بدأت قبل أيام تظاهرات متزامنة في عدة محافظات سورية احتجاجاً على ما وصفه المحتجون بوجود الشبيحة في مدنهم أو عودتهم إليها، وتطورت الاحتجاجات اليوم لانتشار صور لقصاصات ورقية تحمل تهديداً للشبيحة مرفقاً بصورة موز وهي اشارة لعمليات الاغتيال التي ربطت بعبارة “تزحلق بقشرة موز”.
فجأت خرجت مظاهرات احتجاجية في مدن دير الزور وحلب وإدلب رفضاً لموجود من يوصفون بالشبيحة في منازلهم أو في المدن نفسها وتطالب بطردهم منها.
يعتلي رجل يضع قلنسوة ويرتدي عباءة أكتاف شاب ويخطب بعشرات المتظاهرين في محافظة إدلب ويقول إن: «هذه البلد لن يكون فيها شبيحة، شبيح ولاك مابدنا اياك، لن نرضى أن تكون بيننا، لن نقبل للشبيحة أن يتواجدوا بيننا بكل وقاحة».
وفي حلب يظهر مقطع فيديو لرجلين وسط عشرات المحتجين ويطالب بتهجير من يصفهم بالشبيحة إلى خارج سوريا، ويبدو أن الفيديو من حي الشيخ سعيد في حلب، فيما تعلو هتافات في مقطع مصور آخر تحمل هتافات من نوع “قولوا للشبيحة الحلبية دبيحة”.
تزحلق بقشرة موزة .. رصاص المجهولين يدير ملف المحاسبة بعيداً عن الدولة
في دير الزور ظهر مقطع فيديو يسمي بوضوح بعض الشخصيات التي يبدو أنها متهمة بالتشبيح، ويقول صاحب الهتافات أنه لم ينسَ هذه الأسماء ويهتف خلفه بعض المتظاهرين، ويشير إلى أن لديهم سلاح بينما يحمل أحد المتظاهرين موزة.
من خلال تتبع أخبار الاحتجاجات يصعب الوصول إلى صفحة أو منشور محدد على الصفحات التي تنشر أخبار وفيديوهات الاحتجاجات يظهر بدء الدعوة لها، وعلى الرغم من خروجها بأوقات ومدن وأحياء متزامة وبهتافات متشابهة، لا يظهر متحدثون باسمها ولا منظمون لها.
بعض المصادر ترجح أن تكون الدعوات تمت عبر قنوات في تيليجرام وهي قنوات تحدث عنها بعض الناشطين سابقاً وقالوا إنها تدير بعض التحركات وعمليات التحريض والتهديد.
كما تشير عدة مصادر إلى أن المظاهرات لم تحصل على ترخيص ولا موافقة من وزارة الداخلية، حتى أن البعض انتقد هذه التظاهرات رغم تأييدهم لموضوعها.
تهديد بالقتل واتهام بالتشبيح يدفع عميد كلية في جامعة الفرات للاستقالة
من خلال تتبع صفحات بعض الناشطين والمؤثرين خلال المرحلة الانتقالية والداعمين للسلطات نجد أن غالبيتهم لم يشارك عبر صفحته أي دعوات للتظاهر أو أخبار عن المظاهرات، بينما قلة قليلة شاركت فيه وكتب ناشط أن عبارة اذهبوا فأنتم الطلقاء لا تعني أنه مسموح للشبيحة العودة إلى قراهم ومدنهم.
في المقابل، رأى البعض أن مثل هذه التحرّكات بما تخللته من دعوات للقتل والتهجير، تقوّض فكرة العدالة الانتقالية وسيادة الدولة بطبيعة الحال، من مبدأ أن “الدولة” هي الجهة الوحيدة المخولة بإدارة عملية المحاسبة والتي تتم عبر مسار قضائي يتحقق من الاتهامات ويوثّق الجرائم والانتهاكات بحق المتورطين بها، ولا يترك الأمر للشارع لاتهام أي شخص بأنه “شبيح” ومحاسبته بالتهجير أو القتل، دون وجود دليل واضح قاطع على تورّطه بانتهاكات نظام الأسد.
في حين، يرى آخرون أن بعض رموز “التشبيح” وقياديين في ميليشيات دعمت الأسد، والتي طالما ارتبط اسمها بالانتهاكات في عهد النظام، عادت إلى مدنها وقراها دون أدنى حدٍّ من المحاسبة والمساءلة، الأمر الذي يستفز الأهالي لا سيما ذوي الضحايا الذين دفع أبناؤهم ثمن “تقرير” أو وشاية أو كمين، دبّره أحد “الشبيحة”.
بينما استغل البعض ارتباطاته العائلية والعشائرية لتأمين عودته وحمايته ومنحه غطاءً يمنع عنه المحاسبة عمّا تورّط به من انتهاكات بحق السوريين.
وبين وجهتي النظر، تبرز الحاجة لتحقيق الاستقرار ودعم السلم الأهلي الذي يحتاج مراعاة الطرفين، إذ لا يمكن بناء سلامٍ دون عدالة ولا تحقيق استقرار بدعوات الشارع للثأر وتجاهل دور الدولة.
اغتيال عضو لجنة السلم الأهلي بالقرداحة.. مَن المستفيد من هذا التصعيد؟
تحولت عبارة “ترحلق بقشرة موزة” في الأشهر التي تلت سقوط النظام، إلى رمز تستخدمه الصفحات والمجموعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي للإشارة إلى عمليات اغتيال أشخاص يتهمون بأنهم كانوا جزءاً من شبيحة النظام السابق.
وشهدت مدينة “حلب” السلسلة الأطول من هذه الاغتيالات التي ينفذها عادةً ملثمون يستقلون دراجات نارية، وتبقى الحادثة ضد مجهول، فيما تتكفل الصفحات بنشر الاتهامات بحق الشخص المستهدف، لتبرير عملية قتله، وفي الوقت ذاته تخوين أي طرف أو شخص يقول أن هذه العمليات تصنّف كجرائم قتل خارج إطار القانون.
وأعادت الاحتجاجات الأخيرة مخاوف عودة موجات العنف القائم على اتهامات لا تدخل في مسار قضائي وتهمّش دور الدولة في المحاسبة والمساءلة وتعتمد على الانتقام الشخصي الذي قد يشعل حالةً من الاقتتال الأهلي تقوّض أسس الاستقرار المطلوب للمرحلة الانتقالية في سوريا.