شهدت سوريا حضوراً متزايد للمؤثرين في المشهد العام بعد التحرير بشكل خاص، وذلك من خلال لقاءات تجمعهم بمسؤولين حكوميين، أو الاستعانة بهم لشرح قرارات وسياسات والترويج لها، أو حضورهم لأحداث معينة كتوقيع عقود استثمار ومذكرات تفاهم وافتتاح معارض.
ويمكن فهم وتبرير هذا التوجه بسبب قدرتهم على الوصول السريع إلى أعداد كبيرة من الناس، وبأسلوب أقرب إلى الجمهور من الخطاب الرسمي التقليدي.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل يكفي امتلاك جمهور واسع ليصبح صاحبه شريكاً أساسياً في تشكيل الرأي العام، ولا سيما في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى بناء مؤسسات راسخة، وإلى استعادة الثقة المفقودة مع المؤسسات في المرحلة السابقة؟
طبعاً لا يعني ذلك رفض هؤلاء المؤثرين أو التشكيك في دوافعهم، فهم ليسوا فئة واحدة، وقد يقدم بعضهم محتوى مفيداً. لكن تبدأ المشكلة عندما تصبح الشهرة معيارا للنفوذ، وعدد المتابعين أكثر أهمية من الخبرة والمعرفة والقدرة على تقييم القرارات العامة.
شهدنا، على سبيل المثال، لقاء وزير الطاقة بمجموعة من المؤثرين قبل الإعلان عن رفع أسعار المحروقات، حيث جرى إطلاعهم على القرار والحيثيات التي دفعت الوزارة إلى اتخاذه. كما شهدنا انتقال أحد المؤثرين إلى مناطق متأثرة بقرارات تخص المنطقة، بعد لقاءات مع مسؤولين محليين، لتقديم رسائل تحث السكان على تقبّل تلك القرارات.
وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بجدوى الاستعانة بالمؤثرين وحدها: هل يحصل المواطن المتأثر بالقرار على فرصة مماثلة لعرض مخاوفه ومناقشة مبرراته؟ وهل يمنح المسؤول وقته واهتمامه للمواطن العادي، أو الخبير المتخصص، بالقدر نفسه الذي يمنحه لشخص يمتلك مئات الآلاف من المتابعين؟
هذه أسئلة تعكس طبيعة العلاقة التي يجري بناؤها بين الدولة والمجتمع. في علم الاجتماع، يفسر مفهوم «رأس المال الرمزي» لدى بيير بورديو كيف تتحول المكانة والاعتراف الاجتماعي إلى مصدر للنفوذ. وفي البيئة الرقمية، يصبح عدد المتابعين والقدرة على جذب الانتباه شكلاً من أشكال هذه المكانة، لكنه لا يعادل بالضرورة الخبرة أو الكفاءة.
إذا أصبح الانتشار وعدد المشاهدات وعدد التفاعلات، معياراً أساسياً لاختيار من يلتقي المسؤولين أو يشارك في شرح السياسات، قد تتراجع فرص الخبراء والباحثين والصحفيين والناشطين المجتمعيين في التأثير، لأنهم لا يمتلكون أدوات الانتشار نفسها.
وهذا لا يعني أن حضور المثقفين والنخب تراجع بسبب المؤثرين وحدهم، لكن من الضروري الانتباه من نموذج يمنح الشهرة وزناً أكبر من المعرفة، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى جميع الخبرات المتاحة،
هناك جانب آخر يتعلق بكيفية تقديم القرارات للجمهور. فالسياسات الاقتصادية والاجتماعية يتم التعامل معها كمنتجات تجارية يتم عرض مزاياها لإقناع الناس بها. والحقيقة أن لكل قرار مبرراته وتكاليفه وآثاره المحتملة، وقد تكون له نتائج إيجابية في جانب وأعباء في جانب آخر. فيتم اختزال هذه التعقيدات في مقاطع قصيرة ورسائل جاهزة، تشرح لماذا اتخذت الحكومة القرار، من دون أن تتيح مساحة كافية لمناقشة آثاره وبدائله.
ومع تكرار هذا الأسلوب، سيكتفي الجمهور (المواطن) بدور المتلقي دون فهم القضايا وتقييمها. وثمة مفارقة أخرى تستحق الانتباه: عندما تستعين الحكومة بالمؤثرين لتوسيع انتشار رسائلها، قد تجد نفسها أيضاً تحت ضغط المنصات والترندات التي تساهم هذه البيئة في صناعتها وتسريعها، وهو ما يعبر عنها بمقولة: السحر ينقلب على الساحر.
في المرحلة الانتقالية، ما يساهم في بناء مؤسسات الدولة هو القواعد التي تحكم علاقتها بالمجتمع. ومن هذه القواعد أن تكون فرص الوصول إلى المسؤولين والمعلومات متاحة وفق معايير واضحة، دون امتياز لأشخاص بسبب شهرتهم.
لا مانع في أن تستعين الحكومة بالمؤثرين لشرح سياساتها، على أن يكون ذلك جزءاً من منظومة أوسع تتيح المعلومات للجميع، وتستمع إلى الخبراء والصحفيين والهيئات المهنية والمجتمع المدني، وتضمن الإفصاح عن أي تعاون مدفوع أو منافع مرتبطة به مع المؤثرين، على أن لا يتعدى دور المؤثر المساعدة في إيصال القرار، وأن لا يكون الوصول إلى جمهور واسع هو الذي يعطي القرار الشرعية المطلوبة.
ويتحدد جانب مهم من شكل المجال العام الذي ستبنيه سوريا في السنوات المقبلة، من خلال احترام عقل المواطن، وترسيخ التفكير النقدي البنّاء، وبالموازنة بين الشهرة والكفاءة، والترويج والمشاركة.