موازنة الاتحاد الأوروبي.. البحث عن إيرادات جديدة وسط خلافات وضغوط الديون

بروكسل-سانا‏

يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إيجاد مصادر تمويل جديدة لموازنته طويلة الأجل للفترة ‌‏‌‏2028-2034، في ظل خلافات بين الدول الأعضاء بشأن حجم الإنفاق المشترك، ‌‏وتزايد الضغوط على المالية العامة في عدد من الاقتصادات الأوروبية، ما يضع ‌‏مسألة توزيع الأعباء المالية في صلب المفاوضات المقبلة.‏

ووفق تقرير نشرته شبكة يورونيوز أمس الأربعاء، يتولى رئيس المجلس الأوروبي ‌‏أنطونيو كوستا قيادة المفاوضات بشأن الموازنة المقبلة، وسط تعثر التوصل إلى ‌‏اتفاق حول حجم التمويل المطلوب ومصادره، فيما تتجه المناقشات نحو فرض ‌‏ضرائب ورسوم جديدة تتيح للاتحاد تحصيل إيرادات مباشرة، بدلاً من الاعتماد بصورة ‌‏أكبر على زيادة مساهمات الحكومات الوطنية.‏

وتبلغ قيمة الموازنة طويلة الأجل التي اقترحتها المفوضية الأوروبية للفترة 2028-‌‏‌‏2034 نحو تريليوني يورو، فيما يتوقع أن توفر الموارد الذاتية الجديدة، إلى جانب ‌‏تعديلات على مصادر الإيرادات القائمة، نحو 58.2 مليار يورو سنوياً، وفق تقديرات ‌‏المفوضية وبأسعار عام 2025، وتهدف هذه الموارد إلى تخفيف الأعباء عن ‌‏الميزانيات الوطنية، والمساهمة في تمويل أولويات الاتحاد الأوروبي وسداد الالتزامات ‌‏المرتبطة ببرنامج التعافي من جائحة كوفيد-19.‏

تتمحور المناقشات حول ما يعرف في مؤسسات الاتحاد الأوروبي بـ”الموارد الذاتية”، ‌‏أي مصادر الإيرادات التي تذهب مباشرة إلى الموازنة المشتركة، وتشمل مقترحات ‌‏لفرض مساهمات على الشركات الكبرى والخدمات الرقمية، إلى جانب رسوم على ‌‏منتجات التبغ وانبعاثات الكربون والقمار عبر الإنترنت والأصول المشفرة.‏

ونقلت يورونيوز عن كوستا تأكيده أهمية تعزيز العمل على الموارد الذاتية الجديدة، ‌‏بما يسمح بالإبقاء على المساهمات الوطنية عند مستويات معقولة، مع توفير التمويل ‌‏اللازم لتنفيذ الأولويات المشتركة.‏

غير أن هذه المقترحات تواجه خلافات بشأن حجم الإيرادات التي يمكن أن توفرها، ‌‏وانعكاساتها على الاقتصادات الوطنية والقدرة التنافسية للشركات، وتتمسك حكومات ‌‏أوروبية بضرورة التوصل إلى توافق بين الدول الأعضاء، فيما يرى البرلمان ‌‏الأوروبي أن بعض الخيارات المطروحة لا توفر طموحاً كافياً لتلبية الاحتياجات ‌‏المالية المقبلة.‏

وبحسب التقرير، قد تصل الإيرادات السنوية المحتملة لمقترحات البرلمان المتعلقة ‌‏بالخدمات الرقمية والقمار عبر الإنترنت والأصول المشفرة إلى 25 مليار يورو، إلا ‌‏أن هذه التقديرات تبقى مرتبطة بإقرار المقترحات وآليات تطبيقها.‏

وتشمل الخيارات الأخرى تخصيص 30 بالمئة من عائدات نظام تجارة الانبعاثات ‌‏الأوروبي للموازنة المشتركة، وفرض مساهمة أوروبية تستند إلى الرسوم الانتقائية ‌‏على التبغ، إلى جانب إيرادات مرتبطة بآلية تعديل الكربون على الحدود والنفايات ‌‏الإلكترونية، ويواجه بعض هذه الخيارات اعتراضات من دول تخشى تأثيرها في ‌‏إيراداتها الوطنية أو في قطاعات اقتصادية محددة.‏

وتأتي هذه الخلافات في وقت تكشف فيه البيانات الأوروبية عن استمرار ارتفاع ‌‏مستويات الدين العام، بما يعكس الضغوط التي تواجهها حكومات الاتحاد في إدارة ‌‏الإنفاق والعجز.‏

ووفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” الصادرة يوم أمس، ارتفعت نسبة ‌‏الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو إلى 88.8 بالمئة في ‌‏الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بـ87.3 بالمئة في الفترة نفسها من العام ‌‏الماضي، فيما بلغت النسبة على مستوى الاتحاد الأوروبي 82.9 بالمئة، مقابل ‌‏‌‏81.4 بالمئة قبل عام. ‏

وبلغ إجمالي الدين الحكومي لدول منطقة اليورو نحو 14.4 تريليون يورو في الربع ‌‏الثاني من العام الجاري.‏

وتعكس هذه الأرقام تفاوت الأوضاع المالية بين الدول الأعضاء، في وقت تتباين فيه ‌‏مواقفها من زيادة المساهمات الوطنية أو اعتماد مصادر تمويل أوروبية جديدة، ما ‌‏يضيف بُعداً مالياً إلى الخلافات بشأن الموازنة المشتركة.‏

وسجلت اليونان أعلى نسبة دين في الاتحاد، عند 140.8 بالمئة من الناتج المحلي ‌‏الإجمالي، تلتها إيطاليا بنسبة 139.9 بالمئة، ثم فرنسا بنسبة 119.1 بالمئة.‏

ويواجه الاتحاد الأوروبي تحدياً في التوفيق بين تمويل أولوياته الاستراتيجية والحفاظ ‌‏على التوازنات المالية للدول الأعضاء، في ظل الخلافات بشأن حجم الموازنة ‌‏ومصادر إيراداتها، ووفق المفوضية الأوروبية، تستهدف الموازنة المقترحة للفترة ‌‏‌‏2028-2034 تعزيز التنافسية والأمن وتمويل الأولويات المشتركة، مع تنويع الموارد ‌‏المالية، والحد من الضغوط على المساهمات الوطنية. ‏
وفي المقابل، أظهرت المفاوضات استمرار الخلافات بشأن حجم الإنفاق، إذ طالبت ‌‏ألمانيا بتخفيضات كبيرة في الموازنة ورفضت اللجوء إلى اقتراض أوروبي مشترك ‌‏جديد، وفق تقرير يورونيوز.‏

وتبقى قدرة الاتحاد الأوروبي على إقرار مصادر تمويل جديدة مرتبطة بالتوصل إلى ‌‏توافق بين الدول الأعضاء حول توزيع الأعباء المالية وأولويات الإنفاق، في ظل ‌‏تفاوت أوضاعها الاقتصادية ومواقفها من حجم الموازنة المشتركة. ‏

وبين الحاجة إلى تمويل التنافسية والأمن والأولويات الاستراتيجية، والتحفظات على ‌‏زيادة المساهمات الوطنية أو فرض ضرائب جديدة، تتجه المفاوضات إلى اختبار قدرة ‌‏التكتل على توفير موارد مستدامة تتيح تنفيذ خططه، من دون تعميق الخلافات بين ‌‏أعضائه أو زيادة الضغوط على اقتصاداتهم.‏

أعلن في شمرا