دمشق-سانا
من مواسم المطر والرعي، ومسارات التنقل بين المراعي ومصادر المياه، إلى الشعر الذي حفظته الذاكرة الشفوية، والمنسوجات التي حملت مهارات نسجتها أيدي النساء، تشكل البادية السورية جزءاً من فسيفساء التراث الثقافي في سوريا، بما تختزنه من معارف وعادات وقيم وممارسات ارتبطت بظروف الحياة في الصحراء وانتقلت من جيل إلى آخر.
واكتسب هذا الموروث اهتماماً دولياً متزايداً مع احتفاء منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» للمرة الأولى في 22 أيلول الجاري باليوم الدولي للتراث البدوي، الذي أقره مؤتمرها العام عام 2025، في مناسبة تسلط الضوء على تراث المجتمعات البدوية وما راكمته عبر قرون من معارف مرتبطة بالبيئة والمواسم والمياه وسبل العيش، وتدعو إلى صونه وتوثيقه ونقله إلى الأجيال المقبلة.
اختير 22 أيلول لقربه من موعد الاعتدال الخريفي، الذي يمثل مرحلة مهمة في دورة الفصول وتبدل أحوال الطقس، ولا سيما لدى المجتمعات التي ارتبطت حياتها بالتنقل ومواسم الرعي، وترى «اليونسكو» أن المجتمعات البدوية الرحل أسهمت على مدى قرون في وصل المجتمعات وتعزيز تبادل الأفكار واللغات والتقاليد الثقافية.
وأشارت اليونسكو في بيان نشرَته عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك في 23 أيلول الجاري بمناسبة اليوم الدولي للتراث البدوي إلى ما تختزنه المجتمعات البدوية من معارف متوارثة حول الفصول والمراعي والمياه والحيوانات والنظم البيئية، ودور النساء في حفظ هذه المعارف ونقلها بين الأجيال، مؤكدةً أهمية صون هذا التراث في حماية التنوع البيولوجي وتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ واستدامة سبل العيش.
في هذا السياق رحب حسين الحاكم، المشرف العام على مركز دراسات القبائل العربية، في تصريح لـ سانا بالاحتفاء الدولي للمرة الأولى بالتراث البدوي، ورأى فيه فرصة لتسليط الضوء على الموروث السوري.
وقال: “إن انتقال كثير من البدو إلى الاستقرار تزامن مع إهمال تراثهم وخاصة أن سياسات النظام البائد همشت أبناء البادية وأبعدتهم عن الحياة الثقافية”.
وأوضح الحاكم أن البداوة لم تعد مقتصرة على الترحال طلباً للماء والكلأ، إذ استقرت جماعات من أبنائها في المدن والأرياف مع احتفاظها بجوانب من موروثها، ومنها الشعر وعادات إكرام الضيف وحق الجوار وإغاثة الملهوف، داعياً إلى تأسيس جمعية تعنى بالمحافظة على التراث البدوي السوري، وإتاحة مساحة أوسع لشعرائه في الفعاليات الثقافية.
في البادية السورية، ارتبط الرعي والتنقل بمعرفة مواسم المرعى ومصادر المياه، وترك هذا النمط من الحياة أثره في الحرف اليدوية، ومنها نسج البسط والأربطة.
وتوضح الباحثة استيباليز سينرا إراشيتا، في مقال نشره «أرشيف التراث السوري»، الذي يشارك فيه متحف الفن الإسلامي في برلين ومعهد الآثار الألماني، أن النساء في المجتمعات البدوية استخدمن الأنوال في صناعة الأحزمة والأشرطة، فيما اعتمدت جماعات بدوية على أنوال سهلة النقل لنسج البسط بما يتناسب مع طبيعة حياتها المتنقلة.
وتبيّن دراسة للباحثين مروان العبسي وسمير حسن، نُشرت في مجلة Ethnologia Actualis الصادرة عن جامعة القديسين كيرلس وميثوديوس في ترنافا بسلوفاكيا، أن انتقال جماعات بدوية في البادية السورية إلى الاستقرار غيّر بعض ممارساتها اليومية، فيما واصلت أسر الحفاظ على تقاليد وقيم توارثتها.
واعتمدت الدراسة على عمل ميداني، ما يبرز أهمية توثيق الموروث من مصادره الحية، لرصد ما حافظت عليه المجتمعات البدوية من عادات وممارسات، وما طرأ عليها من تغيرات مع تبدل أنماط الحياة، إلى جانب توثيق الأدوات التي ارتبطت بحياة الأجيال السابقة.
وفي هذا الإطار، تواصل مديرية التراث اللامادي في وزارة الثقافة جهودها في توثيق عناصر التراث الثقافي اللامادي السوري والحفاظ عليها، بما فيها الموروث المرتبط بالبادية، من خلال رصد العادات والتقاليد والشعر والحرف والمعارف المتوارثة، والعمل على توثيقها وتعريف الأجيال الجديدة بها بما يضمن استمرارها ونقلها بين الأجيال.
ويحفظ الشعر البدوي المتناقل شفهياً جانباً من تجارب سكان البادية وذاكرتهم، فيما تنقل المنسوجات مهارات العمل بمواد البيئة، كما يتيح توثيق القصائد والحرف والمعارف المرتبطة بالرعي، بمشاركة أصحابها، التعرف إلى التراث البدوي السوري كما عاشه الناس وكما يواصلون نقله اليوم.