتية قادرة على المنافسة يُنذر بتآكل المكتسبات المعنوية والسياسية التي دفع الشارع أثماناً باهظة لتحصيلها، محولاً المعركة من السعي وراء نموذج حكم عادل إلى كفاح يومي مرير من أجل البقاء البيولوجي الأساسي. ولم يكن الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات سوى المحفز المباشر الذي فجّر تراكمات هيكلية ممتدة من المعاناة؛ إذ يواجه المواطن تضخماً متسارعاً وجشعاً تجارياً يفتقر إلى الرادع المؤسساتي، ما منح بعض الكتل المالية سلطة احتكارية في فرض الأسعار وتوجيه حركة الأسواق.
ومع كل زيادة تطال الرسوم الجمركية والضرائب على المستوردات، يتضاعف العبء على المستهلك النهائي دون أن تقابل هذه الجباية سياسات حمائية تكافئ قدرته الشرائية، ما يوسع الفجوة بين الدخل الفعلي ومتطلبات الحياة المعاصرة، ويجعل من تأمين الغذاء، والدواء، ومصاريف التعليم تحديات شبه مستحيلة للأسر متوسطة ومحدودة الدخل.
وفي مواجهة هذا الغليان، تعتمد المقاربات الرسمية أحياناً على تكتيكات توجيهية وهندسة اجتماعية لتمرير القرارات الجائرة، تتنوع بين التخدير بوعود انفراجات وشيكة لاستنزاف الزخم الاحتجاجي في الترقب، أو اتباع أسلوب اختبار الصدمة عبر تسريب سيناريوهات مفرطة القسوة ليغدو القرار الفعلي مقبولاً نسبياً، وصولاً إلى التطبيع التدريجي مع الأزمات وافتعال قضايا جانبية لتشتيت الاهتمام عن صلب المشكلة المعيشية.
بيد أن هذه المناورات السياسية والخطط الإعلامية تصطدم بوعي مجتمعي متماسك تشكّل عبر تجربة مريرة وعميقة؛ فالشارع اليوم لم يعد يطلب الوعود المؤجلة أو الحلول الترقيعية، بل يطالب بالشفافية المطلقة والمصارحة بالحقائق الهيكلية مهما كانت قاسية، بدلاً من سياسات إدارة التوقعات وصناعة الآمال الزائفة التي تنتهي دائماً بارتطام عنيف وصدمة قاسية أمام الواقع المعاش الصلب.
إن استمرار ظاهرة المناشدة المباشرة لقمة الهرم السياسي عند كل منعطف اقتصادي أو أزمة معيشية لا يعكس بالضرورة استقرار النظم البيروقراطية، بل يؤشر بدلالة واضحة على غياب القنوات الرسمية والوسيطة القادرة على تمثيل نبض الشارع ونقل صوته بفاعلية ومسؤولية.
وفي هذا السياق، يتجلى القصور الواضح في أداء مجلس الشعب الذي انكفأ داخل قوقعة مكتبية إجرائية ضيقة أفقدته المبادرة السياسية والرقابية، وبات عاجزاً عن ممارسة دوره الحقيقي في مراجعة السياسات المالية للحكومة، ومحاسبة المسؤولين عن القرارات الارتجالية التي أضرت بالسلم المجتمعي.
وفي ظل هذه الإدارة القائمة في مرحلة ما بعد الثورة، يتوجب على صناع القرار والممسكين بزمام المبادرة إدراك أن الاستقرار المستدام والأمن القومي الحقيقي لا يتحققان بالمقاربات الردعية أو الإدارية الصرفة، بل يتأسسان بالدرجة الأولى على نموذج اقتصادي يحمي كرامة الإنسان بعدالة توزيع الثروات والمنافع العامة والمادية. فالذين يعبرون عن احتجاجهم في الشوارع ويعلنون رفضهم لقرارات الإفقار هم النواة الصلبة لهذه البلاد، والبيئة الاجتماعية الحاضنة للمؤسسات، ومن بينهم عائلات منتسبي المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية.
ومطالب هؤلاء ليست حراكاً تخريبياً أو تمرداً على كيان الدولة، بل هي صرخة وعي وطنية لإنقاذ السلم الاجتماعي من التفكك، واحتواء هذا الغضب بالحوار العاجل والاستجابة للمطالب يمثلان قمة المسؤولية السياسية وحماية للدولة من اتساع الفجوة بينها وبين مواطنيها.
أمام هذا الانفصال التام بين التوجهات التكنوقراطية للحكومة ومصالح الأغلبية الكادحة، تبرز حاجة ملحة لولادة تيار فكري واقتصادي يماثل في فلسفته حركة “حزب الشاي” التاريخية، ولكن بقالب وطني خالص يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والاصطفافات الحزبية الضيقة. ولا تعني هذه الدعوة بأي حال من الأحوال الارتداد نحو المقولات الاشتراكية أو سياسات التخطيط المركزي التي باتت تنتمي إلى ماضٍ بائد أثبتت التجربة الإنسانية والوطنية عدم كفاءته وميله لإنتاج البيروقراطية والفساد، بل هي دعوة لتأسيس حراك برغماتي يركز على الحقوق الاقتصادية البحتة للفقراء والطبقة الوسطى التي تشكل اليوم الأغلبية الساحقة من الشعب السوري.
وينطلق هذا التيار من ضرورة كبح جماح الجباية المفرطة وتغول الضرائب غير العادلة، تماشياً مع الشعار التاريخي “لا ضرائب بدون تمثيل”، حيث يُرفض فرض الرسوم الجمركية، والضرائب المتزايدة، وضريبة القيمة المضافة على السلع الأساسية دون تقديم خدمات عامة مكافئة كالكهرباء والمياه والاتصالات الجيدة أو منح المواطن حق الرقابة عبر ممثلين حقيقيين على أوجه إنفاق هذه الأموال العامة.
كما يستهدف هذا الحراك محاربة التغول البيروقراطي واقتصاد المحسوبية، ولجم القرارات الارتجالية للمجموعات الوزارية الاقتصاديّة التي تخدم تحالفات رأس المال الاحتكاري، وتفكيك الكارتيلات لحماية الأسواق من التواطؤ السعري بين كبار التجار، مع تفعيل أدوات المساءلة القانونية الصارمة لكل قرار يمس عيش المواطن اليومي.
وفي المقابل، فإن التركيز على العدالة المعيشية وحقوق الطبقات المسحوقة في هذا الطرح لا يعني تقديم المادة أو المنفعة المالية على حساب قيم الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية التي بذل السوريون لأجلها أغلى التضحيات، بل ينطلق من رؤية تكاملية عميقة ترى أن الكرامة الإنسانية وحدة واحدة لا تقبل التجزئة.
فالأمان الاقتصادي، وضمان تكافؤ الفرص، وحماية الفرد من تغول رأس المال والاحتياج، هي السياج الحقيقي والضمانة الأساسية التي تحمي الحريات السياسية من الانتكاس، وتمنع تحول الحاجة المعيشية والفقر المدقع إلى أدوات غير معلنة لتركيع المجتمع، أو ابتزازه، أو مقايضته على حقوقه المدنية والسياسية الأساسية.
إن الحرية السياسية دون حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي والعدالة في توزيع المنافع تصبح مجرد هيكل أجوف وشعارات نخبويّة لا تلامس حياة الناس، بينما يتحول الاقتصاد الحر دون رقابة قانونية وضوابط اجتماعية إلى غابة تلتهم الضعفاء لصالح أقليّة متنفذة.
بناءً على ذلك، فإن نشوء هذا الحراك الاقتصادي المستقل، غير المؤدلج، يمثّل حتمية تاريخية لإعادة التوازن المفقود بين سلطة الإدارة والمجتمع، وتياراً وطنياً يدفع نحو فرض الشفافية والمصارحة كقواعد عمل ثابتة ومستمرة، ويمنع استبداد رأس المال غير المنضبط من تقويض تطلعات الشعب السوري في العيش بحرية، وكرامة، وأمان فوق ترابه الوطني وبناء مستقبل يليق بتضحياته المعنوية والمادية.