حتى هذه اللحظة وقعت 64 دولة على اتفاقات أرتميس بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وإيطاليا وكندا والبرازيل إلى جانب 6 دول عربية بينما لم توقع روسيا والصين ودول أخرى.
من المبكر جداً الحكم على نتائج اتفاق أرتميس للفضاء الذي وقع عام 2020 بين 64 دولة عربية وعالمية، لأنه يحمل هدفاً طموحاً للغاية، وقد يكون من الصعب جداً الوفاء به على ضوء الأحداث الجارية اليوم في الفضاءين الأميركي والعالمي. وعلى رغم ذلك يظل الاتفاق بمثابة صمام أمان وملاذاً للفضاء الحكومي العالمي في وجه الفضاء التجاري الذي يقوده عدد من رجال الأعمال وأثرياء العالم، إذ تحمي المعاهدة الفضاء عموماً والقمر خصوصاً من بعض تقلبات هذا المجال العلمي الذي تحول أخيراً إلى قطاع ربحي وأخذ يدر أموالاً على شركات الفضاء الخاصة وأكبرها في العالم اليوم "سبيس إكس" و"بلو أوريغن" الأميركيتان.
على رغم ذلك يظل القمر حلماً لجميع البشر، ولذلك سيكون برنامج أرتميس الأميركي أوسع برنامج دولي لاستكشاف الفضاء البشري وأكثرها تنوعاً في التاريخ. وفي هذا السياق قال جيم بريدنستين الذي كان مديراً لوكالة "ناسا" من أبريل (نيسان) عام 2018 وحتى الـ20 من يناير (كانون الثاني) عام 2021 إن اتفاق أرتميس هو "الوسيلة التي ستؤسس هذا التحالف العالمي الفريد". وبتوقيعها على الاتفاق تتحد "ناسا" مع شركاء كثر لاستكشاف القمر وترسيخ مبادئ أساسية، تسهم في بناء مستقبل آمن وسلمي ومزدهر في فضاء ينعم به جميع البشر.
وفي مقالة لروبرت ليا وهو صحافي علمي بريطاني يحمل شهادة بكالوريوس في الفيزياء وعلم الفلك، أكد أنه وبمبادرة من "ناسا"، أطلقت اتفاقات أرتميس للمرة الأولى ووقعت من قبل ثماني دول خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2020، إذ اجتمع ممثلو الدول الموقعة عليها وجهاً لوجه للمرة الأولى في المؤتمر الدولي للملاحة الفضائية في باريس في الـ19 من سبتمبر (أيلول) عام 2022.
وتهدف هذه الاتفاقات إلى وضع مجموعة مشتركة من المبادئ لضمان تنفيذ المهام التي تندرج تحت مظلة مهمة أرتميس بمسؤولية. وفي هذا السياق نشرت مواقع علمية أميركية صورة تمثال لامرأة تحمل جعبة سهام، مع التساؤل: من هي أرتميس؟ ومقالات أخرى تعرف بالآلهة اليونانية القديمة التي ألهمت عودة "ناسا" إلى القمر. وتجدر الإشارة إلى أن اتفاق أرتميس الذي تقوده "ناسا" ووزارة الخارجية الأميركية وقع على المستوى الوطني وليس على المستوى المؤسسي وأن الدول توقع عليه طواعية.
بداية لا بد من الانتباه إلى أن فكرة مبادرة "ناسا" جاءت في توقيت معين، إذ أطلقت وكالة الفضاء الحكومية الأميركية الدعوة إلى هذه المبادرة خلال أعوام وصفت بأنها حقبة تبدد حلم "ناسا" في غزو الفضاء. وفي زمن إقرار الوكالة بعجزها وحدها عن الإيفاء بوعدها في اكتشاف حياة خارج كوكب الأرض، ولذلك جاءت الدعوة خلال عام 2020 عبر رئيس "ناسا" وهو جيم بريدنستين. ويعد بريدنستين آخر زعماء "ناسا" في تلك الحقبة العلمية من عمر وكالة الفضاء الأميركية الحكومية. وبعد عهد هذا الرجل أصبحت زعامة "ناسا" منصباً يتنافس عليه رجال الأعمال وبعض المتنفذين في الحكومات الأميركية.
وكان جيم بريدنستين مدير وكالة "ناسا" عام 2020، وقاد الوكالة خلال عام مليء بالإنجازات، من بينها إطلاق رواد فضاء أميركيين من الأراضي الأميركية للمرة الأولى منذ عام 2011 وإطلاق مركبة بيرسيفيرانس إلى المريخ. وكان بريدنستين المدير الـ13 لـ"ناسا" وقد تولى منصبه في الـ23 من أبريل (نيسان) عام 2018 واستمر حتى الـ20 من يناير عام 2021 وكان أيضاً أول سياسي منتخب يتولى هذا المنصب بعدما كان عضواً في مجلس النواب عن ولاية أوكلاهوما.
ووفق موسوعات علمية فقد شهد عام 2020 ذروة نشاط بريدنستين في قيادة الوكالة. وجاء ذلك تزامناً مع تحقيق برنامج الفضاء الأميركي التجاري نجاحاً كبيراً. وبدأ في ذلك العام نشاط رجال الأعمال ومنهم الملياردير الأميركي إيلون ماسك، حين أطلقت شركته "سبيس إكس" رواد فضاء إلى محطة الفضاء الدولية في الـ30 من مايو (أيار) عام 2020 وهو حدث اعتبر تاريخياً لأنه أعاد القدرة الأميركية على إطلاق الرحلات المأهولة بشرياً.
وأشرف بريدنستين على إطلاق مركبة بيرسيفيرانس ضمن برنامج المريخ خلال يوليو (تموز) من عام 2020، ولذلك تؤكد الموسوعات العلمية الأوروبية أن بريدنستين هو من "دفع برنامج أرتميس الذي يهدف إلى هبوط أول امرأة والرجل التالي على سطح القمر"، إذ قدم خطة تقدر كلفتها بـ28 مليار دولار للفترة بين 2021 و2025. وعمل على تجهيز صاروخ "أس أل أس" ومركبة أوريون لرحلات الاستكشاف العميق، وقد جرى استخدام المركبتين أخيراً في أرتميس 3 خلال أبريل الماضي وبنجاح.
من هنا يعد بريدنستين عراب نجاح مهمة أرتميس 3، وقد اعتبرته تحليلات صحافية في ذلك الوقت قائداً فعالاً لـ"ناسا" لأنه استطاع إدارة الوكالة خلال جائحة كورونا وأسهم في الوقت ذاته بتعزيز التعاون مع شركات الفضاء الخاصة والفضاء العالمي. ويذكر أن بريدنستين أعلن خلال نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020 أنه سيستقيل من منصبه وذلك تزامناً مع انتقال الإدارة الرئاسية، مؤكداً أن "ناسا" "تحتاج إلى مدير يرتبط مباشرة بالرئيس الجديد". وهكذا غادر بريدنستين منصبه رسمياً خلال الـ20 من يناير 2021.
من أهم مبادئ اتفاقات أرتميس تأكيد أهمية التزام الدول بمعاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 واتفاق الإنقاذ والعودة الذي أبرم عام 1968. وتعد معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 الأساس القانوني الدولي الذي ينظم كل نشاط بشري في الفضاء، وتمنع المعاهدة التسلح النووي أو ادعاء السيادة على أي جرم سماوي. وهي معاهدة دولية متعددة الأطراف اسمها الكامل "معاهدة المبادئ المنظمة لأنشطة الدول في استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى".
وقد أتيحت هذه المعاهدة للتوقيع في الـ27 من يناير عام 1967، ثم دخلت حيز التنفيذ في الـ10 من أكتوبر من العام نفسه، وتعد الأساس الأول والأهم لقانون الفضاء الدولي. وانضمت إليها أكثر من 100 دولة بما فيها القوى الفضائية الكبرى وهي أميركا وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي.
وتقوم معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 على مبادئ أساسية أهمها أن الفضاء ملك للبشرية جمعاء، وأنه مفتوح للاستكشاف والاستخدام من قبل جميع الدول من دون تمييز، وأن لا دولة تملك حق ادعاء السيادة أو الملكية على أي جزء من الفضاء أو أي جرم سماوي. ويحظر هذا الاتفاق وضع الأسلحة النووية أو أسلحة الدمار الشامل في المدى أو على القمر أو على أي جرم سماوي.
وفي هذا السياق يذكر أن سباق الفضاء اليوم لا يلتزم حظر وضع الأسلحة النووية على سطح القمر، ولا حظر القواعد والمناورات العسكرية، إذ ليس من الواضح أن قوى الفضاء الكبرى تؤكد مبدأ خضوع الأنشطة الفضائية للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
يقر اتفاق أرتميس جميع مبادئ حقبة الفضاء الرومانسية منذ 1967. وتؤكد معاهدات أرتميس أيضاً أن رواد الفضاء رسل للبشرية جمعاء. ولذلك توجب المعاهدات على الدول المنضوية في الاتفاق تقديم المساعدة لهم في حال وقوع حادثة. وتحمل المعاهدات الدول المسؤولية الكاملة عن كل نشاط فضائي يجري باسمها سواء نفذته جهات حكومية أو شركات خاصة لديها. وتلزمها تجنب التلوث الضار للفضاء أو الأجرام السماوية أو إدخال تلوث فضائي إلى الأرض. وقد كانت هذه المعاهدة خطوة حاسمة في زمن الحرب الباردة لمنع سباق تسلح الفضاء ولوضع قواعد ما زالت تحكم الأقمار الاصطناعية والمحطات الفضائية والبعثات القمرية حتى اليوم.
إضافة إلى ذلك تؤكد اتفاقات أرتميس عام 2020 أهمية اتفاق الإنقاذ والعودة الذي أبرم عام 1968، والذي يشدد على مسؤولية الدول في إعادة رواد الفضاء والمعدات إلى الأرض بأمان، فضلاً عن سياسات أخرى متعلقة بالفضاء، مثل اتفاق المسؤولية لعام 1972. واتفاق الإنقاذ والعودة لعام 1968 وهو اتفاق دولي مكمل لمعاهدة الفضاء الخارجي. ويهدف إلى تنظيم التعاون بين الدول في حالات الطوارئ التي يتعرض لها رواد الفضاء أو الأجسام الفضائية. وينص الاتفاق بوضوح على أن جميع الدول الموقعة ملزمة تقديم كل مساعدة ممكنة لهم إذا تعرضوا للخطر سواء داخل أراضي دولة ما أو في البحر أو عند الهبوط الاضطراري.
وتلزم الدولة بإخطار الدول الأخرى فوراً عند اكتشاف أي حادثة تتعلق برواد الفضاء أو المركبات الفضائية، وتلزمها أيضاً إعادة رواد الفضاء إلى الدولة التي أطلقتهم، وإعادة الأجسام الفضائية أو أجزائها إذا سقطت داخل حدودها. ويؤكد الاتفاق أن التعاون في الإنقاذ والعودة واجب دولي يعزز السلامة في الفضاء ويضمن استمرار الأنشطة الفضائية بصورة مسؤولة وآمنة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من ناحية النطاق، يتناول اتفاق أرتميس الأنشطة في مدى القمر والمريخ والمذنبات والكويكبات، وعلى سطحها وتحت سطحها. وتشمل النقاط المدارية المستقرة لنظام الأرض والقمر، وتطبق على الأجسام العابرة بين هذه الأجرام السماوية.
وفي وثيقة اتفاقات أرتميس، تحدد "ناسا" المبادئ الأساسية للاتفاقات، وهي تشمل الاستكشاف السلمي للفضاء والشفافية، والتوافق التشغيلي بين الدول، الذي يعني أن على الدول المشاركة في برنامج أرتميس أن تسعى إلى تطوير ودعم أنظمة قادرة على العمل بالتكامل مع البنية التحتية القائمة، مما يعزز سلامة العمليات الفضائية واستدامة هذه المهام، إضافة إلى المساعدة الطارئة التي تلزم الدول الموقعة على اتفاقات أرتميس مساعدة رواد الفضاء والعاملين في الفضاء الخارجي الذين يواجهون محنة، وتسجيل الأجسام الفضائية والحفاظ على التراث.
من جهة ثانية، تلتزم الدول الموقعة على اتفاقات أرتميس الحفاظ على تراث البشرية في الفضاء الخارجي مع وجود بنود أخرى تنظم الموارد الفضائية وأخطار الحطام المداري. كذلك يؤكد الاتفاق ضرورة تنسيق الأنشطة بين جميع الدول ومنع أي تدخل ضار بالاتفاق. إلى جانب تطبيق مبدأ مراعاة المصالح المشتركة الذي يشمل إنشاء ما يسمى "مناطق الأمان"، وهي مناطق يمكن إنشاؤها بين الدول، ويمكن أيضاً إنهاؤها عند توقف العمليات ذات الصلة.
وحتى هذه اللحظة وقعت 64 دولة على اتفاقات أرتميس، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وإيطاليا وكندا والبرازيل. إلى جانب ست دول عربية هي البحرين والأردن والمغرب وعمان والسعودية والإمارات. ومن اللافت للنظر أن هناك دولاً كبرى وعريقة في مجال الفضاء لم توقع على الاتفاق، وأبرز الدول التي لم توقع على اتفاق أرتميس هي روسيا والصين.