في زوايا العزلة، حيث يضيق العالم وتتراجع الأصوات، وجد الفنان التشكيلي العدني لبيب توفيق في الفن نافذته الوحيدة نحو الحياة، لم تكن الفنون بالنسبة له هواية عابرة، بل تحوّلت إلى ملجأ إنساني ووسيلة تعبير حر، في مدينة عدن العريقة، جنوب اليمن، التي أنهكتها سنوات الحرب والتهميش.
في عزلته عن الآخرين، كانت الفنون هي ملجأ الفنان التشكيلي اليمني، لبيب توفيق، العاشق للفنون التشكيلية في مدينة عدن العريقة بجنوب اليمن، وكان لها الأثر الأكبر في قضاء معظم وقته بحثاً عن طرق يطلق من خلالها طاقاته الحيوية المتعددة.
عن بداياته الفنية يقول توفيق "كانت بداياتي تقليدية وانطلقت من المرحلة التعليمية الابتدائية، ولكن بسبب انطوائي وعزلتي عن مخالطة زملائي في المدرسة والانخراط معهم، أصبحت الفنون هي ملاذي، فانغمست فيها باحثاً عن وجودي تارة في الرسم وأخرى في الموسيقى، لقد جربت تقريباً مجمل الفنون البصرية والتطبيقية، ووجدت نفسي متقناً لها جميعاً، واليوم الأثر واضح في تمكني من إجادة الرسم والخط والعزف وعمل المجسمات، والاستفادة من التدوير البيئي لإنتاج أعمال فنية متنوعة".
بعد أن ارتوى كثيراً من هذا المجال، ظل مستمراً في الاطلاع والتعلم، ويعمل على تطوير ذاته وفنه والتأقلم مع كل جديد وحديث في مجال الفنون التشكيلية، ووسع مداركه ليتعلم أنواعاً أخرى من الفنون كتحسين الخط وتعليم العزف وغيرهما، وتمكن من الاحتراف الفني، فلم تعد مجرد هواية، بل أصبح مدرباً في مجاله الفني.
يستعرض توفيق في حديثه مع "اندبندنت عربية" بعضاً من مسيرته الفنية في مجال الرسم، حيث قدم أعمالاً خاصة ومشاركات عالمية بلوحاته في مهرجانات وفعاليات محلية وخارجية، ونال أخيراً العديد من الشهادات الفخرية والجوائز، وكان للأطفال النصيب الأكبر من أعماله، وأيضاً كان التوجه لرسم الجداريات الوطنية ذا أهمية قصوى في رسالته الفنية التي تهدف إلى تشكيل وترسيخ الوعي الوطني، والثبات على المبادئ نحو نيل الحرية؛ حيث زينت أعماله جدران العاصمة عدن وساحات وميادين الثورة في مديرياتها الثماني كافة.
وفي الجانب الموسيقي، كان له السبق في تأسيس العديد من الفرق الموسيقية (ذات الطابع الغربي)، وقام بتلحين العديد من أناشيد الأطفال والأناشيد الرسمية لعدة مدارس أهلية، كذلك درب الشباب على العزف على آلة الأورغ للاحتراف والغيتار كأساسيات، وفي مجال الخط والزخرفة، عمل جداريات ودرب الشباب على تحسين الخط العربي، ومنذ عامين مضت، أقام معرضاً خاصاً به بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية.
يشرح الفنان لبيب توفيق بمرارة حجم المضايقات والتهميش الذي تعرض له نتيجة مستواه الفني المتقدم والمتنوع في إنتاج الأعمال الفنية "لقد تعرضت للمضايقات والتهميش المتعمد على مدى السنوات الماضية لأسباب سياسية، بسبب تناول عدد من أعمالي لنقد النظام السياسي، إذ يحمل الفنان قضية، وكانت أعمالي تتطرق للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، وبسبب كثرة مشاركاتي والحركة الفنية التي شهدتها مختلف الفنون التشكيلية والشعبية، تم عرض أعمالي في معظم الفعاليات، ولكني لم أتراجع عن الأفكار والقيم الوطنية النبيلة التي أحملها، ومن ناحية أخرى كوّن هذا الأمر انطباعاً لدى بعض الزملاء حول مستواي الفني المتقدم والمتنوع، فازداد نفورهم، بخاصة من بعض الدخلاء على الفن الذين لا يتقنون إنجاز الأعمال الفنية، بقدر إتقانهم لتزييف الكلمات وتنميقها لتحقيق أهدافهم الشخصية على حساب زملائهم، بل وعلى حساب القيم الوطنية والإنسانية، وهذا من أهم أسباب الركود الفني، حيث أساء هؤلاء إلى الفن التشكيلي وأضروا بالفنانين في عدن خاصة والجنوب عامة، وقد تسللوا إلى مفاصل الثقافة والفنون بعقلية "أنا الأعظم والأول والأخير"، وتخيلوا ما سينتج من مثل هذه التصرفات عندما تتولى مواقع حساسة تدير الثقافة والفنون، أما نحن، فقد لمسنا على أرض الواقع التهور الكبير في عرض أعمال فنية مغشوشة ومصحوبة بمغالطات، عاكسة صورة مخزية وحزينة لبؤس الفن في وطننا، وحاولت مراراً وتكراراً توضيح الأمور لزملاء المهنة، لكن عدداً منهم آثر ثقافة المال على الفن، فكانت الكارثة، إذ يظن من يراهم أنهم النخبة الأولى والجبّارة في عدن والجنوب بشكل عام، لإظهار صور سلبية وتزييف تاريخ الفن والحركة التشكيلية في عدن".
يعتبر الفن رسالة تعبيرية عن قيم إنسانية نبيلة، وهو يترجم المعاناة اليومية للإنسان، بخاصة في الجنوب، جراء تراكمات سنوات عدة من الحرب وسوء المعيشة وتدهور الخدمات، ويتساءل "كيف لا يحركنا الوضع المأساوي الذي نعيشه؟ وكيف أتوقف عن ترجمة هذه المعاناة اليومية والآنية، وأنا أجيد التعبير، وهذه وسيلتي الوحيدة لحرية تعبيري عما يدور ويُدار حولي؟ فالفنان، إن لم يُدرك ويُحِس بما حوله، فكيف يُسمَّى فناناً؟ وللأسف، هناك بعض الزملاء يقفزون على مرارة الواقع إلى ما يناقضه، وهؤلاء كمن يغطي عين الشمس بمنخل".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شارك توفيق في العديد من الفعاليات الفنية المحلية والخارجية وحصل على عدة جوائز، منها جائزة أفضل عمل لقبة الصخرة من البحرين، وشهادتي دكتوراه فخرية من مشاركات فنية وسفراء سلام، كذلك شارك بلوحاته في مهرجاني موسكو وكوريا للشباب، وأقام عدداً من المعارض المدرسية بين مدارس العاصمة عدن، وقدم الدعم لإقامة معارض فنية تشكيلية لعدة شباب عدنيين، وأسهم في تنظيم عروض كرنفالية شعبية من الفلكلور العدني وكل ما يرتبط بالهوية الوطنية.
في ما يتعلق بواقع الفن التشكيلي، يقول "عندما يكون القرار بيد مثقف، تتحرك المياه الراكدة لتصبح عذبة وتزدهر الفنون، لكن للأسف، لم تنل فئة الفنانين المخضرمين المحترفين والمتخصصين، سواء كانوا عصاميين أو أكاديميين، أي اهتمام مُخطط صادر عن جهة واعية بأهمية الفن وتأثيره في الشعوب، وعلى رغم وجود بعض الخبراء والاستشاريين المحليين، يميل بعض أصحاب القرار إلى تصنيفهم بهذه الصفات، غير أنهم يجسدون المثل الشعبي القائل: (مغني جنب أصنج)، فمهما يقدم لهم، يتقبلونه من دون علم أو دراية.
أما الطرف الآخر، الذي يفترض أن يكون هو الفنان، فأقول بحسرة إنه يخون الأمانة، ولا يؤدي ما هو مطلوب منه، بل يكتفي بتنفيذ ما يطلبه منه رئيسه المباشر، ويُبدي آراءه ومقترحاته بناءً على ما يُملى عليه، حتى لو كان ذا علم وثقافة، فإنه يفضل السكوت خوفاً من فقدان موقعه أو ما وصل إليه مادياً أو من مكانة، ولهذا فإن المشهد الثقافي والفني، بخاصة الرسمي منه، ضعيف للغاية، وبالتالي تتشكل المعوقات والصعوبات تلقائياً، ويستنتجها كل مثقف وواعٍ بهذه الممارسات، فلا الفنان الحقيقي يجد طريقة لنشر فنه وأعماله، ولا أولئك المتواجدون حالياً في الصدارة يقدمون شيئاً للوطن والمواطنين، إنها بالفعل معضلة يجب التوقف عندها واقتلاع كل من يقدم الخطأ باقتناع أنه الصواب، وأعتقد أن كل فنان حر وشريف ويحترم رسالة الفن سيواجه هذه المعوقات والصعوبات وسيُجبرعلى التعايش معها".