في لحظات السكون، قد يتحول التفكير من محاولة فهم إلى إعادة تشغيل للألم على وضعية التكرار، فيستهلك النوم والطاقة ويصنع حال استنفار دائمة. تشرح المقالة الفارق بين الإفراط في التفكير وبين الاجترار الذهني، وتربط الظاهرة ببيئة الأخبار والـ"سوشيال ميديا" التي تضخم الحلقة، وتعرض تقنيات عملية لكسرها. مع شهادات حيّة، تبين كيف تغير هذه الحال التربية والعمل والدراسة والحياة اليومية قبل أن يلاحظها أصحابها.

هل أنت هنا؟ في هذه الحال التي يرفض فيها عقلك أن يصمت، لا يملك حلاً وخائفاً من الفراغ؟ في اللحظة التي تضع فيها رأسك على الوسادة لتنام، فتستيقظ الأفكار واقفة لتعيد مشهداً قديماً أو جملة عابرة أو نظرة لم تُفهم أو موقفاً لم ترد عليه حينها، وكأن ذهنك يهمس لك، انتبه ولا تنسَ. والتفكير لديك لا يرحم ولا يأتي في وقته المناسب ويختار الليل أحياناً كثيرة؟ هل فكرت كيف يثقل الصدر من دون سبب واضح، ويتعب الجسد وكأنك تركض، بينما لم تتحرك خطوة واحدة؟

هذه ليست مبالغة، وأنت لست وحدك المتشبث بغرفتك أو بيتك أو سريرك ترفض الخروج حتى الاضطراري، كأنك علقت في فخ السكون القاتل. فهذه عوارض حالة يعرفها كثرٌ من دون اسم، تتجلى بتفكير لا يقود إلى قرار وتحليل لا ينتهي بخطوة وحوار داخلي يدور ويدور حتى تشعر بأنك عالق في غرفة بلا باب.

قد تستيقظ متعباً على رغم نومك، وتفقد شهيتك أو تأكل من دون وعي. وقد تشعر بانقباض في الصدر أو شدّ في الرقبة، وقد تصبح سريع الانفعال، أو على العكس بارداً أكثر مما تحب. والمشكلة ليست أنك تفكر، المشكلة أن التفكير لم يعُد أداة وصار حال استنفار دائمة.

وهذه الحال لا تعني أنك ضعيف أو فاشل، ولا أنك "تفكر أكثر من اللازم" كما يحب الآخرون تسميتها اختصاراً للألم، بل تعني فقط أن عقلك عالق في وضع الحماية، ولم يخبره أحد أن الخطر انتهى ومر.

إنه لفارق كبير بين أن تفكر، وأن تسحب رغماً عنك إلى عالم التفكير اللامتناهي، فأن تفكر يعني أن تبحث عن مخرج أو حل أو أنك تراجع ذاتك. أما أن تعلق في دوامة التفكير المفرغة، فالأمر كأنك تعيد تشغيل الألم على وضعية Replay مراراً وتكراراً من دون طائل.

وقد تكون إطالة المكوث في المنزل واحدة من الممارسات التي تعزز هذه الحال، فيصبح الشعور بالثقل سيد الموقف. ونظن أننا نرتاح من عبء الخارج، إلا أن الطاقة تركد في القعر، وتجعل وظائف الدماغ تهدأ بنسبة عالية، ليس إلى درجة الاسترخاء والتأمل الصحي، إنما إلى مستوى آخر حتى تنفجر الأفكار بضجيجها وتكرر ذاتها وتطرح أسئلة بأفق مسدودة أحياناً.

وكثيراً ما أغرق أشخاص حياتهم بمهمات لا تنتهي حتى يخفتون صوت الأفكار الهادر إلى غير هدى، فمع الوقت وتكرار أسطوانة الأفكار الهادرة نعلق في فخ الاجترار الذهني  Rumination.

في الواقع الاسم يدل تماماً بصورة مباشرة ومختصرة على المشكلة، فالاجترار الذهني يشبه ذلك الذي يصر أن يفتح ملفاً منتهياً ويطالبك بالتوقيع عليه كل ليلة، من دون أي جديد فيه، فقط لأن دماغك أقنع نفسه بأن إعادة المحاكمة تعني الحماية وأن تكرار المشهد يعني السيطرة، وربما باعتقاد أن الألم حين نعيده يصبح أقل خطراً، بينما هو في الحقيقة يصبح أكثر احتلالاً لحياتنا وكياننا.

فري بيك.jpg

وهناك فرق واضح بين التفكير حتى لو كان Overthinking أو الإفراط في التفكير كأداة نجاة وحل وإعادة تقييم وتحسين أو لاتخاذ قرار وإيجاد مخرج ما، وبين التفكير الذي يتحول إلى آلة طحن تشبه الاجترار فيبحث عن إعادة تشغيل، كأن العقل يطالب بمشاهدة المشهد مرة أخرى أو مراراً.

والاجترار ليس فضولاً معرفياً ولا تحليلاً ذكياً، فهو دوران حول الجرح بدلاً من تضميده، ويبدأ غالباً بجملة صغيرة ثم يتضخم، وتنهال المساءلات الداخلية كسوط على وقتنا. لماذا قلتُ هذا، لماذا سكتُّ، ماذا لو خسرته، ماذا لو انهارت الأمور... ثم بدلاً من أن ينتج إجابة ينتج أسئلة أكثر وتوتراً وإرهاقاً أكثر. وتصفه الجمعية الأميركية للطب النفسي بدقة بأنه تكرار أو انشغال مستمر بمشاعر سلبية وأسبابها ونتائجها، ونمط قد يفاقم القلق والاكتئاب أو يسهم في ظهورهما بحسب مقالة علمية نشرتها عام 2020 بعنوان Rumination: A Cycle of Negative Thinking.

فقد تقول جملة عادية في اجتماع ما وبعد العودة للبيت تبدأ مونتاجاً داخلياً للمشهد، تعيد نبرة صوتك ونظرة زميلك وربما الصمت الذي تلا الجملة، وتستخرج من ثانيتين دليلاً على كارثة، ثم تذهب إلى النوم وأنت مقتنع بأنك تحلل، بينما في الواقع أنت تعيد تشغيل القلق. ونشرت Harvard Health Publishing عام 2024 مقالة بعنوان Break the cycle تصف فيها الاجترار كتيار متكرر من الأفكار السلبية غالباً عبر إعادة تشغيل محادثة أو موقف سابق بصورة تهبط بالمزاج تدريجاً، حتى لو ظن الشخص أنه يفتش عن حل.

فالتفكير الصحي ينتهي عادة بخطوة صغيرة، قد تكون رسالة اعتذار أو قراراً محدوداً أو سؤالاً عملياً أو زاوية رؤية جديدة، أما الاجترار فينتهي باستنزاف وعودة لنقطة الصفر، كأنك مشيت ساعات على جهاز جري مكسور، حيث العرق موجود والتعب في أقساه، والطريق لا يزال في المكان نفسه.

والاجترار قد يلبس قناع المنطق، فيبدو كأنه محاولة للفهم، لكنه في الواقع يشبه حك جرح لا يشفى لأنك تصر على فتحه كل يوم، ويمنح وهماً لامعاً اسمه السيطرة، فالدماغ لا يبدأ الاجترار لأنه يحب العذاب، بل لأنه يعتقد بأنه يدربك على تجنب الخطر. فحين ترتفع مشاعر الغموض أو الرفض أو التهديد يعيد العقل ترتيب الحدث مرة بعد مرة تحت عنوان غير معلن هو لو فكرت أكثر سأمنع تكراره، لكن ما تظهره أبحاث أستاذة علم النفس الأميركية سوزان نولن هوكسيما في دراسة عام 2000 بعنوان The role of rumination in depressive disorders and mixed anxiety/depressive symptoms  أن الاستجابة الاجترارية ترتبط بارتفاع واستمرار أعراض الاكتئاب عبر الزمن، حتى إنها يمكن أن تتنبأ ببدايات نوبات اكتئابية جديدة لدى بعض الأشخاص.

ليس للاجترار شكل واحد، فأحياناً يلبس وجه الذنب والعار في محكمة داخلية مفتوحة لا تغلق، يعاد فيها إصدار الحكم على النفس كلما تذكر الشخص كلمة أو رد فعل، وأحياناً يلبس وجه الخوف والترقب، فيتحول المستقبل إلى غرفة كتابة سيناريوهات، ثم إلى سيناريوهات أسوأ، ثم إلى شعور بأن الكارثة مؤكدة، والفرق بينهما أن الأول يسجنك في الماضي، والثاني يجرك إلى مستقبل لم يحدث لكنه يستهلك جسدك كما لو أنه حدث، فتصبح متعلقاً بأحداث الماضي وجلاداً بحق ذاتك من الحاضر وخائفاً من المستقبل.

رويترز.jpg

وهنا نصل إلى الجزء الذي يكره الاجترار فضحه، وهو أنه لا يبقى ويستقر في الرأس وحده، فتأثيره ينتقل إلى الجسد الذي يدفع الفاتورة، إذ إن فرضية "التفكير المثابر" أو Perseverative Cognition  التي طرحها بروشوت وجيرن وثاير في مراجعة علمية عام 2006 بعنوان The perseverative cognition hypothesis  تشير إلى أن القلق والاجترار يمكنهما إطالة تنشيط أنظمة التوتر في الجسم قبل الحدث وبعده، وليس فقط أثناءه، مما يعني أن القلب والهرمونات والمناعة قد تبقى في وضع استنفار لأن ذهنك ما زال يعيش الحدث حتى لو انتهى منذ أشهر.

فإذا كان شخص ما يشاهد مقطعاً صادماً عن حرب أو عنف، ثم لا يكتفي بالمشاهدة، ويعود ليفتح المقطع مراراً وتكراراً عبر خوارزمية تعرف كيف تلتقط هواجسك وسلوكياتك الرقمية، فيدخل الدماغ في حلقة إعادة تشغيل، والخبر هنا لا ينتهي لأن تحديثه لا ينتهي، والقلق لا يغلق لأن الإشعار لا يتوقف، وكذلك المقارنة لا تنطفئ لأن حياة الآخرين تعرض كمعرض دائم، فيصبح الانتباه وقوداً والاجترار منتجاً قابلاً للتضخيم لأن الإعلام يصنعه من ناحية ووسائل التواصل توفر له بيئة مثالية لهدر وقتك في إعادة التشغيل.

لكن كيف يمكن أن نكسر الحلقة التي تدور بنا وتجترنا؟

النجاة لا تبدأ بمحاربة الأفكار ولا بمحاولة إيقافها بالقوة، لكننا نحتاج إلى خطوة أبسط وأذكى، وهي أن نتعرف إلى ما يحدث، ونلاحظ الحلقة بدلاً من أن نكون داخلها. فنسأل سؤالاً واحداً ربما يفتح ثغرة في الجدار. من هنا فقط يبدأ الخروج لكن ليس دفعة واحدة.

فنحن لا نشن حرباً على الأفكار والتفكير، لكننا نحاول تغيير علاقتنا بها من دون أن نقع في دوامة اجترارها. وتبدأ الخطوة الأولى إذاً بفهم الحالة وتسميتها كما هي، بمعنى أن ما يحدث ليس تفكيراً إنما حلقة اجترار للأفكار. وهذه التسمية وحدها تنقلك من مقعد المتهم إلى مقعد المراقب، ثم بدلاً من سؤال "لماذا" الذي لا ينتهي إسأل "ماذا الآن"، ما الخطوة الواحدة الممكنة. فرسالة واحدة أو تعديل أو قرار صغير يقطع الدوران المتواصل لأن الاجترار يعيش على الأسئلة المفتوحة ويختنق أمام الأفعال المحدودة. وعندما يرفض التفكير النزول من الرأس، يجب إجباره بالنزول إلى الجسد كفعل، ويمكن أن يكون عبر ممارسة تنفس أبطأ أو مشي قصير أو غسل الوجه بماء بارد، أو ربما ملاحظة تفاصيل المكان، مما يعد قطعاً للدائرة عبر إعادة توزيع الانتباه. وتقترح المقالة المذكورة على موقع "هارفارد هيلث"  Break the cycle كسر الاجترار عبر تغيير طريقة التعامل مع الفكرة مثل التحرك وتغيير المكان، أو استخدام تقنيات تساعد في فك الالتصاق بالفكرة بدلاً من الاستسلام لإعادتها.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويمكن أيضاً كتابة الفكرة كما هي، ثم وضع أسئلة محاكمة عادلة وغير قاسية مثل ما الدليل الحقيقي وما البديل الأكثر احتمالاً، ما أقرب سيناريو واقعي... لأن الهدف ليس إلغاء المشاعر إنما منعها من تحويل دماغك إلى غرفة صدى يتردد ويتردد.

فالاجترار قد يصبح أحياناً نظام حياة، فيسرق النوم ويقطع التركيز ويحرض نوبات قلق، أو يجر إلى سلوكيات مؤذية، وهنا لا يكفي مجرد الانتباه ويصبح التدخل المتخصص ضرورة وليس رفاهية، إذ تربطه الجمعية الأميركية للطب النفسي بتفاقم القلق والاكتئاب.

ولأننا نخشى فكرة التوقف عن التفكير بحجة الخوف من الوقوع في فخ الاجترار لا بد من التفريق بين التفكير الصحي والاجترار عبر اختبار عملي بسيط.

 فالتفكير الصحي ينتهي عادة بقرار أو خطوة، أو زاوية رؤية جديدة، لكن الاجترار ينتهي بمزيد من الاستنزاف وعودة لنقطة الصفر، وكأن العقل يدفعك لتشهد المشهد نفسه ألف مرة كي تتألم ربما بجودة أعلى.

فاسأل نفسك إن كان عقلك يحل الأمور أو فقط يجلدك بأفكار، لتعرف إن كنت تفكر فعلاً أو تجتر أفكارك.

تشير الأدبيات النفسية إلى أن البشر بلغوا ذروات واضحة من الاجترار الذهني خلال فترات عدم اليقين الجماعي الطويل، وليس في لحظات الصدمة السريعة فقط. فبعد الحربين العالميتين بين 1914 و1945 وثقت دراسات سريرية مبكرة حالات تفكير قهري وإعادة عيش ذهني لدى الجنود والمدنيين، مما فُسر لاحقاً ضمن اضطرابات الصدمة وما بعد الصدمة، إذ بينت مراجعة علمية لعالم النفس البريطاني إدوارد واتكنز عام 2009 أن التفكير المتكرر بعد الصدمات يرتبط بطول أمد الاكتئاب وصعوبة التعافي. وربطت تحليلات في علم النفس الاجتماعي في الكساد الاقتصادي الكبير بين أعوام 1929 و1939، بين فقدان العمل والغموض الاقتصادي وارتفاع أنماط جلد الذات والتفكير الدائري، وهي أنماط تصنفها الجمعية الأميركية لعلم النفس ضمن الاجترار المرتبط بالضغط الاقتصادي.

Captureغيتي.JPG

 لكن التوثيق الرقمي الأوضح جاء خلال جائحة "كوفيد-19"، إذ أظهرت تقارير الجمعية الأميركية لعلم النفس عام 2020 ارتفاعاً ملحوظاً في القلق والاجترار واضطرابات النوم، مع تقديرات بأن أكثر من 40  في المئة من البالغين في الولايات المتحدة أبلغوا عن أعراض قلق أو اكتئاب مقارنة بنحو 11 في المئة قبل الجائحة، وهو ارتفاع ربطته دراسة بعنوان Stress in America 2020: Stress in the Time of COVID-19 بمتابعة الأخبار المكثفة وعدم اليقين الزمني.

أما خلال العقد الأخير، فيرى أستاذ علم النفس الصحي في جامعة ليدن الدكتور جوس بروشوت أن العصر الرقمي خلق حال اجترار مستدامة، إذ تشير مراجعات إلى أن الاستخدام الكثيف لوسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بزيادة التفكير الدائري والمقارنة الاجتماعية السلبية، مستندين إلى فرضية "التفكير المثابر" التي تبين كيف يطيل الاجترار تنشيط أنظمة التوتر في الجسد حتى في غياب الخطر المباشر، مما يبين أن أكثر الفترات خصوبة للاجترار ليست تلك التي كان فيها الألم أشد، إنما تلك التي طال فيها الغموض وتآكل فيها الإحساس بالسيطرة، وترك العقل يملأ الفراغ بإعادة التفكير بدلاً من الفعل.

في الحديث إلى بعض الأشخاص تبين أن كثراً لا يميزون بين التفكير المفرط والاجترار الذهني، فيما لم يسمع عدد كبير منهم هذه العبارة أصلاً، والمشترك بينهم أن التفكير لم يعُد أداة لفهم ما يجري، وصار بيئة يعيشون داخلها. فكل واحد منهم يظن أنه يتصرف بحذر، بينما هو في الواقع يدفع ثمن حلقة لا تنتهي من دون أن يدري.

وتقول رنا أنها تشعر دائماً بأنها مقصرة، حتى عندما تفعل كل ما تستطيع، "أي بكاء صغير من أطفالي يتحول داخلياً إلى دليل ضدي يأكلني. أقول لنفسي إنني أخطأت، وإنني أؤذيهم من دون قصد. هذا الشعور جعلني أتنازل كثيراً، وألبّي كل طلب بسرعة، وأتراجع عن الحدود التي حاولت وضعها بسبب الشعور بالذنب. ومع الوقت، لم أعُد أربي كما أؤمن، إنما كمن يريح صوتاً داخلياً لا يهدأ".

1092702-2051857125.jpg

من جهته يروي خالد أنه يشعر دائماً بأنه معرض للخيانة في مكان عمله، "أراقب الكلمات والحركات والضحكات الجانبية. أفسر الصمت كمؤامرة، أشعر بأنهم يخبئون أمراً سيئاً دائماً. لا أعرف إن كان هذا اجترار ذهني، لكن عقلي لا يتوقف عن رسم السيناريوهات، على رغم أنني بالفعل لم أتعرض لخيانة. لكن هذا التفكير جعلني دفاعياً أكثر من اللازم. لا أشارك أفكاري ولا أرتاح لأحد، وأبقى متوتراً حتى في الأيام العادية. تعبت من هذا التفكير المتدفق، لكنني لا أعرف كيف أطفئ هذا الإنذار الذي لا يسكت".

ويقول الطالب علي إن الامتحان ليس مشكلته الكبرى، إنما ما بعده، من الخوف من نظرة أبيه وصمت أمه، ومن كلمة فاشل التي لا يعرف متى سيسمعها، "حتى إنني قبل الامتحان بأيام لا أدرس فعلياً، وأجلس وأنا أتخيل سيناريو الهزيمة، وماذا سأقول؟ وكيف سأبرر؟ هذا الخوف يستهلك طاقتي، فأدخل الامتحان منهكاً، وكأنني رسبت قبل أن أبدأ".

في سياق موازٍ تخبر مي أن كورونا مر عليها وسحقها حرفياً، إذ أصيبت ووصلت إلى الموت، ولم تتخطَ بعد الموضوع وباتت خائفة طوال الوقت من الناس والخروج من المنزل، "منذ كورونا وأنا أجد دائماً سبباً للبقاء في البيت. مرة الطقس ومرة التعب ومرة ازدحام الناس. أقنع نفسي بأنني غير جاهزة، وأن الوقت غير مناسب. الحقيقة أن الخروج صار يربكني. والعالم يبدو سريعاً ومزدحماً، وغير آمن. حججي تبدو منطقية، لكن حياتي صارت أصغر. أعرف أنني أختبئ، لكنني لا أملك الشجاعة لأعترف بذلك دائماً".

وكانت مي تظن أن البيت ملجأها، لكنه أصبح كأنه يحبسها في قفص الأمان الوهمي. بالتالي فإنها لم تعُد تنشغل بأمر فعلي، وغالباً ما تعيد فتح ملفات قديمة كانت قد تخطتها كما توضح، وتقول "حتى خطيبي الذي انفصلت عنه بإرادتي بت ألقي اللوم عليه، وصارت أحاديثي بيني وبين نفسي سلسلة متواصلة ومتعبة. لكني حتى الآن لم أجرؤ بعد على الخروج لا من بيتي ولا من رأسي".

ويحكي وسام أن رأسه لا يكف عن التفكير بوضعه المادي السيئ، والخوف من الحرب ومن البدء بأي مشروع جديد، "أفكر بوضعي المادي الذي يذهب من سيئ إلى أسوأ صباحاً ومساءً، وأشكو وأتحسر وأقارن نفسي بغيري. في الواقع كل شيء صعب والحلول غير واضحة في الأفق. لكنني في الحقيقة لا أبحث عن حل، ومستنزف في التفكير بعشرات المشاريع من دون تنفيذ أو أخذ أية خطوة. فالتفكير أخذ عندي مكان الفعل، وصار القلق طقساً يومياً، كأنه إثبات أنني متعب، وليس خطوة للخروج من هذا التعب. وأفكر بكل شيء طوال الوقت ربما لأبرر لنفسي مدى صعوبة أي قرار. لكنني لم أسمع قبل بفكرة الاجترار الذهني، ويبدو أنني غارق فيها بقوة".

في النهاية يمكن القول إن الاجترار ليس شخصيتك ولا حقيقتك، هو نمط ذهني قابل للتفكيك، أقسى ما يفعله أنه يقنعك بأنه أنت، وأنك إن توقفت عن التفكير ستنهار أو تتعرض لمشكلة، بينما الحقيقة أبسط، أنت لست الفكرة، أنت من يلاحظ الفكرة، والفرق بينهما ليس فلسفة للتسلية، إنه بداية طريق الحرية والإفلات من تعذيب الاجترار.

لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
لماذا يرفض العقل أن يهدأ… حتى ونحن متعبون؟
أعلن في شمرا