أثارت كلمة (الأزمة) التي استخدمها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في حديثه عن عودة اللاجئين السوريين انتقادات لدى بعض أبناء الثورة. وجاء الاعتراض من حساسية السوريين تجاه مصطلح استخدمه النظام السابق لتوصيف ما جرى منذ عام 2011، متجاهلاً طبيعة الحراك الشعبي ومطالبه السياسية.
غير أن تقييم التصريح يقتضي التمييز بين وصف أزمة اللجوء والعودة واستخدام كلمة (الأزمة) لوصف الثورة بحد ذاتها. هذا الاعتراض مفهوم في سياق التجربة السورية، فمنذ عام 2011 لم تكن الكلمات المستخدمة لوصف ما يجري محايدة دائماً إذ سعى النظام السابق إلى تقديم الاحتجاجات الشعبية بوصفها اضطراباً أمنياً متجاهلاً مطالب الحرية والكرامة والتغيير السياسي.
ومع مرور السنوات ارتبطت كلمة (الأزمة) لدى كثير من السوريين بخطاب يختزل الثورة في نتائجها المأساوية ويتجاهل أسبابها والمسؤولية عن العنف الذي واجهها.
في المقابل لا يكفي ورود كلمة (الأزمة) في تصريح سياسي للحكم على المعنى الذي أراد صاحبه التعبير عنه، ففي تصريح الشيباني الذي ألقاه في 17 تشرين الأول خلال اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد جاءت عبارة “سنوات الأزمة” في سياق شكره للدول التي استضافت السوريين وقدّمت لهم الحماية.
وهذا السياق يجعل تفسير العبارة بوصفها إشارة إلى سنوات اللجوء والمعاناة تفسيراً ممكناً ولا يثبت أنه قصد وصف الثورة نفسها بالأزمة. ومع ذلك فإن حساسية السوريين تجاه الكلمة مفهومة في ضوء استخدامها سابقاً في خطاب النظام لتوصيف ما جرى منذ عام 2011.
لذلك ينبغي فهم التصريح في سياقه مع الانتباه إلى دلالة الكلمات من دون أن ننسب إلى صاحبها موقفاً لم يعبّر عنه بوضوح. تكتسب الكلمات المستخدمة في الخطاب السياسي أهمية خاصة لأنها تؤثر في الطريقة التي يفهم بها الناس الأحداث، فهناك فرق بين وصف ما جرى بأنه احتجاج أو اضطراب أو تمرد أو انتفاضة أو ثورة، ولكل تعبير دلالته السياسية وما يترتب عليه من فهم للمطالب وأصحابها.
وقد استخدم النظام السوري السابق مصطلحات هدفت إلى تصوير الاحتجاجات على أنها مشكلة أمنية متجاهلاً المطالب التي خرج السوريون من أجلها. وتزداد حساسية الكلمات حين تصدر عن مسؤول رسمي إذ يتعامل الناس مع تصريحاته باعتبارها تعبيراً عن موقف الدولة وتوجهاتها.
وفي المجتمعات التي عاشت القمع والحروب والتهجير لا تنفصل المفردات عن التجارب التي ارتبطت بها، وقد تستحضر كلمة واحدة سنوات من الإنكار والتضليل فتثير اعتراضاً يتجاوز معناها المباشر وهذا ما يفسر حساسية كثير من السوريين تجاه المصطلحات التي استخدمها النظام السابق لتوصيف الثورة.
ومع ذلك فإن فهم هذه الحساسية لا يعني أن نحكم على كل تصريح من خلال كلمة واحدة أو أن نفترض أن كل تعبير غير موفق يعكس موقفاً سياسياً مقصوداً، فالسياق مهم وكذلك مضمون التصريح والموقف الذي يعبّر عنه.
والمسؤول السياسي مطالب باختيار كلماته بعناية، خصوصاً حين يتحدث عن قضايا تمس ذاكرة الناس وحقوقهم وتضحياتهم، كما أن نقد التصريحات يحتاج إلى الدقة نفسها التي نطالب بها أصحابها.
بعد سقوط النظام تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية لأن السوريين ينتظرون خطاباً يعترف بتجربتهم وما دفعوه من أثمان ويحترم اختلاف مواقفهم وتصوراتهم لمستقبل البلاد، وتحتاج المرحلة الجديدة إلى لغة واضحة في توصيف ما جرى وفي الحديث عن الضحايا والمسؤوليات والحقوق.
فالثورة جزء من تاريخ السوريين وتجربتهم التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن اللجوء والتهجير وما خلّفاه من آثار، وهذا يحمّل المسؤولين والفريق الذي يُعدّ خطاباتهم مسؤولية الانتباه إلى المصطلحات المستخدمة واختيارها بعناية، فبعض الكلمات لها تاريخ ثقيل في الذاكرة السورية وترتبط بمواقف سلبية لدى شريحة واسعة من السوريين.
حساسية السوريين تجاه هذه الكلمات لا تعني رفض النقاش حولها وإنما تستدعي من المسؤولين الانتباه إلى دلالاتها وما قد تتركه من أثر لدى من عاشوا تلك التجربة. ومن هنا فإن مسؤولية الخطاب الرسمي تتمثل في معالجة الملفات الراهنة من دون إغفال جذورها وفي اختيار تعبيرات لا تترك مجالاً للالتباس خاصة فيما يتعلق بتجربة السوريين وتضحياتهم.
في النهاية لا تكفي عبارة “سنوات الأزمة” وحدها للحكم على موقف الشيباني من الثورة ما دام سياقها يشير إلى حديثه عن الدول التي استضافت السوريين، غير أن النقاش الذي أثارته يذكّر بأهمية اللغة السياسية في التعامل مع ذاكرة السوريين.