يجب أن نعلم أن الذكاء الاصطناعي يمر بمرحلة طبيعية، هي جزء من رحلة أية تقنية ثورية، بل يمكن اعتبارها مرحلة تصحيح بعد فترة الحماسة المفرطة، بالتالي يرجح أن تكون علامات نضج أكثر منها علامات فشل. والأكيد أن الذكاء الاصطناعي سيمر في ما بعد في منحدر الاستنارة، لكي تتحدد قيمته الحقيقية من خلال الفهم الوقعي، وفي حين أن الطريق إلى هضبة الإنتاجية قد يستغرق سنوات عدة، لكن الأكيد أن هذه التقنية ستصبح بعد ذلك في مكان آخر تماماً.
في عالم التقنية المتسارع، نشهد باستمرار ظهور تقنيات جديدة تحظى بضجة إعلامية هائلة وتوقعات مبالغ فيها، يتبعها مراحل أخرى من التطور وصولاً إلى النضج، وفي حين أن الهدف الأساس من وجود هذه التقنيات تسهيل الحياة وحل مشكلاتها، إلا أن ظهورها بصرف النظر عن غايته يمر بأجواء متبدلة من الاهتمام، تبدأ بالحماسة مروراً بخيبة الأمل، وصولاً إلى التأكد من جدواها.
ودورة الحياة هذه ليست عشوائية، بل تتبع مساراً محدداً عرفته شركة "غارتنر" للأبحاث التقنية بـ"دورة الضجة"، وهي نمط سير معتاد في عالم التقنيات الجديدة، ولأن الذكاء الاصطناعي التوليدي غير مستثنى من السلوك الكلاسيكي هذا، يتوجب علينا اليوم فهم دورة الضجيج هذه ومراحلها لاتخاذ قرارات أكثر حكمة ووضع استراتيجية أوضح في عصر التحولات التقنية السريعة.
ودورة الضجيج نموذج تحليلي من خمس مراحل طورته "غارتنر" في التسعينيات لتصوير دورة حياة التقنيات الناشئة، من لحظة ظهورها حتى نضجها واستقرارها في السوق، وتقوم هذه النظرية على فرضية أساس تقول إن الحماسة الأولية لأية تقنية جديدة، التي غالباً ما تكون مبالغاً بها ولا تعكس الواقع الفعلي لقدراتها وإمكاناتها، تتبعها حتماً فترة من خيبة الأمل عندما تصطدم التوقعات المفرطة بالواقع العملي.
تبدأ الدورة بمرحلة "إطلاق الابتكار"، وهي نقطة الانبهار الأولي بالتقنية أو الفكرة المبتكرة المعلنة، وغالباً ما تجذب المهتمين والمختصين مع قليل من الاهتمام الإعلامي، تليها مرحلة "قمة التوقعات المبالغ بها"، وهنا ترتفع الحماسة بصورة كبيرة جداً، وتصل الضجة ذروتها ويبدأ الإعلام بتناول الموضوع وتتدفق التوقعات التي تتأمل من التقنية حل كل المشكلات خلال فترة قريبة.
ويشمر المستثمرون عن سواعدهم، وتتسابق الشركات لاحتضان التقنية الناشئة، ولأن هذه المرحلة غير واقعية ومنفصلة عن القدرات الفعلية للتقنية، يبدأ الإحباط بالتسلل لتدخل التقنية مرحلة "وادي خيبة الأمل"، وهي مرحلة حاسمة تحدد مصير أية تقنية ناشئة، وفيها تنحسر الحماسة بعد أن تتكشف الحقائق، فالمشاريع تفشل في تحقيق الإيرادات المتوقعة ويتراجع المستثمرون وتبدأ قصص الفشل بالانتشار على وسائل الإعلام، وفي هذه المرحلة تميز التقنيات الحقيقية عن الخادعة، ولا يعود للضجة الفارغة أي تأثير.
وعند المرور بالمرحلة الرابعة "منحدر الاستنارة"، يظهر على السطح ما له قيمة فقط، وتتضح الاستخدامات الواقعية والممارسات الأفضل وتصبح التوقعات واقعية، وتبدأ الشركات في تحقيق عوائد ملموسة، إذ تتضح المواضع التي تنجح بها التقنية فتتحسن نتائج أدواتها وتطبيقاتها، وهذا ما يمهد الوصول إلى "هضبة الإنتاجية"، إذ تنضج التقنية وتستخدم بصورة أوسع، وتنتقل لتصبح جزءاً من البنية التحتية الطبيعية للأعمال.
واليوم يبدو وكأن الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة انحسار الحماسة والسقوط في وادي خيبة الأمل، ومؤشرات عدة تدل على ذلك، أهمها الفجوة بين التوقعات والواقع ومواجهة قيود تقنية وتنظيمية وتكاليف غير متوقعة وعوائد مخيبة للآمال.
وفي السياق تصدر "بنك دويتشه" عناوين الأخبار واصفاً عام 2026 بأنه أصعب عام حتى الآن بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، وأشار محللوه إلى ثلاثة تهديدات رئيسة تتمثل في خيبة الأمل والاضطراب وانعدام الثقة، محذرين من أن فترة التفاؤل المفرط في شأن الذكاء الاصطناعي قد انتهت رسمياً، وصدر التقرير في فترة تراجع في السوق، إذ انخفض سهم شركة "إنفيديا" بنسبة أربعة في المئة، وخسر سهم "برودكوم" ما يقرب من خمسة في المئة في جلسة واحدة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قبل نحو ثلاث سنوات، ظهر الذكاء الاصطناعي التوليدي بقوة، وشهد علم 2022، نقطة تحول مع إطلاق "تشات جي بي تي"، ومع انتشار النماذج اللغوية الكبيرة بدأ ضخ كم كبير من الوعود والتوقعات بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الوظائف ولن تكون هناك حاجة في المستقبل إلى المبرمج والمصمم والكاتب وغيرهم، وبدأت الشركات تستثمر به من دون الوصول إلى فهم كلي، مع توقعات مبالغ بها واستثمارات سريعة بلا استراتيجية واضحة، ثم مع ظهور بعض العلامات مثل الخطأ والهلوسة، والتنبه إلى تكاليف التشغيل العالية وصعوبة دمجه في العمل اليومي، بدأت الأسئلة تتصاعد من كل مكان، أين يستطيع الذكاء الاصطناعي تحقيق النجاح؟ وأين يعجز عن ذلك؟
ومع المرور في مرحلة التوقعات والإخفاقات في التنفيذ تراجعت الحماسة الأولية، لندخل طور الاختبارات الحاسمة التي ستحدد مسار الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ تقيم الشركات تجربتها وسط التحديات والمنافسة المتزايدة.
وبحسب "الإيكونوميست"، بالنسبة إلى عدد من الشركات، تحولت الحماسة في شأن وعود الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى استياء من صعوبة استخدام هذه التقنية بصورة مثمرة، وارتفعت نسبة الشركات التي تخلت عن معظم مشاريعها التجريبية للذكاء الاصطناعي التوليدي إلى 42 في المئة مقارنة بـ17 في المئة في العام الماضي، إذ تواجه الشركات صعوبة في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي التوليدي لأسباب عدة، أولها قواعد بياناتها التي غالباً ما تكون معزولة وعالقة في أنظمة تكنولوجيا معلومات قديمة، كما يواجه كثير منها صعوبات في توظيف كفاءات تقنية مناسبة.
وكشف تقرير لمعهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا عن أن نسبة قليلة من مشاريع الذكاء الاصطناعي التجريبية في الشركات تنجح، وبحسب نتائج البحث فإن بعض المشاريع التجريبية للشركات الكبيرة والشركات الناشئة التي يقودها شباب في عمر 19 إلى 20 سنة، قفزت إيراداتها من صفر إلى 20 مليون دولار في عام واحد، بسبب تركيزهم على مشكلة محددة، وتنفيذهم بكفاءة، وتعاونهم بذكاء مع الشركات صاحبة الأدوات، لكن بالنسبة إلى 95 في المئة من الشركات التي شملتها الأبحاث، فإن تطبيق الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يرقى إلى المستوى المطلوب، إذ كان هناك تفاوت بين التوقعات والتنفيذ.
وتشير أبحاث المعهد إلى خلل في الدمج المؤسسي، لكن المشكلة ليست في جودة النماذج، بل في فجوة التعلم لكل من الأدوات والمؤسسات، فأدوات عامة مثل "تشات جي بي تي" تتفوق على الأفراد بفضل مرونتها، لكن في الوقت ذاته يتعسر استخدامها في العمل المؤسسي، لأنها تعجز عن التعلم من سير العمل أو التكيف معه، كما تكشف البيانات عن سوء في تخصيص الموارد، إذ يكرس أكثر من نصف موازنات الذكاء الاصطناعي التوليدي لأدوات المبيعات والتسويق.
في النهاية يجب أن نعلم أن الذكاء الاصطناعي يمر بمرحلة طبيعية هي جزء من رحلة أية تقنية ثورية، بل يمكن اعتبارها مرحلة تصحيح بعد فترة الحماسة المفرطة، بالتالي يرجح أن تكون علامات نضج أكثر منها فشل. والأكيد أن الذكاء الاصطناعي سيمر في ما بعد في منحدر الاستنارة، لكي تتحدد قيمته الحقيقية من خلال الفهم الوقعي، وفي حين أن الطريق إلى هضبة الإنتاجية قد يستغرق سنوات عدة، لكن الأكيد أن هذه التقنية ستصبح بعد ذلك في مكان آخر تماماً.