على رغم التوجه الإنساني البحت الذي يغلف دراما مسلسل أصحاب الأرض المعروض ضمن الموسم الرمضاني المصري 2026، فإن أثره السياسي هو الأكثر وقعاً في النقاشات اليومية على وسائل التواصل الاجتماعي، في حين تبدو المتابعة الإسرائيلية للعمل حثيثة، ومترصدة، إذ يتصاعد الغضب يومياً ضد العمل الذي تدور أحداثه على وقع القصف المتواصل لقطاع غزة منذ أكتوبر 2023.

حال الاستنفار التي قوبل بها المسلسل المصري "أصحاب الأرض" المعروض ضمن سباق رمضان 2026، الذي يتناول أحداث الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت متوقعة تماماً، فالعمل يتمتع بالعناصر المثالية للجدل، قصة سياسية، حدث عايشه الجميع على الشاشات ولا يزال في الأذهان، قضية يتحدث فيها جميع قادة العالم، فريق عمل على قدر كبير من الموهبة، ومشاهد مسربة من هنا وهناك تشير إلى أن غزة التي تحولت لقطعة من الجحيم سوف ترافق مشاهد رمضان على مدى 15 حلقة، ولهذا لم تتأخر وسائل الإعلام الإسرائيلية في الإعلان عن الانزعاج من العمل حتى قبيل أسابيع من عرضه، ولكن كل الغضب الاستباقي لا يمثل شيئاً أمام ردود الفعل بعد مرور أكثر من نصف الحلقات، فقد تصدر الفيديو الذي بثته الكابتن إيلا المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي اهتمام المصريين أخيراً، وهي تبدي ضيقها من وجهة النظر التي تبناها المسلسل الذي يحكي قصة إنسانية بحتة عن معاناة أهل غزة المأسوية، مثلها مثل آلاف القصص التي شاهدها العالم على الهواء مباشرة.

وفي حين أن الزخم الذي يفجره العمل يتمحور حول السياسة، إلا أن الدراما نفسها تنتصر للسرد والحكاية، وتقترب من الإنسان ولا تغرق نفسها في شعارات أو استقطابات، ومع ذلك فإن المشاهد تحولت رغماً عن الجميع إلى مكايدة سياسية، يشارك فيها المهتمون بالدراما والمهتمون بالسياسة على السواء، حيث يحتل المسلسل مساحة جيدة من الترند اليومي على مواقع التواصل الاجتماعي، وله حضور كبير في النقاشات وفي تداول اللقطات الفارقة وكذلك الحوار.. "أصحاب الأرض" من كتابة عمار صبري ويشرف على السيناريو محمد هشام عبية، وتتصدر بطولته منة شلبي إلى جانب إياد نصار، وكامل الباشا وآدم بكري مع كثير من الممثلين من مصر وفلسطين والأردن.

menna.jpg

شبيهة الكابتن إيلا

وبينما انخرطت وسائل الإعلام العبرية في تأويل المسلسل منذ انطلاق حملته الدعائية، بل وصفته بأنه يأتي ضمن الخطة السياسية التي تتبناها مصر تجاه الملف الفلسطيني برمته وليس مجرد عمل درامي يتناول ظرفاً إنسانياً ويرصد معاناة بشر محاصرين تماماً، فإن الخطاب الإسرائيلي عقب عرض الحلقات كان أكثر صراحة، حيث عبرت الكابتن إيلا المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي عن رفضها للسردية التي تبناها المسلسل، وظهرت في فيديو غاضب وهي تصف الأحداث الدرامية بأنها تشويه متعمد وتحريض علني، بل وقلب للحقائق وإظهار القاتل على أنه ضحية، واتهمت الصناع بالإسهام في غسيل الجريمة، وبتبني سردية حركة "حماس" حول الأوضاع في غزة، واعتبرت أن الإسرائيليين يدافعون عن وجودهم وأرضهم، وفق قولها، بينما "حماس" أحرقت أهل غزة، مشيرة إلى أن الدراما من هذا النوع تهدف إلى التضليل وتزييف العقول وتغييب الحقيقة.

لم يتوقف الأمر هنا، حيث حظي المنشور بتفاعل ضخم يُقدر بعشرات الآلاف، غالبيته كان مستهزئاً بوجهة النظر التي تسوق لها كابتن إيلا، واتهموها بقلب الحقائق حرفياً، داعين إياها لرؤية الفيديوهات الموثقة التي تسرد معاناة الشعب الفلسطيني الأعزل بعيداً من مشاهد العمل، ولكن بخلاف عن المتفاعلين من الجمهور أو النشطاء أو المتابعين من مجالات مختلفة، فإن مخرج المسلسل بيتر ميمي نفسه لم يفوت الفرصة، وسارع بالرد عبر تدوينة في حسابه الرسمي على موقع فيسبوك، محاولاً تفنيد الأخطاء التي تحاول المتحدثة تسويقها على أنها حقائق، وموضحاً أنه اجتهد كثيراً حتى يعثر على ممثلة تمتلك ملامح تشبه الضابطة الإسرائيلية سارة في العمل، في إشارة إلى الفنانة روان الغابة.

محاكاة للهلع

في المقابل فإن التناول الفني للمسلسل يأتي في مرتبة تالية إلى حد ما، حيث تسيطر عبارات الاحتفاء تعليقاً على اللقطات المؤثرة وشديدة الوطأة، وينصب الحديث على مدى الدقة في نقل ما جرى لا سيما في ما يتعلق بمشاهد النزوح والقصف ومحاولات الطواقم الطبية تقديم أكبر قدر من المساعدة، في حين لا يمكن إغفال دمج التوثيق بالدراما، ومستوى الحوار الذي يبدو عميقاً حيناً وسطحياً في بعض الأوقات، لا سيما في الحلقات الأولى، وهي من التفاصيل التي يتم تداركها مع تقدم الحلقات، كذلك يحتاج مستوى الديكور الذي أشرف عليه المهندس علي حسام إلى وقفة وإشادة، فقد بدت الأحياء المهدمة والمستشفيات التي خرجت من الخدمة ومظاهر الدمار واقعية تماماً، فانعكست على التأثير في المُشاهد ونقلت ثقل العمل نفسياً، فعلى رغم أهميته وتفرده مقارنة ببقية أعمال السباق الرمضاني في مصر والذي يصل إلى 40 مسلسلاً، فإن هناك تدوينات كثيرة لمشاهدين من مختلف الدول العربية وبينهم فلسطينيون عبروا عن صعوبة متابعته نظراً إلى أنه يعيد عليهم ما عاينوه من كوارث وأهوال سواء في الواقع أو عبر الشاشات على مدار أكثر من عامين.

iyad.jpg

هذه النقطة على وجه التحديد كانت مقصودة، وهي التماهي مع حالة الأشخاص العاديين واستشعار ما جرى من خلال منظور إنساني بحت بعيداً من أي توجهات سياسية، وذلك وفق ما يقول المشرف على تطوير السيناريو والحوار محمد هشام عبية، الذي بدأ حديثه أولاً بالتعبير عن سعادته بالصدى الكبير الذي حظي به "أصحاب الأرض"، لافتاً إلى أنه يرى أن مخرجه بيتر ميمي هو البطل الحقيقي للعمل، وفقاً لما رآه من توجيهات ومعالجة لهذا العمل شديد الخصوصية في الكواليس.

ويضيف عبية الذي سبق وقدم عملاً ناجحاً حول تنظيم داعش في سوريا هو "بطلوع الروح" من بطولة منة شلبي أيضاً، تعليقاً على زاوية تناول الأحداث في المسلسل "أعتقد نقطة قوة وتميز أصحاب الأرض جاءت من إدراك صناعه مبكراً أن القصة إنسانية بحتة، ولهذا تم تنحية السياسة جانباً، لأن وجهة النظر السياسية المباشرة ستحمل طوال الوقت خلافاً، ولهذا كان التركيز على القصة الإنسانية الخالصة وهي المعاناة تحت الاحتلال وطرق المقاومة أياً كانت بسيطة، لأن مقاومة الإنسان لمن يحتل أرضه ووطنه ويدمر حياته قضية متفق عليها ولا يمكن الجدل في شأنها، وأعتقد أن الوعي بهذا التوجه هو ما أنقذ المسلسل، الدراما ببساطة عن الإنسان الفلسطيني المقاوم الذي يحاول النجاة والاحتفاظ بأرضه، وهو ما أوصل المسلسل للجمهور بسهولة في أنحاء العالم العربي، وقطاعات مختلفة من سكان غزة نفسها، وخرج عن الجدلية السياسية وركز على أصل القضية.. الإنسان الفلسطيني".

عواطف تنفض الركام

هذا التوجه الإنساني يظهر في لقطات كثيرة تظهر بنية العمل، وبينها الحوار الذي دار بين البطلين، "سلمى" عضو فريق الإغاثة الطبي المصري، و"ناصر" الرجل الفلسطيني الذي جُبل على التعايش والمقاومة أياً كان حجم الهلع والدمار، حيث يتحدثان والموت يحيط بهما من كل اتجاه حول مكونات الطعمية أو الفلافل، وإذا كان الأفضل أن تكون بالحمص أم بالفول على الطريقة المصرية، فالمشاعر المتولدة بين البطلين تبدو خجولة في ظل هذا الظرف ولكن الرغبة في الحياة تنتصر عادة.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هناك مشاهد عدة أخرى بدت كاشفة، وتلخص هوية الفلسطيني مثل التعامل مع الألغام، والحديث عن التفاصيل الإنسانية الصغيرة وعادات الأهل الغريبة ومحاولة البحث عن مفارقة ساخرة حتى في وضع لا يحمل أي مظهر للحياة الطبيعية، بينما جاءت مشاهد التمثيل بأهل الضفة الغربية بالتوازي مع رحلات النزوح المستمرة التي يعاينها أهل غزة، لتؤكد دون خطابات مباشرة أن المعاناة الفلسطينية ممتدة ولا تفرق بين من يسكن هنا أو من يسكن هناك.

هذه الرسائل تقدم بصورة عاطفية، وتُفهم من دون صراخ وتتغلغل بسلاسة مدعمة بأرقام وإحصاءات تظهر من حين لآخر على الشاشة لتدعو المشاهد للتحقق والتيقن من حجم المأساة بصورة موضوعية، كذلك حرص صناع المسلسل الواقعي على عرضه مترجماً إلى الإنجليزية، وهو أمر نادراً ما يحدث في الأعمال المصرية، حيث تتكفل المنصات العالمية بترجمتها بعد شرائها في مرحلة لاحقة، وهذه النقطة يعتبرها الدكتور مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، شديدة الأهمية، مطالباً ببذل مجهود أكبر في تسويق المسلسل دون النظر إلى الأثر المادي أو الأرباح، حيث يدعو إلى السعي لعرضه إقليمياً ودولياً لأن رسالته السياسية في رأيه ضرورية في هذا الوقت، وتقف نداً لند مقابل الرواية الإسرائيلية المضللة، بحسب رأيه.

al ard.jpg

رسالة سياسية واضحة

فعلى رغم أن الدراما تتبنى في الأساس خطاً إنسانياً بحتاً، فإن ما يُقرأ بين السطور يعتبر الأهم بحسب غباشي، والذي يواصل "من يتابع مسلسل ’أصحاب الأرض‘ سيجد أن أحداثه معبرة للغاية وتفضح كذب الادعاءات الإسرائيلية، وتكشف عمق جرائمهم تجاه الأطفال والمدنيين العزل، بتدمير غالبية مستشفيات قطاع غزة عمداً، حيث تظهر الطبيبة المصرية وهي تجري جراحة طارئة لأحد الأشخاص ثم يتعرض المستشفى برمته للقصف دون تحذير سابق، هذا بحد ذاته رسالة تؤتي ثمارها بسرعة، دون ديباجات، فهذه دراما كاشفة وهو من الناحية السياسية من أكثر الأعمال تعبيراً عن الفظائع ويمكن الاستناد إليه لاستكمال موجات التعاطف الدولي مع الفلسطينين والحراك الذي تجسد في تظاهرات منددة بما يجري".

وحول الغضب الإسرائيلي من المسلسل يرى أستاذ السياسة أن الإسرائيليين يريدون احتكار الرواية الإعلامية والفنية، وفي رأيه، كانوا يراهنون على ضبط النفس المصري، ولهذا سبب مسلسل ضخم الإنتاج يشارك به نجوم محبوبون ويُعرض في الموسم الدرامي الأهم، يستعرض دمار قطاع غزة، توتراً كبيراً، حيث يظهر وجههم الحقيقي، مشدداً مرة أخرى على أنه على رغم عدم وجود توجه سياسي مباشر في أحداث العمل، فإن رسالته السياسية في غاية الوضوح والأهمية.

دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
دبلوماسية درامية خشنة تغضب الإسرائيليين
أعلن في شمرا