يقترب المسلسل من الطبقة المتوسطة، ولا يشير إلى الطبقات الفقيرة أو الشعبية، ليكشف عن أن المعاناة أصبحت قريبة من كل الطبقات بصورة تكاد تتحول إلى كابوس، فلم تعد الأزمات المادية والاجتماعية تخص المُعدمين ومحدودي الدخل بل تطاول أيضاً الطبقات التي تعيش في أماكن راقية ونالت تعليماً جامعياً وتنتمي لأسر ميسورة الحال.
منذ أعوام طويلة تسيطر الكوميديا الخفيفة التي تعتمد على استدراج المشاهد لمواقف غير منطقية وكلمات تثير الضحك على المشهد الدرامي في مصر، وبما أن نجاحها مضمون صارت هذه النوعية البضاعة الوحيدة في عالم الترفيه بحجة أن "الجمهور عايز كده"، أي يريد دراما خفيفة تُخرجه من ضغوط الحياة ولا تحمله مزيداً من الهموم. وجاء مسلسل "كارثة طبيعية" ليعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ويؤكد أن الوهج الحقيقي يحدث عندما تقترب الدراما والموضوعات من واقع الناس وقضاياهم الملحة.
يقترب المسلسل من الطبقة المتوسطة، ولا يشير إلى الطبقات الفقيرة أو الشعبية، ليكشف عن أن المعاناة أصبحت قريبة من كل الطبقات بصورة تكاد تتحول إلى كابوس، فلم تعد الأزمات المادية والاجتماعية تخص المعدمين ومحدودي الدخل بل تطاول أيضاً الطبقات التي تعيش في أماكن راقية ونالت تعليماً جامعياً وتنتمي لأسر ميسورة الحال.
تبدأ الأحداث بتقديم "محمد" الشاب الثلاثيني الذي يعمل في شركة اتصالات، والمتزوج من "شروق" مصممة الكمبيوتر التي تنتمي إلى عائلة متوسطة. يتقاضى الزوجان الشابان راتباً لا بأس به يكفل حياة مقبولة إلى حد ما، لكن تنقلب الأمور عندما تقرر "شروق" إنجاب طفل على رغم معارضة "محمد" للفكرة خلال هذا التوقيت لأنهما لا يملكان مدخرات تضمن مستقبل الأبناء، لكن "شروق" تزيل وسيلة منع الحمل من دون علم الزوج لتضعه أمام الأمر الواقع.
يتقبل الزوج الشاب الأمر بصعوبة بعد محاولات متكررة منه لإجهاضها من دون علمها بواسطة عقاقير كيماوية خطرة، وعندما تفشل محاولاته وتكاد تتحول إحداها إلى جريمة يقرر الاستسلام للأمر الواقع ويحاول الاستعداد لاستقبال طفله الأول.
يستعرض المسلسل العوز المادي والديون والمعاناة التي يتعرض لها كل شخص من الطبقة المتوسطة يقرر أن ينجب، وقبل أن يولد طفل "محمد" و"شروق" يجد الزوج أن صديقه وزميله في العمل "شوقي" غارق في الديون، ويضطر إلى العمل في وظائف عدة منها سائق تاكسي حتى يستطيع توفير أقل النفقات لأبنائه الصغار. يزداد رعب "محمد" من المسؤولية، وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن عندما يفاجئه القدر بأن زوجته حامل في سبعة توائم.
ينهار الزوجان بعد فوات أوان التخلص من الحمل. وتحاول "شروق" توفير بعض النفقات وتقرر العمل من المنزل حتى تطمئن الزوج إلى أن هناك حلولاً للأزمة المنتظرة، ولكن مديرها يقوم بطردها فور الإنجاب، نظراً إلى عدم منطقية عمل أم لسبعة توائم من المنزل.
تبدأ الكوميديا السوداء في التفاقم عندما يعجز "محمد" عن توفير أقل الإمكانات لأبنائه السبعة. وعلى رغم محاولاته تكثيف ساعات العمل خلال النهار، وقيادة تاكسي صديقه أثناء الليل حتى يجمع أكبر قدر من النقود لمواجهة كلف الحياة وارتفاع الأسعار، وبخاصة لبن الأطفال، فإنه يعجز عن إحداث أي توازن.
تضيق الأحوال في كل حلقة عن الأخرى وكأن المسلسل يقترب بكاميرا تتغير عدساتها لتكشف التفاصيل الدقيقة أكثر فأكثر، فتتفجر أزمة تلو الأخرى ومنها عدم وجود دعم حكومي للأطفال التوائم، إذ إن أقصى عدد يمكن صرف ألبان مجانية أو مدعمة له هو ثلاثة توائم، وذلك بعد إجراءات روتينية عويصة.
استعرض المسلسل كذلك تعنت أصحاب العمل ضد النساء الأمهات في حال وجود أكثر من طفل، من دون وجود حماية أو قوانين داخل القطاع الخاص تدعم السيدات ضمن تلك الحالات أو تضمن لهن حقوقهن.
مر العمل أكثر من مرة على أزمات الارتفاع الجنوني للأسعار، وبخاصة في ما يتعلق بالولادة والمستشفيات ومستلزمات الرضع من حفاضات وملابس ومتطلبات ضرورية.
ظن الجميع أن المسلسل سيقدم كوميديا هدفها الترفيه باستخدام مفارقات مضحكة عن أب وجد نفسه فجأة مسؤولاً عن سبعة توائم، لكن انحرف المسار الذي توقعه بعض ودخل العمل مناطق شديدة الألم والسوداوية تحذر الجميع من الإنجاب ومسؤولياته، حتى ولو كان الشخص من أبناء الطبقة المتوسطة الميسورة نوعاً ما.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تفاعل الجمهور كثيراً مع الألم الذي يمر به الزوجان وحقق المسلسل حالاً كبيرة من التعاطف، بينما وصلت الأمور في بعض الحلقات لدرجة أن عدداً كبيراً من المتابعين اتهموا أسرة المسلسل بأن العمل يحرض على عدم الزواج ومقاطعة الإنجاب خوفاً من المصير الأسود والركض نحو الهاوية، مثلما حدث لـ"محمد" و"شروق".
لم تكن فكرة الإنجاب ومسؤولياته وتعذر الرزق وارتفاع الأسعار مصدر الإحباط الوحيد في العمل، لكننا وجدناه يتطرق أيضاً إلى أزمة انعدام الفرص بالنسبة إلى الموهوبين من الشباب في المجالات الإبداعية، فـ"محمد" شاب موهوب له كتابات جيدة وقصص ومؤلفات تصلح للدراما والسينما، ويحاول الوصول إلى نجم أو منتج يتيح له أية فرصة أو حتى يبدأ بقراءة نص له لكن كل محاولاته تبوء بالفشل، والمقلق أكثر كما جاء في المسلسل أنه في حال الوصول إلى بعض المشاهير يُستولى على الأفكار ويُتنكر لأصحابها بوقاحة.
وكان المسلسل شديد القسوة في عرض القضايا الحساسة مثل الإحباط وتدمير الطموح والسطو على الحقوق وبخاصة المعنوية والأدبية، والأقسى هو الترهيب الكبير من الحلم الغريزي الأول وهو الحب والزواج وتكوين الأسرة، لدرجة تنبه الجميع إلى أنه قد يعاني طوال حياته إذا فكر في تلك المنطقة.
محدودية الدخل وعدم إمكانية التطور مهما كانت المجهودات كانت من الموضوعات القاتمة التي تناولها المسلسل بصورة كوميدية، مع ذلك وصلت بقوة وتسببت في حال إحباط كبير بسبب قسوة الواقع. لم يقدم العمل حلولاً لكل الأزمات المطروحة، وكأن الأمل الوحيد لبطل العمل من أجل الخروج من دوامة الفقر هو الوصول فقط إلى تحقيق حلم الشهرة كمؤلف، وهذا في حد ذاته إشارة إلى معنى بين السطور، هو إذا لم تكن شهيراً في مجال إبداعي وتحصل على الملايين فلن تكون يوماً شخصاً لا يعاني الديون أو يمكنه تحقيق أحلامه البسيطة مثل الإنجاب.
تناول العمل قضايا أخرى بعيداً من الإنجاب والفقر، ومن أهمها سطحية الإعلام وافتقاده دوره المجتمعي، فمع تطور أحداث العمل بصورة مأسوية اضطر "محمد" لبيع كل أثاث منزله للإنفاق على التوائم، وعندما حاول مناشدة المسؤولين عبر أحد البرامج الكبيرة فوجئ بأن الهدف الأساس من معظم البرامج هو الضحك والترفيه دون الاقتراب من جوهر قضايا المواطنين ومعاناتهم، ليكشف المسلسل الوجه القبيح لبعض الإعلاميين والبرامج خلال الوقت الحالي.
ولم يغفل المسلسل الإشارة إلى موضوع شديد الخطر تفجر على الصعيد المصري خلال الآونة الأخيرة وهو تجارة الأعضاء، إذ عرضت بعض المشاهد معاناة "أم شوقي" والدة الصديق المقرب للبطل مرض الفشل الكلوي، ووجود سماسرة أعضاء بالمستشفى الذي تتلقى به العلاج يحاولون مساومة بعض الأصحاء لشراء أعضائهم بمقابل مادي مغرٍ.
وعندما يصل بطل العمل إلى حال من اليأس الكامل بعد ضيق السبل كافة يستسلم لمافيا تجارة الأعضاء ويقبل ببيع كليته بمقابل مادي كبير، ليخرج من الأزمة المادية ويوفر نفقات لأولاده.
حاول مؤلف المسلسل بعد تأزم الأوضاع وفشل سفر "محمد" إلى الخارج لحل الأزمة، إيجاد مخرج طبيعي مثل تعاطف أحد المسؤولين مع قضية وأزمات التوائم السبعة، فتواصل وزير التضامن الاجتماعي مع الأب والأم في محاولة للمساعدة من قبل الحكومة، ولكن قبل اتخاذ قرار رسمي عُزل الوزير من منصبه ليتوقف الأمل الأخير لدى "شروق" و"محمد" ويعودان لنقطة الصفر مجدداً حيث المصير اليائس.
قد يبدو المسلسل أكثر قتامة من مجرد كونه عملاً فنياً حول فكرة كوميدية نادرة الحدوث وهي إنجاب توائم سبعة، ولكن المؤلف أحمد عاطف فياض تناول العمل بصورة خادعة للمشاهد، إذ جُذب المُشاهد في إطار كوميدي بينما المحتوى الداخلي شديد الإحباط وقاسٍ في تناول القضايا التي يمر بها الناس مثل الغلاء وقلة الدخل وتسلط أصحاب العمل وسرقة الأفكار الإبداعية وانعدام الأمل في الوصول إلى الأحلام، وعلى رغم كل هذا الظلام نجح السرد المتقن والإيقاع السريع والتناول الذي تخللته الكوميديا في الهرب من الملل أو ضجر المتابعة، وعلى عكس التوقعات كان الجمهور شديد التعاطف مع "محمد" و"شروق" وأولادهما وكأنهم جزء من كل عائلة مصرية.
قدم محمد سلام أداء تمثيلياً مميزاً وبسيطاً، ونجح في أن يكون نسخة من كل شاب محبط يعاني على أرض الواقع صعوبة الحصول على أبسط حقوقه الإنسانية، وانتقل سلام في الإحساس بين الكوميديا والتراجيديا من دون تعقيد أو مبالغة.
وكانت البطلة التي قامت بدور الأم وهي جهاد حسام الدين اختياراً موفقاً، إذ اعتمدت على تجسيد المعاناة من دون مبالغة أو اللجوء للأنماط القديمة في التمثيل والتعبيرات المحفوظة.
ظهر عدد من النجوم وكانوا إضافات مميزة مثل الفنان كمال أبو رية في دور والد "شروق" أم التوائم السبعة، ولعب دور مدرس جغرافيا مغرور ومتعالٍ يكذب ليخفي الجانب الضعيف من شخصيته، وكانت مشاهده مضحكة على رغم أن الكوميديا لم تكن ملعبه طوال تاريخه الفني الطويل، بل تميز في الدراما والتراجيديا، ولكنه اعتمد في العمل على كوميديا الموقف.
انتهي المسلسل بظهور الممثل المميز محمد فراج في شخصيته الحقيقية كشاهد على سرقة مؤلف كبير لفكرة البطل الأساس للعمل. ودعم محمد ممدوح صديقه محمد سلام بقيامه بدور وزير التضامن الذي حاول مساعدة "محمد" و"شروق"، لكنه أُقيل خلال اللحظات الأخيرة قبل حل أزمتهما.
أما أحمد مكي فاختتم المشهد الأخير من المسلسل بظهوره كضيف شرف يمسك بالصدفة أحد مؤلفات البطل ويقرأها، في إشارة غير واضحة قد تحمل اتجاهين متعارضين، الأول أنه سيكتشف "محمد" ويساعده في إبراز موهبته ويكون هذا حلاً درامياً مثالياً لأزمته، أو أنه سيقرأ السيناريو الذي كتبه "محمد" ويستولى عليه مثلما فعل مؤلف ونجم شهير قبله.
وعلى رغم أن المسلسل أول أعمال المخرج حسام موسى، لكنه نجح في ضبط إيقاع الممثلين بدرجة متميزة تجمع بين العمق والبساطة، ووظف كل ضيوف الشرف في أدوار خدمت الدراما بصورة قوية.
أما أبرز النقاط المضيئة فهي شجاعته في اكتشاف موهبة الكوميديا لدى كمال أبو رية، وتقديم وجه جديد بطلة في دور كبير جداً، وهي مجازفة ومراهنة نجحت واستحقت التقدير.