مسلسل جاك ريان من المسلسلات القليلة التي خصصت مساحة كبيرة للصراع الأميركي على ثروات فنزويلا، واستعرض خلال عرضه قبل ستة أعوام نية الولايات المتحدة لتحكيم نفوذ الرئيس الفنزويلي الذي يعارض تدخلات الإدارة الأميركية.
كأن دونالد ترمب من خلال إدارته الولايات المتحدة خلال ولايته الثانية قرر أن يغلب الدراما، وأن يتخذ قرارات أكثر جرأة من صناع السيناريو بأن ينتزع رئيس فنزويلا من مقر إقامته ويبعده من الساحة السياسية نهائياً، في المقابل كان الموسم الثاني من مسلسل "Tom Clancy’s Jack Ryan" إخراج أندرو برنستاين وديني جوردن ترك الساحة في كاراكاس مفتوحة للديكتاتور الذي يشكل خطراً على أميركا، والذي للمفارقة كان اسمه الأول نيكولاس أيضاً في إسقاط لا يحمل أية مواربة على نيكولاس مادورو الرئيس الفنزويلي الذي يُحاكم حالياً داخل أميركا.
قام ترمب على أرض الواقع بسد الثغرات، محققاً رغبة مبدعي القصة في عدم توريط الولايات المتحدة ضمن صراع مسلح طويل الأمد والتعلم من دروس العراق وأفغانستان، وخلال الوقت نفسه اقتلاع الشخص الذي يرى أنه يقف في وجه المصالح الأميركية، وكذلك تسهيل الطريق للحصول على ثروات فنزويلا التي لا تُضاهى. ومن هنا جاءت عملية اعتقال مادورو، في حين بقي نيكولاس رييس الذي جسد دوره الممثل الإسباني جوردي مولعاً بمنصبه وسحق واغتيال معارضيه في مسلسل "جاك ريان" الذي عرض عام 2019 ودارت أحداثه في الدولة الواقعة داخل أميركا الجنوبية، ومن خلال ثماني حلقات تابع الجمهور أحداثاً مشوقة في بلد لم تكن مطروحة في الأفلام والمسلسلات على أنها عدو تقليدي أو معتاد للولايات المتحدة إلا فيما ندر.
التشابكات بين حبكة الموسم الثاني من "جاك ريان لتوم كلانسي" الذي عرضته "أمازون برايم" من بطولة جون كراسينسكي على مدى أربعة مواسم منذ عام 2018 وحتى عام 2023، وبين تدخلات الولايات المتحدة في فنزويلا على مدار الأسابيع الماضية، بدا مفاجئاً لبعضٍ، إذ اعتبره متابعون تنبؤاً، وآخرون وجدوه مجرد خيال درامي مبني على معلومات، وكثر وضعوه في خانة واحدة مع مسلسل "ذا سيمبسون" الذي كثيراً ما نجح مبتكروه في تقديم أحداث استباقية استشرافية وقعت بالفعل ولكن بعد عرض المسلسل بأعوام وليس قبله، لتبقى التساؤلات حول تكرار هذه الظاهرة بلا تفسير أو إجابة محددة.
بدأ الموسم الأول بصراعات الإرهاب في الشرق الأوسط، والثالث كان يحمل تعقيدات وإنذارات بنشوب حرب عالمية ثالثة بتدخل روسي، والرابع ركز على التشابك بين الإرهاب والاتجار بالمخدرات، وتهديدات دول أميركا اللاتينية للولايات المتحدة في هذا المضمار، بينما خصص الموسم الثاني لفنزويلا وحدها، وكل ذلك من خلال شخصية البطل جاك ريان، المحلل الماهر في وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية، والذي يتورط في صراعات واشتباكات في الميدان، وعلى رغم وطنيته تجعله إحباطات المؤسسات الرسمية يتأكد في أوقات كثيرة أن ادعاءات بلاده في ما يتعلق بالرغبة في تخليص الشعوب من الاستبداد تتبدد فور أن تصطدم مع المصالح الأميركية.
تبدأ الحلقات بحماسة كبيرة بعدما يكتشف جاك خيطاً معلوماتياً يشير إلى صفقات مشبوهة للنظام السياسي الفنزويلي، ويقوده البحث إلى التورط أكثر في شؤون الدولة، إذ يجري بعض الاشتباكات المسلحة المحدودة، فرجال الولايات المتحدة يحاولون العمل على إسقاط النظام ولكن بسلطات محدودة، ويدعمون بصورة غير مباشرة وجه المعارضة المتمثل في غلوريا بونيالد التي تعد رمز الأمل في الديمقراطية والعدالة من وجهة النظر الأميركية، ومحاولات جاك في تتبع صفقات السلاح الغامضة والمخدرات والتعاون مع روسيا، لا تقوده في النهاية لتحقيق الطموح المنشود، ويستمر نيكولاس رييس في اعتقال وقمع وتصفية معارضيه وهو يرفع شعارات شعبية تعادي الإمبريالية والاستعمارية، فخطابه الحماسي لا يثنيه عن إطلاق النار على المتظاهرين ووأد أية احتجاجات ومحاولات لإصلاح الوضع السياسي في مهدها، ويستعرض المسلسل كيف أن فنزويلا دولة تعوم على كنوز من النفط والمعادن الثمينة ومع ذلك تحولت إلى اقتصاد فاشل طارد للكفاءات يتحين فيه المواطنون أية فرصة للهجرة والهرب من الأوضاع الخانقة، وذلك بفعل النظام الديكتاتوري.
وفور أن أطاح ترمب مادورو الذي يحكم البلاد منذ 13 عاماً، من طريق عملية عسكرية محدودة وخاطفة، وسط صدمة المجتمع الدولي، إذ احتجزه للمحاكمة هو وزوجته سيدة فنزويلا الأولى سيليا أديلا فلوريس دي مادورو، في مشاهد بدت دراماتيكية أكثر من انتمائها لعالم السياسة والقانون الدولي، لجأ بعض للنبش في أرشيف الدراما الأميركية ليخرجوا بعدة مشاهد كاشفة.
أبرز تلك المشاهد كان لقاء البطل جاك ريان في إحدى الجامعات بمئات من الحضور، حيث ألقى عليهم محاضرة سياسية وطرح سؤالاً بدا سهل الإجابة حول أخطر الدول المهددة للعالم في رأيه، لتتنوع الإجابات بين روسيا وكوريا الشمالية والصين، وهي بالفعل البلدان التي تأتي على رأس قائمة اختيارات صناع الدراما حينما يريدون إدارة صراع تقليدي للولايات المتحدة مع خصومها التاريخيين، ولكن خلال المَشاهد يفاجئ جاك ريان الحضور بأن فنزويلا هل الخطر الأكبر الذي يتعمد منظرو السياسة عدم الحديث عنه إعلامياً بما يكفي، وذلك بكل ما تملكه تلك الدولة اللاتينية من احتياط نفطي هو الأكبر عالمياً، ومعادن نفيسة تزيد على كل ما تحويه مناجم أفريقيا، وبسبب قربها الجغرافي من الولايات المتحدة ومن ترسانتها العسكرية، وأخذ يشرح كيف تتناقض تلك الحقائق مع الأزمات الإنسانية التي يعانيها شعب تلك الدولة بسبب الرئيس الذي لديه مشاعر فخر وطني متعاظمة، مقابل قدرات كبيرة على إحداث شلل في الاقتصاد.
وتطرقت المحاضرة إلى الحديث عن الانتخابات الوشيكة بفنزويلا وكيف أن فوز الرئيس "الفاشل" مقابل خسارة معارضته الأستاذة الجامعية التي لديها رؤية للعدالة أكثر توافقاً مع أهداف الولايات المتحدة، سيجعل فنزويلا دولة تعيش في دوامة من الأزمات، مشبهاً إياها بسوريا واليمن والعراق بكل ما يعنيه هذا من بؤر غير مستقرة أمنياً ستلقي بظلالها على دول الجوار وما هو أبعد.
من جهته، علق كارلتون كيوز أحد عناصر الفريق الإبداعي في المسلسل على هذا الجدل الدائر بأن دراما "جاك ريان" ليست عملاً تنبؤياً أو خيالياً، ولكنه يستقرأ الواقع وفقاً لمعطيات معلوماتية وتحليلات بذل فيها مجهوداً، وأوضاع قائمة بعضها مستمر منذ أعوام طويلة، إذ سار وراء الاحتمالية المنطقية الأقرب للتحقق فيما كان لافتاً بالنسبة إلى الجمهور أن المسلسل كان من الأعمال القليلة التي تطرقت للوضع السياسي عن قرب في فنزويلا بعدما كان يقتصر تناول الدراما لدول أميركا اللاتينية على كونها مصدر تهريب المخدرات الأكثر خطورة بالنسبة إلى أوروبا وأميركا الشمالية، بينما كان رجال مكافحة المخدرات يتنقلون بين تلك البلدان في محاولات لتحجيم اقتصاد المخدرات، واستعرضت عشرات الأفلام والمسلسلات تلك المغامرات التي استند كثير منها لقصص حقيقية مراراً.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اللافت أن المسلسل تمسك بالصور التقليدية للولايات المتحدة بأنها تلتزم بالقوانين، ولهذا حافظوا على عدم الشطط في ما يتعلق بعمق التدخل، ولكن ترمب تفوق كالعادة على خيالات المبدعين واختطف الرئيس وزوجته في واقعة لم تخطر على بال كبار المحللين، وبدت الدراما أكثر تحفظاً بكثير فبدا جانب لا بأس به من الأميركيين في المسلسل يسعون إلى رفاهية المجتمع الفنزويلي وأن ينعموا بنظام ديمقراطي، ومع ذلك تقاعسوا عن تقديم الدعم المباشر أو التدخل بصورة أكبر لتغيير دفة الأوضاع، مما أدى في النهاية لتهديدات جسيمة تطاول زعيمة المعارضة غلوريا بونيالد التي قدمت دورها الكولومبية كريستينا أومانيا التي تحظى بدعم وحماية واشنطن، والتي تعادل بصورة واضحة شخصية ماريا كورينا ماتشادو باريسكا أحد أبرز الوجوه المعارضة لمادورو. وكانت ماريا حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 2025، وتربطها علاقة قوية بمسؤولي الولايات المتحدة، لتختار الدراما استمرار الزعيم المنبوذ في الحكم ويحبط رجال الاستخبارات الأميركية جراء عدم تمكنهم من منح شعب فنزويلا الديمقراطية والرفاهية.
لكن على أرض الواقع لم يكف مسؤولو الولايات المتحدة عن الاحتفاء بملايين براميل النفط التي تستفيد بها واشنطن من فنزويلا، إضافة إلى مليارات الاستثمارات للشركات الأميركية جراء الأوضاع الجديدة، فيما النظام السياسي السيئ لا يزال كما هو، إذ إن حاشية مادورو هي التي تحكم بينما الولايات المتحدة، وفقاً للمراقبين، لم تأبه بما زعمته في البداية والمتعلق برغبتها في إنقاذ الشعب الفنزويلي من النظام السياسي المستبد، وكل ما حدث أن المسؤولين الأميركيين ضمنوا فقط تعاوناً على المستوى الاقتصادي بشروط تحقق لهم مصالحهم.
عالم جاك ريان كان ابتكره الكاتب توم كلانسي "1947 - 2013"، الذي كانت مؤلفاته دوماً في صدارة الأكثر مبيعاً، وبعد رحيله واصل عدد من المبدعين استثمار هذه الشخصية، فيما كانت قُدمت في عدة أفلام ناجحة حققت مئات ملايين الدولارات في شباك التذاكر، وتعد من أشهر أفلام الإثارة السياسية والأكشن الأكثر نجاحاً، ومن ضمن أبرز من قدموا تلك الشخصية سينمائياً هاريسون فورد وبن أفليك وكريس باين، فيما كان الموسم الثاني من المسلسل الذي قدمه جون كراسينسكي ودشن به بصمته في عالم دراما الجاسوسية والمطاردات السياسية مثار أزمة بين فنزويلا والولايات المتحدة، واعتبرته الدولة اللاتينية إبان عرضه دعاية عدائية مغرضة، وذلك على لسان بعض مسؤوليها في وزارة الثقافة.