الصهيونية والنازية.. الحقد والحب المتبادل والتكامل الاستعماري

شهدت القارة الأوروبية على مدى قرون ظاهرة مستحكمة من الرفض المجتمعي والمؤسسي لاندماج الأقليات اليهودية، حيث فرضت عليهم القوانين والأعراف حالة من التمييز والتهميش والتضييق، وسطعت أعمال أدبية تصف حالهم مثل عمل “تاجر البندقيه” لشكسبير. ومع صعود القوميات الأوروبية الحديثة في القرن التاسع عشر، تحوّل وجود اليهود في أوروبا إلى عقدة سياسية واجتماعية أُطلق عليها آنذاك “المسألة اليهودية”.

وفي هذا السياق المتأزم، بزغت الحركة الصهيونية كاستجابة سياسية قومية متطرفة، تبنّت الأدوات الأيديولوجية الأوروبية نفسها القائمة على القومية الإثنية. ولم تكن الحركة في بدايتها، بقيادة تيودور هيرتزل، ملتزمة بجغرافية محددة؛ إذ طُرحت خيارات عدة لوطن قومي لليهود في مناطق مختلفة من العالم قبل أن يُستقر سياسياً واستعمارياً على خيار فلسطين المتوافق عليه استعمارياً ووظيفياً.

وفي طريقها لتحقيق ذلك، أعادت الصهيونية تعريف اليهودية تحويلاً لها من دين وجماعات دينية إلى قومية سياسية استيطانية، وعملت على ليّ النصوص الدينية لتبرير مشروعها، على الرغم من التعارض الصريح بين أدبياتها وبين العقيدة اليهودية التقليدية.

وقد واجه المشروع الصهيوني اعتراضاً حاداً من التيارات اليهودية الأرثوذكسية (مثل الحريديم وحركة “ناطوري كارتا”)، استناداً إلى مبدأ “الأيمان الثلاثة” التوراتي، والذي يحرّم في الفقه اليهودي (الهالاخا) التجمع القسري والعودة الجماعية إلى أراضي فلسطين قبل ظهور “المسيح المنتظر” وهذا ما مثل لدى هولاء اليهود خيانة لليهودية نفسها وخروجاً عليها.

كما عارضت التيارات اليهودية التنويرية والاشتراكية هذا التحول معتبرة إياه مشروعاً مغايراً لأخلاقيات الدين وحراكاً يهدد اندماج اليهود في مواطنتهم الأصلية. وقد تلاقت مصالح الحركة الصهيونية مع تطلعات الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية، وعلى رأسها بريطانيا، والتي كانت تسعى لتفكيك تركة الدولة العثمانية وتقسيم المنطقة العربية إلى كيانات مسيطر عليها.

وتجسد هذا التكامل في وعد بلفور عام 1917، حيث أصبحت الصهيونية رأس حربة استعمارية في قلب الشرق العربي، تفصل بين مشرقه ومغربه، وتمنح أرضاً يسكنها شعب عربي أصيل لحركة استيطانية أجنبية اعتنقت في النهاية صيغة نازية بصبغة يهودية.

ولم تتوانَ الحركة الصهيونية عن عقد تحالفات براغماتية حتى مع أشد أعداء اليهود في أوروبا؛ ففي عام 1933 وقّعت الوكالة اليهودية مع السلطات النازية اتفاقية “هعفراه” (النقل)، التي سمحت بتهجير عشرات الآلاف من اليهود الألمان إلى فلسطين وتسهيل نقل أموالهم على هيئة بضائع ألمانية، ليمثل ذلك حلفاً لتقاطع المصالح بين طرفين يسعيان لأهداف ديمغرافية وسياسية في آن واحد.

وعقب الحرب العالمية الثانية والتداعيات للمحرقة النازية (الهولوكوست)، رفضت الدول الغربية – بما فيها بريطانيا والولايات المتحدة – فتح أبوابها لاستقبال مئات الآلاف من الناجين اليهود الأوروبيين أو إعادتهم وإدماجهم في مجتمعاتهم. وبدلاً من أن تحمل أوروبا مسؤوليتها الأخلاقية والتاريخية عن الجرائم التي وقعت على أرضها وبأيديها، قامت بتصدير أزمتها ونقل أعبائها نحو فلسطين.

حيث أُغلقت الحدود الغربية أمام اللاجئين، وتُوجّه تدفقاتهم قسراً وسياسياً نحو فلسطين ليتشكل منهم خزان بشري وعسكري للمشروع الاستيطاني، متحولين بذلك من ضحايا للنازية في أوروبا إلى أدوات تنفيذية لمشروع استعماري يمارس التهجير والإحلال ضد الشعب الفلسطيني بعقيدة صهيونية نازية الأهداف والمقاصد وتزييف تفسير نصوص توراتية حيث تتشابه الأيديولوجيات القومية الاستعمارية في نظرتها للآخر؛ فكما اعتمدت النازية على فكرة التفوق العرقي وتجريد الآخر من إنسانيته لتبرير إبادته، اعتمدت الصهيونية على خطابي الاستعلاء والعنصرية الهيكلية ونفي وجود الشعب الفلسطيني الأصيل لتبرير مصادرة أرضه وطرده.

وفي هذا السياق، يأتي الفيلم الوثائقي «نازا» (NAZA)-الذي يستند إلى شهادات صريحة لـ 24 جندياً وضابط استخبارات إسرائيلياً- ليعكس عمق الغياب الأخلاقي التام داخل المؤسسة العسكرية. يكشف الفيلم عن تحول عمليات القتل المنهجي والعقاب الجماعي والتدمير الآلي إلى مجرد بيروقراطية يومية.

حيث تجلت الذروة الفلسفية والأخلاقية عندما اعترف أحد الضباط في الفيلم بأنه وشعوره الداخلي قد أصبح “نازياً وترساً في آلة”، وهو تعبير يتقاطع مباشرة مع مفهوم “ابتذال الشر” الذي صاغته هانا أرندت-وهي فيلسوفة ألمانية يهودية معارضة للصهيونية- في تحليلها لشخصية أيخمان عراب الهولوكوست النازي فالأنظمة الشمولية هي التي تسلب الفرد ضميره الأخلاقي وتحوله إلى أداة تنفيذية صماء.

إن ما جرى في تاريخ المنطقة يكشف أن الغرب الاستعماري حقق غايته المزدوجة: تخلص من الأقلية اليهودية في أوروبا عبر توجيهها للخارج، وأسس معسكراً مدججاً بالسلاح مطوراً عن معسكرات التشغيل النازية على شكل دويلة يخدم مصالحه الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مستنزفاً أبناء المنطقة من عرب ومتخلصاً من جماعات وأقليات يهودية أو متهودة رفضها في مجتمعاته بل وأبادها، في صراع صفري استعماري يخدم أجندته؛ فلا تعجب من دفاع المستشار الألماني عن أن إسرائيل جزء من هوية ألمانيا، ولِمَ لا وهي المحرقة الثانية؟

وفي النهاية، وبعد تأمل دقيق، يتبين أن هرتزل كان هتلر الأول، ومن بعده الزعماء الصهاينة النازيون والمحافظون الجدد من اتباع الصهيونية الإنجيلية الذين يسعون إلى إقامة المحرقة الثانية في فلسطين وأكبر معسكر نازي استعماري يرفضه اليهود الحقيقيون. ومن أن يتحول ضحايا المحرقة النازية إلى نازيين يقتلون العرب أبناء إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) ديناً وتاريخياً وهم أبناء العمومة حسب الأدبيات التوراتية.

وهذا يطرح تساؤلات وجودية عن اليهودي الحقيقي وهل هو الموجود في فلسطين حسب جماعات يهودية عديدة ترى غير ذلك مثل ناطوري كارتا كما أسلفنا سابقاً وتنفي عن أغلبهم هذه الصفة، وحتى في نظر الممثلة اليهودية الإسرائيلية حيلي غولدينبرغ التي وصفت ذلك على الهواء مباشرة بالإرهاب اليهودي.

وإن السلوكيات الميدانية للكيان الاستيطاني- سواء عبر جرائم الإبادة الجماعية والعقاب الجماعي في غزة، أم عبر الاعتداءات التي تطول المدنيين وذوي الاحتياجات الخاصة والضعفاء كما حدث في مختلف مناطق العدوان في فلسطين وسوريا ومنها حادثة مقتل المواطن السوري من ذوي الاحتياجات الخاصة من درعا معاذ سلامة البعير، عليه رحمة الله- تعكس التجرد التام من الضوابط الأخلاقية والقانونية.

فعندما تُبنى الأيديولوجيا على نفس الأيديولوجية النازية في إبادة المعوقين وعلى نفي الآخر واستباحة حياته، تصبح الممارسات الميدانية تجسيداً صارخاً لآلية البطش الاستعمارية التي تنزع عن الإنسان كرامته، وتؤكد على ضرورة المساءلة الدولية لكشف هذا التداخل بين العقيدتين والحدّ من آثارهما المأساوية على المنطقة. ويبقى ظلم ذوي القربى أشد وطأة، والعزاء والرحمة لأطفال درعا وغزة.

أعلن في شمرا