عندما تبدو الرياضيات صعبة أو غريبة، فليس ذلك قصوراً شخصياً، بل هو إرثنا التطوري.
في كل مكان حولنا، وأينما اتجهن أنظارنا نجدها، هي الأول والآخر، الظاهر والمستتر، هي الأرقام تسبح خلف أي موجود مادي مهما اختلفت تسمياته وتصنيفاته. ستجدها في تقسيمات وجهك الظاهر في المرآة وفي المرآة نفسها لناحية طولها وأبعادها، وفي كل ركن وزاوية وشيء تطاله مقلتيك وتسمعه أذنيك وتلمسه يديك، فهي ليست معادلات مكتوبة على لوح، بل أنماط تتكرر بهدوء واثق ومتزن، كأن يداً خفية رسمت العالم بمسطرة وفرجار.
إذ كثيراً ما عدت الرياضيات لغة الكون، فهي تمكننا من فك رموز الأنماط والبنى المعقدة التي تحكم العالم الطبيعي، فمن جمال الصدفة المتناسق إلى المعادلات المعقدة التي تصف حركة الأجرام السماوية، تشكل الرياضيات أداة قوية لفهم الظواهر التي نرصدها ونفسرها.
على امتداد تاريخ البشرية وخلال مئات آلاف السنين من الصيد والبحث عن الطعام وتجنب المفترسات والتفاعل الاجتماعي، كان البقاء يعتمد بصورة شبه كاملة على قدرتنا على التفاعل مع العالم المادي والحسي المحيط بنا، إذ أصبحت أدمغتنا بارعة بصورة استثنائية في قراءة تعابير الوجه وتتبع الأجسام المتحركة وتقدير المسافات والاستجابة للخطر في لحظة. فقد تشكلت هذه القدرات عبر ملايين السنين من التطور، حتى أصبحت تبدو سهلة المنال لأنها، في معظم تاريخنا، كانت الشيء الوحيد المهم.
وعلى النقيض من ذلك، تعد الرياضيات الرمزية بصورتها الرسمية ظاهرة حديثة العهد، فقد امتلك البشر، منذ أقدم العصور، القدرة على التفكير المجرد بمفهومه الواسع، فاللغة في جوهرها نظام تجريدي، والرسوم الكهفية القديمة تحمل دلالات رمزية، كذلك أن صناعة الأدوات تنطوي على قدر من التخطيط المسبق والتصور الذهني.
لكن القدرة المحددة على التعامل مع الرموز المكتوبة والتفكير في اللانهاية واتباع سلاسل من الاستنتاجات المنطقية البعيدة من التجربة المادية، لا تتجاوز بضعة آلاف من السنين، وهي فترة وجيزة في مسيرة التطور، إذ لم يمر علينا عدد كاف من الأجيال حتى أصبح هذا النوع من التفكير غريزياً. لذا عندما تبدو الرياضيات صعبة أو غريبة، فليس ذلك قصوراً شخصياً، بل هو إرثنا التطوري.
فالعالم الحسي هو موطننا، بالمعنى البيولوجي الأعمق، أما التفكير المجرد فهو أمر يتطلب منا جهداً واعياً للوصول إليه، وهذا الجهد في البداية يبدو شاقاً دائماً.
تعد الرياضيات أكثر من مجرد أداة للقياس أو نظام من الرموز المجردة، هي بلا شك اللغة الأمثل للمبادئ. فهي تمكننا من التعبير عن البنى والعلاقات الأساسية التي تقوم عليها جميع الظواهر. فعندما نصف الجاذبية بالمعادلات أو نتنبأ بمسار كوكب ما، فإننا لا نكتفي بالملاحظة فحسب، بل نتفاعل مع القوانين الرياضية التي تشكل الشفرة التشغيلية للكون. هذه المبادئ ليست من ابتكارنا لفهم العالم، بل تبدو وكأنها مكتشفة، حيث كانت متأصلة في العالم نفسه وتنتظر الكشف عنها. ولعل القدرة التنبؤية للرياضيات، أي قدرتها على استشراف الظواهر قبل رصدها، هي أقوى دليل على دورها الجوهري كمبدأ حاكم.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويكفي أن نتصفح الكتب الكبرى لنلمس الانبهار المتجدد بالحقائق الرياضية، وما تتركه من آثار عميقة في فهمنا للكون وكشف أسراره.
فمن الفيثاغوريين الذين آمنوا بأن "كل شيء عدد"، إلى أفلاطون الذي افترض وجود عالم من المثل العليا الذي يمكن الوصول إليه عبر الاستدلال الرياضي، والفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي رينيه ديكارت الذي وجد في سعيه وراء اليقين حقيقة ثابتة في وضوح وتميز الأفكار الرياضية، مستخدماً إياها نموذجاً للمعرفة جمعاء. ولاحقاً، تناول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط مسألة إمكان إصدار أحكام تركيبية قبلية، لا سيما في الرياضيات، مشيراً إلى أن المكان والزمان أنفسهما ينظمان من قبل عقولنا وفقاً للحدس الرياضي، مما يجعل بعض القوانين الرياضية صحيحة عالمياً للتجربة. أكد هؤلاء المفكرون، كل على طريقته، على الصلة العميقة والغامضة في كثير من الأحيان، بين الرياضيات وأعمق مبادئ الواقع.
إن دلالات القوانين الكونية في الرياضيات بالغة الأهمية، فهي تشير إلى عقلانية كامنة في الكون، عالم تحكمه مبادئ مفهومة لعقولنا وقادرة على استيعابها على نحو لافت. وهذا ما يرتقي بالعقل البشري، ويضعنا في موقع فريد لا يسمح لنا فقط بالملاحظة، بل بفهم وتوضيح البنية العميقة للواقع. كذلك أنه يعزز شعورنا بالدهشة والتواضع، مدركين أننا وإن كنا على علم بهذه القوانين فإننا نخضع لها أيضاً. فقدرتنا على التفكير المنطقي وبنية إدراكنا وقدرتنا على التنبؤ بالأحداث المستقبلية، كلها تبدو متداخلة بصورة وثيقة مع هذه المبادئ الرياضية الكونية، مما يشير إلى تطابق عميق بين العقل والكون.
وللحصول على فهم أساس لمدى دقة هذا الكون وولائه للرياضيات، يمكننا أن نتصور نظامنا الشمسي، ففي عام 1905 اكتشف العلماء أن مداري أورانوس ونبتون لا يتبعان قوانين نيوتن للجاذبية، وباستخدام المعادلات الرياضية توقعوا وجود جرم سماوي آخر يؤثر في مداريهما. وفي عام 1930 استخدم كلايد تومبو طريقة المقارنة التصويرية للصور الفلكية، والمعروفة أيضاً بتقنية مقارنة الومضات. وقد بلغت دقة الحسابات حداً مكننا من تحديد اتجاه التلسكوب للعثور على ذلك الجرم السماوي، وهكذا اكتشف بلوتو. وفي الفترة الأخيرة، استند عالم الفيزياء البريطاني بيتر هيغز إلى النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، وهي معادلات تجمع بين نظرية الكم وفهم النسبية، وتوقع أنه إذا بنينا جهازاً (مصادم الهادرونات)، فسنتمكن من اكتشاف جسيمات جديدة. كذلك تمكن أينشتاين، من خلال توظيف المعادلات الرياضية، من التنبؤ بوجود موجات الجاذبية، قبل أن يأتي الرصد التجريبي لاحقاً ليؤكد صحة هذا التنبؤ.
لذا، بمعنى ما، كان الكون دائماً لغة الرياضيات، ولم نتعلم التعرف على أبجديتها إلا حديثاً.
ومن هذا المنطلق، تتجلى الأعداد والمتتاليات الرياضية بمختلف صورها في شتى مظاهر هذا العالم، حضوراً يصعب إنكاره أو تجاهله.
فمثلاً، باي (π) وهو عدد رياضي يمثل ببساطة نسبة محيط الدائرة إلى قطرها. ومن المثير للاهتمام أن بعض الطروحات تشير إلى وجود علاقة مشابهة في الطبيعة، إذ يمكننا أن نلاحظ أن متوسط نسبة أطوال الأنهار إلى المسافات المستقيمة بين منابعها ومصباتها يقترب من قيمة باي (π).
كذلك نجد متتالية فيبوناتشي في تفرع الأشجار وأوراقها، وتوزيع بذور التوت، ونمط بتلات الزهور. حتى في جسم الإنسان، تتبع أجزاء الجسم المتتاليات 1، 2، 3، و5. ونسبة ملامح الوجه هي النسبة الذهبية، والتي تقارب 1:1.6.
وأخيراً، إذا كانت الرياضيات اختراعاً بشرياً، فإنها تصبح أداة ابتكرها الإنسان لتفسير العالم وفهم ظواهره، واكتساب معرفة أكثر دقة به. وعلى رغم فائدتها الكبيرة التي يؤكدها العلماء، فإنها تظل نتاجاً للعقل البشري وإبداعه.
أما إذا كانت اكتشافاً، فإن الحقائق الرياضية موجودة بمعزل عنا، متداخلة في بنية الواقع نفسه، تنتظر من يكتشفها كما تنتظر القارات من يستكشف عنها. لذا، فإن دقة الرياضيات التي تبدو غير منطقية، تشير إلى الاكتشاف، فقد انبثقت متتالية فيبوناتشي من لغز واجهه عالم رياضيات من العصور الوسطى حول تربية الأرانب، ومع ذلك فهي تصف زهور عباد الشمس بدقة متناهية. كذلك طورت معادلة الموجات لوصف البندولات البسيطة، ومع ذلك فهي تصف الضوء أيضاً. واستنتجت معادلة نيوتن للجاذبية من خلال مراقبة الكواكب، ومع ذلك فهي تنطبق على المجرات التي اكتشفناها بعد قرون. وتستمر هذه المعادلات في العمل في سياقات لم يتخيلها مكتشفوها قط، وهذا يشير إلى أنها ليست مجرد اختراعات بشرية، بل هي انعكاسات لشيء حقيقي في بنية الطبيعة.
فالقوانين الكونية للرياضيات تتجاوز كونها مجرد معادلات أو مفاهيم مجردة، فهي مبادئ أساسية تحكم جوهر الوجود. إنها تربط بين الكلي والجزئي، مانحة إيانا لمحة عن واقع منظم يتجاوز التجربة الفردية. من الرؤى القديمة المحفوظة في الكتب الكبرى إلى الفيزياء المعاصرة، لا تزال الرياضيات تكشف عن القوانين العميقة، والتي غالباً ما تكون غامضة، التي تنظم كوننا. ويبقى اللغز قائم، هل هذه القوانين هي مخطط الخلق، أم أنها نتاج وعي فريد ذي بصيرة نافذة؟ وعلى أي حال، تبقى قوتها وعالميتها حجر الزاوية في البحث الفلسفي والفهم العلمي، تدعونا إلى التأمل في أعمق مبادئ الوجود.ش